مشاهدة النسخة كاملة : اشواك في حديقة النساء
عدنان النجم
09-20-2006, 03:21 AM
كانت بعض من حكاية تحدث في كل حين وتتكرر بثوب جديد ولون اخر لايقل رداءة عن الأول ولا يزيد رونقا ... سوى حزن مدقع وألم يجتزئ من الأحشاء فتاتها ..
كنت سأسميها ( خاطرة الموت ) غير ان تعلقي الشديد بنص ( غادة ) الذي أسمته ( أشواك في حديقة النساء ) وما تضمن هذا النص من غلاف أنتج سطور هذه الحكاية سميتها كذلك ...
عذرا لغادة كوني سرقت بوضح النهار صرختها لأقلدها هنا على هذه الوريقات الصماء ..
بدأتْ تلك الصرخة بهمهمات وتلويحة بداية .. وراية انطلاق ...
رغم علمي بفوز نص غادة في المسابقة فقد حاولت إخفاء الأمر كي لا افسد عليها لذة المفاجأة ، في الوقت لم أر عليها ما يدل على تحمسها للفوز ... حاولت الوقوف إلى جنب منصة التكريم طمعا في مصافحة غادة لدى تكريمها ..
كان الحضور كثيرا .. امتلأت قاعة مسرح أبي نؤاس .. بالحاضرين والمشتركين وكانت غادة واحدة من بين ست وعشرين امرأة قدمن نصوصهن لخوض المسابقة إلى جنب أربعة وخمسين رجلا ..
لم أعهدها كاتبة .. ولا شاعرة .. وهو ما اثأر فضولي في معرفة السر بإبداعها المفاجئ هذا ..
صمت قليل .. وهتاف .. تقدمت غادة من منصة التكريم فيما كنت اعرفها وهي تصبغ وجهها بابتسامة مصطنعة ... يا لعجبي .. وهي التي تضحك وتبتسم من أعماقها لأدنى مجاملة .. مددتُ يدي لمصافحتها كما الآخرين .. وناولتني هي كفها بنظرة تدل على خجل حقيقي وحاولتْ سحب يدها وان تدير وجهها كأنها تحاول درء أمر ما .. رأيتها عادت لمحل جلوسها هناك ... وهي تريد ان ترتعش من خوف مجهول حاولتْ كثيرا اخفاء جسدها كنعامة بين الحاضرين .. لكن عيني كانت رقيبا لايفا رقها .. أمرا ما لدى غادة .. لا يتناسب وضخامة النص الذي كتبته ولا يوجد في تصرفها اليوم شيء من محتواه .. ( أشواك في حديقة النساء ) عبارة ألجمتني حتى نسيت ان أتابع تحركات غادة وهي تنصرف من القاعة دون ان أراها ..
كما في كل إنسان فضول .. لا أنكر انه وصل ذروته في نفسي المتشككة ..
بعد الانصراف توجهتُ الى محلها حيث نعمل سوية هناك لم تكن موجودة سوى بعض من الزملاء .. وعند اول دخولي القاعة هتف ( حامد ) بوجهي وقال :
- صدق لو قال ابو المثل ( كل خانس وراه بلية ) ..
عرفت انه يقصد ( غادة ) ففوزها مفاجأة للجميع اذ لم يكن الابداع ذات حين صفة من صفاتها سوى مقدرتها على تنضيد المواضيع على صفحة الجريدة البيضاء .. لاننكر جميعنا انها فنانة بذلك وربما اسرع الجميع ... حتى ان رئيس تحرير الجريدة قال ذات مرة ( لااستبدلها بعشرة مثل حامد ) وضحكنا جميعا ولم تضحك هي مجاملة لحامد ..
انتظرتُ الصباح على احر من الجمر ، وهاهو يشرق ربما يحمل لهيب من الجمر في احشاءه... اسرعت مبكرا لمقر الجريدة .. لأرى ( غادة ) وما سرها بالأمس ..
تأخرت ْ كثيرا ليس كعادتها .. قد تكون مبتهجة بنشوة الفوز فعاشت بأحلام لا تريد الافتراق عنها .. كلهم تساءلوا عن سبب تاخيرها .. حتى مدير التحرير .. غير انهم ليس كما احمله انا من لهفة ..
واخيرا حضرت ..
تتشح بالسواد .. من أعلاها حتى أسفلها ..
ما لأمر ؟ تساءلنا ..
قالت لها هناء وهي تريد منها الافصاح عن الامر ..:
- هل مات احد أقاربك ؟ ما كان يجب عليك الحضور !!
نشيجا وبعض لعثمة بدت عليها وتفوهت أخيرا .
