المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : #ديالكتيك كافكا.. اللغة.. المعنى.. #


بلم بصراوي
09-20-2006, 07:43 AM
الكاتب الروائى التشيكي فرانز كافكا، يعتبر من بين أهم أربعة كُتّاب في العالم أثروا تأثيراً بالغاً في الكتابة الروائية المعاصرة. لقد أحدث هؤلاء الاربعة انقلاباً كاملاً في الكتابة الروائية، وهم روبرت موزيل وبروخ وجروموفتش وفرانز كافكا. كل منهم أضاف إضافة بارزة وخطيرة لفن الرواية الأوروبية بعد القرن التاسع عشر بقليل.
* ولكن فرانز كافكا يعد من أخطرهم تأثيراً. وذلك لأن إنجازه الإبداعي لم ينصب فقط على ابتداع شكل جمالي روائى جديد.. بل جاء بمعانٍ وجودية عميقة ما كان من الممكن اكتشافها في ذلك الوقت.. فهو - مثلاً - أول من كتب عن ضياع الإنسان داخل المجتمع الشمولي الذي يحكم سياسياً بواسطة الحزب الواحد. حيث تطارد الأجهزة الأمنية الفرد وتقدمه الى محاكمة بسبب جريمة لم يرتكبها قط.. وذلك ما كتبه كافكا في رواية «المحاكمة». أما روايته «المسخ» و«التحولات» فهي تصوير لعزلة الإنسان واستحالة ذوبانه في الجماعة، فالإنسان يظل محكوماً عليه بالوحدة والعزلة.. فهو مسجون داخل جلده.
* لقد اخترع كافكا كل هذه الأفكار الوجودية مستمداً إياها من واقع حياة الشخصية.. فهو منطوٍ على ذاته.. وغير قادر على الاتصال بالآخر.. فحتى الفتاة التي كان يحبها فشل في أن يبوح لها بمكنونات صدره!!.
* ولأن كافكا ما كان يؤمن بجدوى الكتابة.. فالكتابة هي عمل بلا نفع.. عمل بلا جدوى.. ولهذا أوصى صديقه «ماكس برود» بأن يحرق كل ما كتبه. وكان من حظ الأدب الإنساني أن ماكس لم ينفذ هذه الوصية.
* كان عدم إيمان كافكا بالكتابة يأتي بسبب عدم إيمانه بوجود معنى يمكن ان تنشئه الكتابة. فالمعنى يكمن في الكلام المباشر الذي يريد ان يوصل معلومات للمتلقي.. فغرض الكلام وظيفي - أما الكتابة.. فهي لا تريد ان توصل معلومات، بل هي تريد اكتشاف المعنى.. ولكن المعنى يهرب من أمام الكتابة. وهنا بالضبط يلتقي موقف كافكا الروائى بموقف شاعر قصيدة النثر: فتراكيب الجمل في روايات كافكا تبني المعنى.. ولكن الجملة اللاحقة للجملة الأولى تهدم هذا البناء.. فأنت تجد المعنى وعكس المعنى.. وهنا تكف الدراما السردية الروائية عن العمل حينما يتوقف سريان المعنى.
* إذاً كافكا يضع نفسه موضع شاعر قصيدة النثر.. ذاك الذي يبحث عن نفسه في اللغة ذاتها. وهذا ما كتبه رومان كاست في «كافكا واستحالة الكتابة» وهي مقالة من ترجمة حسن محمود عباس نشرت بمجلة الثقافة الأجنبية.
* وفي هذا فهو يقول إن كل كلمة كتبها كافكا تصطدم بالأخرى التي كتبها من قبل. وهذا يعني أن «المعنى» عند كافكا هو عبارة عن إمكانية مجردة قد يمكن.. وقد لا يمكن.
* على ميراث كافكا بنت مدرسة «اللا معقول» نفسها.. حيث لا يمكن ان يكون هناك اتصال عبر الكتابة.. حيث لا يتكلم إلا الصمت.. لأن اللغة لا تستطيع إلا تصوير الخارج.. أي ما يدور خارج الإنسان.. ولكن كافكا يريد تصوير دواخل الإنسان.. الإنسان الذي ينتظر موته القادم بلا شك.
* كل هذا أدى لأن يكتب كافكا أساطيره بهذا الشكل الذي جعلها تفقد دراميتها تلك التي تجعل السرد قادراً على بناء عالم متماسك يؤكد وجود معنى لهذا النص الروائى.. ومن الغريب ان هذا هو بالضبط ما جعل لنصوص كافكا الروائية ثراء في المعاني التي يمكن الحصول عليها عبر قراءات متعددة تعتمد على قارئ متأمل شديد الجمال والذكاء.
* وهذا أيضاً وبالضبط ما تحتاجه قصيدة النثر التي تنتظر قارئاً شديد الوسامة

حنين العراق
09-20-2006, 08:54 AM
احسنت بلم استمر في عطاءك
تحياتي

بلم بصراوي
09-20-2006, 09:31 AM
انشاء الله شكراً

حسين العراق
09-20-2006, 11:24 AM
لا يمكن ان يكون هناك ابداع اجمل من ما يقدم بلم .. اذهلتني بمواضيعك عزيزي ...
تم تثبيت الموضوع عزيزي لما يحمل من مادة رائعة . .
تحياتي واحترامي

بلم بصراوي
09-20-2006, 03:06 PM
شكرا ( ابو علي ) على المرور