- جئت لأخذ أجازة .. آسفة توفيت واحدة من قريباتي ..
صاح الجميع .. البقاء في حياتك . . انا لله وانا اليه راجعون
قال مدير التحرير اذهبي ولا داعي لان تكلفي نفسك بالحضور نحن متفهمون للحالة
- لا ولكني ايضا بحاجة لك ، واشارت بيدها لي . تبعتني نظراتهم وكأني اعلم بسر ما رغم اني تيقنت من مسك أطراف الحكاية
خرجنا انا وهي
وقالت خذ بنا الى مكان هاديء أريد البوح لك بأمر ما ..
راتيها تحمل بكيس الهدية التي تسلمتها بالأمس ولدى سيرنا نحو كافتيريا (الساهرون ) في باب المعظم سألتها عن سبب جلبها لجائزتها قالت :
- للامر علاقة بثيابي السوداء ... ستعرف عما قريب
وهناك
كانت الحكاية ...
سنقرأ سويا فصول الحكاية
تباعا
مع اطيب المنى
ೋ ياقوتـــة دجــلة ೋ
09-23-2006, 04:11 PM
بصراحة اريد اعرف الباقي وشكرا الك عالموضوع الروعة واني من عاشقات كتابات غادة السمان ..................لانها اعجوبة الشعر العربي بالنسبة الي
عدنان النجم
09-24-2006, 02:17 PM
عاشقة ساموزين
تحية بحجم فضاء عينيك
لمرورك العذب هنا
الحكاية او القصة لاعلاقة لها بكتابات غادة السمان
وانما هي قصة كتبتها غير ان بطلتها اسمها (غادة )
فقط للتنويه
وانـّا يكون لي التطاول هنا على عملاقة الادب المعاصر
تابعي معي
وساكون مسرورا
مع تقديري
عدنان النجم
09-24-2006, 02:18 PM
راحت تتشح بالكدر فيما ظهرت ملامحها الحقيقية اليوم اظنها اجمل من السابق بسبب تجنبها مساحيق التجميل ( ربما حزنا على قريبتها ) سوى مايشوه عينيها من حمرة هي بفعل الدموع والسهر .. كنت تواقا لمعرفة الامر ورغم فضولي اللامحدود لكني حاولت التشبث بالصبر ريثما تجر انفاسها وتبدأ معي ماتريد قوله .. قلت برجاء وتودد :
- اشربي العصير ! !
نظرت الي بعينين غائرتين وقالت :
- وهل تعتقد انه سيزيل الاشواك من معدة هذا الزمن ؟
كنت احسبه سؤالا مرتبطا بعنوان النص الذي فازت به ولذلك قلت :
- سيزيلها من حديقة النساء ؟ قصدك ؟
مدت يدها لتناول العصير ونظرت الى الكيس الذي يحتوي على الجائزة وأخذت رشفة من الإناء وأبعدته عن شفتيها ثم على الطاولة وتبعت ذلك ولادة دمعة رأيتها ترقرت في عينيها ... خشيت ُ ان يزداد انهمار الدمع فينهك قواي ولذلك ادركت الموقف برجاء اخر ..
- مالامر غادة ؟ ارجوك كفي عن البكاء !! واخبريني ببعض مافي الامر ..
تأوهت كانها تخرج من جواها قطعا من الجمر ، وقالت سأخبرك ..
كان المنزل عالي البنيان بطابقين تحف بسياجه شجيرات الياس وراحت تمنح المارين بجوار المنزل بعض من شذاها الذي لاينتهي وكأنها آلت ان تكون اكثر جودا من ساكني الدار واشد كرما .. فيما كنت اعتقد ان كل من يمر بالدار يتمنى ان تكون له مثلها ، على الاقل هذه امنيتي انا .. دون ان اتمنى كوني مثل ساكنيها ..
ومن هم ساكنيها ؟ انها دار ابو رياض يكنونه هكذا باسم ولده الاكبر دون ان يعرف اهل الحي جميعا اسمه الحقيقي وربما هذه التسميات غلبت كل الساكنين هنا .. واذكر ذات يوم جاء احدهم يسأل عن منزل شخص اعطى اسمه الثلاثي ولم يعرفه احد لكنه عندما قال زوجته ( ام فلان ) عرفنا انها الدار الثالثة الى يمين دار غادة ..
ابو رياض انجب ثلاثة اشقاء لرياض وشقيقة واحدة رياض وعماد متزوجين ولازال فؤاد واياد بطريقهما للزواج حيث فؤاد طالب ماجستير ( احياء مجهرية ) بينما لاازل اياد طالبا في كلية القانون اما ( سمية ) والتي تاتي بالمرتبة الثالثة بالعمر فقد اكتفت العائلة بأن تتعلم ابنتهم القراءة والكتابة ولذلك فهي ربة بيت دون ربوبية مطلقة سوى انها تجيد كل فنون الممارسات المنزلية ..
الى جنب دار ابو رياض كانت تسكن غادة وعائلتها لم تكن الدار عالية سوى انها متواضعة فيها ثلاث غرف الغرفة الشرقية كانت لمهند الطالب في كلية الهندسة والأمامية لأسعد الذي لازال في الثانوية اما الغرفة المجاورة لمنزل ابو رياض تقطنها غادة وامها
ابو غادة مات او ( استشهد ) في الحرب لا ادري أي الصفات تكون مناسبة ولكنها توحي الى انه توفي وغادة لازالت في الثانوية وجاهدت أمها إلا ان تنهي غادة دراستها في الجامعة وفعلا تحققت امنية الام عندما تخرجت غادة من كلية الآداب قسم الإعلام .. ليكون اخر مطاف رحلتها هنا مسؤولة القسم الفني في جريدة أسبوعية ..
كل شيء متوفر هنا في هذا الحي من احياء بغداد لا تنقصه الخدمات سوى افتقاره للعلاقات الاجتماعية .
فعلى الرغم من تجاور منزل ام غادة لمنزل ابو رياض منذ اكثر من 25 عاما لم يتبادل كل منهم أي زيارة ولاتعلم عائلة مايدور بحضرة العائلة الاخرى .. سوى المعرفة الظاهرية .. وكأنهم خلقوا ليكونوا متباعدين ..
غادة بطبعها فضولية جدا جدا وتريد البحث عن الاسرار دائما ربما لكونها تجيد مهنة الصحافة بامتياز او انها صفة لازمتها من صغرها عندما كانت ترمي جيرانها بالحصى بغية معرفة من في الدار ان كانوا احياءا ام امواتا على رأيها .. وبحكم ملاصقة غرفة غادة الى جوار منزل ابو رياض ... اصرت ذات يوم وبعمرها هذا ان تعيد شيء من طفولتها لترمي نافذة تقابلها في منزل ابو رياض بحصى صغيرة .. علها ترى من سيظهر لها دون ان تفكر بتبعات الامر .. حصى واحدة فقط ولم يدم الامر طويلا حتى اطلت عليها من النافذة الاخرى ( سمية ) ..
سمية ابنة الثمان وعشرين عاما غلب على وجهها الشحوب وكانها اطلت من مقبرة ما وهي تلف على رأسها قطعة من القماش الداكن لم تعرف غادة نوع القماش فتراءى لها أنها جلبتها من المزبلة المجاورة للحي .. نظرت سمية يمينا وشمالا وكأنها تخشى ان يراها احد ما .. تداركت غادة ارتباك سمية واشارت لها بيدها تحييها .. عاودت سمية النظر الى يمينها وشمالها وردت التحية بأيماءة خجولة وابتسامة مخنوقة لم يتوقف فضول غادة حتى اشارت لسمية ان تفتح النافذة لكن سمية بحركتها المريبة وارتباكها اشارت لغادة على رقبتها ( أي لا يمكنني ذلك .... سوف يذبحوني )
اصاب غادة الذهول ... فيما كان الارتباك يزداد على ملامح سمية لتغادر النافذة باشارة توديع ... ظلت غادة الى جنب النافذة والفضول يفتت بعضها لمعرفة سر هذه الفتاة أمضت ليلتها متفكرة وفي ساعة متأخرة من الليل همت برمي النافذة لكنها تراجعت عن فعلتها .. ورأت أنها لو صعدت سطح الدار ربما سترى بعض ما يشبع فضولها ورغبتها .. وبالفعل اخذت بيدها صحيفة اسبوعية وراحت هناك ...
كان الليل يبعث بنسائم باردة رغم انها اواخر الربيع هنا والمناخ حار نهارا لكنها لذيذة وتفتح النفس ( كما تقول غادة ) تمشت باتجاه منزل ابو رياض وكان في الطابق الثاني غرفتين احدهما مظلمة وفي الأخرى نور خافت .. حاولت التقرب من نافذة الغرفة لترى من في الداخل الا ان الستارة كانت قاتمة .. هل ستكرر قذف هذه النافذة بحصى ايضا ؟ ربما سيكون رجلا هذه المرة يوبخها . كان الظلام خفيفا لكنه لايسمح لغادة بقراءة الجريدة ولذلك لفتها بشكل كرة ورمت بها هناك سقطت الى الارض ومالت بها الريح لتقع داخل منزل ابو رياض ... لم تعر غادة الامر أي اهتمام .. همت بالنزول الا انها سمعت صرير النافذة وهي تفتح .. نظرت وا ذا به احد ابناء ابو رياض .. هي لم تعرف اسمه لكنه كان فؤاد ...
تسمر فؤاد مكانه وهو يتطلع للشبح الانثوي المطل هناك وفي صمت هذا الليل حاول اعادة الكرّه متفحصا بنظره حقيقة مايرى ... نعم انها امرأة ..
بينما غادة تريثت قليلا لترى اثر تواجدها على جارها الغير جار ، تظاهرت انها لم تراه فوقت مستندة على ستارة السطح كانها تمارس دور الخيالية وهي ترفع هامتها نحو النجوم .. لم يدم الامر طويلا دقيقتان او ربما ثلاث افتعل فؤاد حركة يريد بها اثارة انتباهها وعلى الرغم من سماعها الحركة تجاهلت الامر , هكذا هن النساء دائما يحاولن جر المساكين للفخ لكن فؤاد لم يكن مسكينا او انه تظاهر بعدم الرومنسية حينما اغلق النافذة .
عضت غادة على اصبعها حينما افلتت منها فرصة ذهبية ، ولكن لابأس الايام القادمة ستكون مليئة بالفرص ، ولكن اين كانت كل هذه السنين وهي الفتاة الشقية والفضولية من معرفة الاجواء داخل اسرة ابو رياض .. كان النوم زائرا ثقيلا على غادة هذه الليلة شغل بالها امر سمية جدا .. فيما هي كذلك استيقظت الام لترى ابنتها لازالت مستيقظة :
- غادة !! انت مانمت ؟
- ما ادري يوم * مو جاي لي نوم ..
نهضت ام غادة لتدنو من سرير ابنتها وراحت تتحسس جبهتها قد يكون سقما ما المّ بها ، لكن ابتسامة غادة كان تطمينا لقلق الام ..
راحت غادة تعدل جلستها على السرير وسألت والدتها :
- اقول يوم !! جيراننا ابو رياض عندهم بنات مو ؟
تعجبت الام من السؤال وقالت :
- شنو ذكرك فيهم ؟
- لا بس د اسأل ..
- أي عندهم بنت واحدة اسمها سمية .. بس هي اكبر منك بأربع او خمس سنوات..... مسكينه ، طلعوها من المدرسة وهي صغيرة . يقولون حرام البنات تدرس .
فغرت سميه فاها ربما عجبا من الامر او انها حصلت على مايزيد من حيرتها اكثر .. لم تكمل حديثها مع الام فكيف لها ذلك وهي امرأة بسيطة وربما حتى لو ناقشتها بالموضوع وكيفية الحرمة قد لاتجيبها بما تجده مقنعا .. ولذلك راحت تمدد جسدها على السرير مستعينة بسقف الغرفة مخططا لرسم افكارها وشاشة لاستعراض خيالاتها .. اوقف تأملها نداء الام :
- نامي ماما وراك شغل من الصبح ولازم تستيقظي مبكره .
استجابت غادة لنداء والدتها بان استدارت نحو الجدار وقليلا مع دعاء الام البريء راحت تغط بنوم عميق .
Mus6afa
09-27-2006, 05:10 PM
شكراااااااااااااااااا
عدنان النجم
09-27-2006, 06:45 PM
قناص الحب
شكرا لك
لمرورك العذب
تواجدك اسعدني
لك كل الاعتزاز والتقدير
عدنان النجم
09-27-2006, 06:47 PM
كان الصباح اطلالة للمزيد من التطورات في ما تريده غادة من اشباع لرغبتها في الاطلاع على اسرار جيرانها فعند اول الصباح استيقظت غادة على حصاة قرعت نافذة غرفتها ولذلك هرعت بلهفة لترى من الطارق هناك .
بالفعل كانت سمية وهي تبدو اكثر نظارة من الأمس وعلت وجهها ابتسامة بريئة بينما غادة لم تبادر الى تعديل شعرها حتى بل نست انها مستيقظة من نومها للتو حيتها سمية باشارة فردت غادة التحية كالعادة بصمت ورفعت سمية يدها الاخرى وهي تحمل الجريدة التي رمتها غادة البارحة وأشارت لها وهي تقصد سؤالها عن عائدية الجريدة .. ربما فهمت غادة ماتريده سمية انها تريد المزيد منها .. لم يروق الامر لغادة بل راحت تفتح النافذة وتجرأت الاخرى لتفتح نافذتها ، بادرت غادة بلهفة وابتسامة رجاء :
- صباح الخير
ردت سمية بعجلة ولعثمة
- صباح النور ، لو عندك جرائد من هذي ماتبخلي علي محتاجتها جدا انا راح اكتب لك رسالة وارميها هنا تلاقيها اليوم الظهر يلا مع السلامة ليشوفوني .
- لحظة انت سمية اكيد ؟ ، منو هم اللي يشوفوك ؟ .
- أي انا يلا مع السلامة عفية اشوفك بعدين ماتنسين اريد جريدة من هذي .
واغلقت النافذة بينما ظلت غادة مكانها تتابع ما يدور ببالها من حيرة وغرابة وفي هذا الحال جاءت الام لتوقظ ابنتها فوجدتها قد استيقظت .
خرجت غادة من منزلها متوجهة الى مقر عملها في الجريدة لفت نظرها باب جيرانها وحدثت نفسها بان تقف بباب منزلها قليلا لعل احد ما سيخرج من جيرانها قد تتظاهر بصدفة الخروج المتزامن معه .. تجاوزت الساعة الثامنة وربما بدأ الدوام هناك في مقر الجريدة ولاازالت غادة واقفة بباب المنزل تتأمل ما يجري خلف هذه الباب الموصدة ..
غادة دائما بداخلها نزعة الصحفية المثابرة والباحثة عن الحقيقة وهو احد اسباب رغبتها في دخول قسم الاعلام في كلية الاداب ، او انها قد تكون لجأت لنصيحة خالها ابو عادل ، الذي تستعين به دائما في حل مشاكلها . خطر ببالها انها هذا اليوم تطرح مابداخلها بخصوص امر سمية لخالها او انه يتفهم رغبتها وفضولها .
واخيرا ، حصلت غادة على صيد لابأس به ، هذا هو احدهم يغادر المنزل ، وهو ذاته الذي تسمر البارحة في النافذة ، فؤاد . تظاهرت انها خرجت من توها وسارت كانها لاترى من هناك ، فيما حدثت نفسها بان لا تترك هذه الفرصة كما أهملتها البارحة .. وراح هو يسير خلفها وعندما أحست بذلك تباطأت قليلا كي يسبقها وفعلا تم لها ما تريد بل ان فؤاد صار منفتحا ( على قول غادة ) وادى التحية حينما صار بجوارها قائلا :
- صباح الخير
نظرت غادة الي المحيي وكأنها فوجئت به وردت بحياء
- صباح النور
سارا بصمت متجهين نحو موقف الباصات في نهاية الشارع ، وهي تأمل منه في ان يسألها او يحاول البدء بحديث على الاقل يكفي لقطع المئة متر هذه ، كادت المسافة تنتهي على ذات الصمت ، غير انه صار جريئا ، وبدأ :
- الى اين تسيرين ؟
كالعادة لعثمة وارتباك قد يكون مفتعلا بحنكة وبراعة وأداء متميز ردت :
- من ؟ انا ... أ .. انا إلى باب المعظم .
- صحيح ؟ ( كأنه غير مصدق ) انا ايضا متوجه الى كلية العلوم هناك !
ابتسامة استجابة وايماءة رأس وانتظار لما سيأتي من فؤاد من كلام .
- هل تركبين الباص ؟
- نعم رقم ( 211 )
- لاينفعني الباص اليوم لاني تأخرت قليلا مضت نصف ساعة على بدء الدوام هناك ، ولذلك سأستقل تاكسي .
- نعم صحيح وانا كذلك ، تاخرت ولكني لست مضطرة للتاكسي .
- بإمكانك ان تأتين معي مادام طريقنا واحد .
تعلثمت هذه المرة بجد ورأت انها محرجة لكنها قد تكون فرصة تعارف لم لا ولذلك جلست هي في المقعد الخلفي بينما هو في المقدمة .
في الوقت الذي تحركت به السيارة .. تحركت الأفكار برأس سارة واعتقدت انها تسلك دربا خاطئا وسبيلا استخدمت فيه رغبة المرأة لا حنكتها ... لكن كل شيء لازال عند نقطة البداية ..ولم تطلق صافرة الانطلاق بعد .. ورغم قناعتها بطول المضمار وانها بحاجة للمطاولة قليلا ... كل شيء طبيعي حتى هذه اللحظة .. جار يتفضل على جارته بإيصالها إلى مقر عملها ، الم يوصي ديننا الحنيف بسابع جار ؟ واين كانت قواعد الجيرة هذه منذ 24 عاما وهو عمر غادة بالتحديد ، يلا ، رغم ان الأجواء جديدة وفيها محاذير كثيرة لكنها عالم مليء بالإسرار ، ذلك هو طموح غادة ، الرغبة الجامحة في معرفة الاسرار .
للافكار هديرا صاخبا في خيالها لم يتوقف الا بعد ان اخترق مسامعها سؤال فؤاد :
- اين تعملين ؟
- في جريدة ...... الاسبوعية .
- موظفة ؟
- لا .... مسؤولة القسم الفني فيها .
اثارته جملتها الاخيرة فراح يدير وجهه نحوها رافعا نظارته الشمسية السوداء عن عينيه لتبدوان حادتين ونافذتين قائلا :
- والله !!!
تبسمت غادة ، واكتفت بإيماءة برأسها إجابة لعجبه الغير منطقي .
خيم الصمت ُ قليلا والسيارة تتجاوز جسر الشهداء متجهة الى شارع الرشيد كان دجلة بصفاءه مغنما خصبا لغادة لم تكن المسافة طويلة كي تتمكن هي من جمع فكرة او نسجها لكنها اكتفت بان تكتسب من شعاع الشمس المنعكس من الماء بعض إيحاء خطر لها وهو ان تسأله عن غايتها عن أخته ولكن كيف تبدأ ؟
- هل أنت رياض ؟
- لا رياض اكبر مني ويليه أياد ثم أنا .
تبعت إجابته ضحكة متكلفه غير أنها استدركت بسؤال أخر :
- ها .... تعني أنت الأصغر ؟
- لا أصغرنا عماد .... وانأ فؤاد .
لمست غادة في هذا الإثناء ( بؤس سمية ) وهو يتجنبها في حتى عد أخوته وأحست بالمرارة والغيض ولذلك أصرت على ان تسأله :
- لديك أخت كما اعلم لم تذكرها ؟
- نعم .. نعم .. سمية هي اكبر مني بسنتين .
أمام كلية العلوم ، طلب فؤاد من السائق التوقف مستأذنا من غادة بالنزول قائلا :
- أنا راح انزل هنا وصلت ، والسائق راح يوصلك لمقر الجريدة ، فرصة سعيدة
ابتسامة مصطنعة لجارها وهي تحمل ألف حوار وألف علامة استفهام وردت :
- فرصة سعيدة ، أشكرك .
كونوا معي ........
عدنان النجم
10-09-2006, 03:28 AM
أخذت شمس حزيران مأخذا من نظارة غادة وهي متوجهة الى المكتبة المركزية لغرض زيارة خالها ( ابو عادل ) الذي يعمل هناك . ولذلك فهي قبل ان تتوجه الى مكتب خالها فضلت الانعطاف نحو الكافتيريا لتعيد بعض من قواها المنهكة بفعل الحرارة المرتفعة كما انها معتادة ان تجلب معها عصيرا جاهزا لخالها كل ما تزوره .
الكافتيريا صاخبة ، والكثيرون هنا انشغلوا وانهمكوا بتناول أغذيتهم ، فالساعة هي الثانية ظهرا ، رشت على وجهها قليلا من الماء ، وأخرجت من حقيبتها عدتها لتعيد إلى وجهها تألقه ، ونزلت الى الصاله لتشتري العصير ، وهناك كان فؤاد أيضا .
مفاجأة لم يتم الإعداد لها مسبقا ، كما إنها لم تكن صدفة ، هكذا تعتقد غادة ربما الصدفة في فتحه النافذة عندما كانت فوق سطح الدار ، او انها خروجه صباح هذا اليوم لينقلها الى محل عملها ، اما هذه ربما ترتيب وضعه القدر لتكون هناك نتيجة ما ، بان الذهول على وجهها في الوقت الذي تهللت اسارير فؤاد استبشارا بإطلالتها ، وابتسامة منه وتحية :
- شلونك غادة !!
قالها ببعض اللهفة ومزيدا من البراءة مع ان غادة لم تلحظ تلك البراءة أولا ، ردت بشيء من الفتور والتساؤل :
- الحمد لله ، شنو هالصدفة ؟
كانما وجد فؤاد فرصته في التعرف عليها اكثر راح يفسر وجوده قائلا :
- انا غالبا ما اكون هنا بحكم حاجتي الماسة لبعض الكتب ، ولكن مالذي جاء بك ، هل تريدين كتابا ؟
- أنا احضر هنا دائما لزيارة خالي .
- خالك ؟ من ؟
- أبو عادل !!
- تقصدين ان الاستاذ ( عبد العزيز ) هو خالك فعلا .
- نعم
- لي الشرف اني من اصدقائه .
لاحت بارقة امل في قلب غادة حينما علمت بانه صديق خالها ، فالأصدقاء تكون اسرارهم مشتركة وطالما كذلك فهي اذا ستعرف المزيد مما كانت تطمح لمعرفته.
اخذت علبتين من العصير المبرد الجاهز واحدة لها واخرى لخالها ، وارادت الاستئذان منه ، غير انه اخبرها بانه ينتظرها لحين خروجها . لم ترفض الفكرة وتركت كل شيء تحدده الظروف .
كالعادة يبتهج ( ابو عادل ) لزيارة غادة له ، وبما انه اعتاد على ظروف زياراتها فراح هاتفا بوجهها عند اول دخولها :
- اين العصير ؟
- لن اعطيك العصير هذه المرة حتى اعرف ما اريد .
- بعدين ، بعدين .. انا عطشاااااان جدا هاتي العصير اولا ثم اخبريني ما تريدين .
وهي تناوله العصير قالت :
- من فؤاد ؟
- فؤاد ؟ أي فؤاد ...؟؟
- احدهم اسمه فؤاد يقول انه صديقك هنا في المكتبة .
- هااااااا , فؤاد ، تعالي من اين لك معرفته ، شوفي يابنت انا عاجنك وخابزك على ايدي قولي كل شيء يلا بسرعة .
- اذا هو صديقك فعلا ؟
- ومالامر في انه صديقي ، واظن انه يستحق ان اكون صديقه كما لي الشرف مؤدب ، خلوق ، محترم ، كما انه طالب ماجستير علوم احياء ، وبحكم مجيئه المتكرر الى المكتبة قراته وقرأني فصرنا أصدقاء .
- ماذا ؟ طالب ماجستير !! عجيب والله
- وما العجيب ؟
- العجيب انه جارنا منذ 24 عاما ولم اعرف انه طالب ماجستير .
- هااااا جاركم ، هذا ما اثار عجبك ، وتعرفينه لانه جاركم ، بس هذا لو .....
قالت بجدية وهي ترتشف العصير فيما بدت على ملامحها بعض من علامات المكر والدهاء .
- لو.... ماذا تقصد ياخالي .؟ لالا لا اعتقد ، جمعتنا الصدفة مرة او مرتين هو الامر الذي شدني .
لم يكن نقاشها مع خالها سوى زيادة من الحيرة في ظروف هذا التعارف وما جرت نفسها اليه و كل ماهناك هي ارادت معرفة ( سر سمية ) . اليس هناك مبالغة في التفكير نوعا ما ؟ .. ولم الحيرة .. ؟ حتى ان الفكرة التي كانت تعتقدها في انغلاق هذه العائلة على نفسها تبددت بعض الشيء من خلال معرفتها بفؤاد ولذلك ارادت ان تعيد لنفسها بعض اطراف تلك الفكرة فسألت خالها :
- خالي .. ماهي اوجه الحرمة في دراسة البنت ؟
اجابها الخال ساخرا :
- لا اظنني افقه من اعلامية متمرسة تملك ثقافة عالية .
- والله احترت ياخالي بالجواب الذي اعرفه ان الحرمة تكمن في الاختلاط مثلا وحتى الاختلاط لايدل على وجود الحرمة فيما لو كان اختلاطا مهذبا كما اعتقد .
- اكيد انت صار بعقلك شيء !! لانك اليوم مو على بعضك واظنه منذ معرفتك لفؤاد ..
- انت تعرف فؤاد جيدا ؟ ( قاطعت خالها متسائلة ) اقصد عائلته ؟
- لا في الحقيقة سوى اني اعرف ان والده مصاب بالشلل وهو مقعد وان والدته فارقت الحياة منذ 10 اعوام ، كما اعرف انه يستحق ان يكون خير صديق ، جربته ومحصته كانت التجربة جيدة .
لم يكن كلام ابو عادل وطريقته بخفية عن غادة كانت تنم عن الترغيب بهذا الرجل وهي التي تؤمن بخالها تماما فكيف لا وانه رفض زواجها من ابنه عادل لانه يعتقد بان عادل ليس كفؤا لها لقد كانت اقرب اليه من ابنه عادل وتعتبره الاب والصديق .
سألت خالها بعد برهة صمت :
- هل تدري يا خالي ان لفؤاد أخت واحدة فقط اخرجوها من المدرسة بحجة ان الدراسة للبنات حرام .
هنا وفي هذه النقطة ادرك الخال حيرة غادة .. وادرك التناقض في سلوك فؤاد وواقع اسرته واعطى لغادة الحق في كونها ليست على بعضها ولذلك ضحك بقهقهة عالية محاولا درء الابهام في طريقة الحوار .
لم تكن غادة مقتنعة بالزيارة الى خالها حيث لم تجني سوى حيرة متزايدة وعدة تساؤلات لم تحصل لها أي اجابة ، الم يكن فؤاد ابن تلك العائلة ؟ كيف ان يكون منفتحا هنا في حين يمارس الانغلاق هناك ؟ او قد يكون ماقالته الام بخصوص سمية ربما لم يكن دقيقا ، ولكن مظهر سمية وشكلها يدل على انها مضطهدة .. اليس الامر محيرا ... تساؤلات جعلت الصمت سيدا طول الوقت الذي كانت فيه غادة برفقة جارها فؤاد وهي عائدة لمنزلها ، حتى فؤاد فهم انها تمتنع من الحديث معه او تحذره ، ورغم هذا اكد رغبته في رؤيتها غدا بشكل غير مباشر عندما سألها عن موعد ذهابها الى الدوام يوميا .. وما زاد من حيرتها اكثر وامتعاضها انها وجدت الرسالة التي وعدت بها سمية , قرأتها بلهفة وهنا كان العجب :
( عزيزتي غادة .. كم كنت متلهفة ومشتاقة ان نجلس سوية .. ولا اخفيك سرا ليس لك انت فقط بل لاي صديقة ابوح لها وتبوح لي .. فقد سئمت من الحوار الصامت مع انية المطبخ وجمادات هذا المنزل ، لذا فانت النافذة التي اطل بها على عالم اجهله .. لاتبخلي عني بأشعة الشمس ، ان تنفذ من خلالك . تواصلي معي ، واعتمدي الحذر ، منهم ، قد لايريدون لك صحبة المجانين ، هل أراك الليلة ؟ هناك على سطح الدار .. بعد منتصف الليل .. لو كان الأمر يزعجك لك الخيار بعدم الحضور .... سمية )
ليس تعبيرا لامرأة لم تكمل مدرستها ، كان بليغا ، رغم ان في الرساله عبارات مبهمة كـ ( صحبة المجانين ) اذ ربما تقصد نفسها لكنها كانت تدل على معاناة الكاتبة .
انتظرت غادة الموعد على احر من الجمر فقبل انتصاف الليل بينما خلد الجميع هنا الى النوم توجهت الى سطح الدار ، حيث لازالت الغرفة ( غرفة فؤاد مضيئة ) قد يكون آملا حضورها ؟ حاولت الاختفاء هناك ريثما تنطفيء الأنوار .. ما هي الا دقائق وخفتت المصابيح وبدأ الظلام ، حتى بدأ قلب غادة يخفق كأنها على موعد مع القدر .. حاولت ان تعيد من رباطة جأشها .. ولم الخوف ؟ انها لم ترتكب جريمة .. ولاتريد اللقاء بحبيبها المحذور .. كي يداخلها هذا الخوف .؟ . تغلبت على بعض مافيها من ريبة ودنت من سياج الستارة المطل على دار ابو رياض .. تنتظر حضور سمية ...
غادة ... غادة ... بهمس خفيف جاء النداء من الجهة الاخرى لقد كانت سمية .. هرعت اليها غادة دون وعي ربما تقودها اللهفة العمياء ..
- شلونك ؟
قالت غادة وهي تقترب من سمية لم يفصلهما سوى متر واحد هو الفاصل بين الدارين كانت سمية تود الطيران الى سطح غادة وعلى شفتيها ابتسامة حائرة وكلمات ترتجف لا ترغب بالتحرر من فمها الا بعناء :
- اني زينة ، وين الجرائد اللي قلت لك عليها ؟
- بكرا ..بكرا .. راح اجيب لك كل الجرائد ومجلات واي شيء .. سمية انت ليش ماتطلعين للمدينة تشوفين الناس ؟ ليش ساجنة نفسك هنا ؟
تسائلت غادة هكذا رغم علمها بان التساؤل ليس منطقيا ، ربما كانت وسيلة تريد من خلالها لسمية ان تبوح :
- اخرج ؟ ههههههههه ... الى اين ؟ الى المدينة ؟ هل تعلمين اني سمعت عن المدن ولم أراها ؟... هههههه لا لا لا لا انا اتمنى لكن مو بيدي ...
كانت يدي سمية تتحركان بشكل غير طبيعي وهي تحاول الكلام فغادة تارة تنظر الى شفتيها واخرى الى كفيها .
- من يمنعك ؟ اهلك ؟ اخوتك ؟
تأففتت سمية وضحكت بما لايتناسب ولون الحزن الذي يغلف ملامحها وكأنها تبحث في خيالها عن تعبير اخر او جملة تجيب بها عن تساؤل غادة لاحظت غادة الامر ، وتمنت ان تقترب منها اكثر لترى ملامح وجهها التي لم تتضح رغم ان البدر على اتمه الليلة لكن غادة تمكنت من ان تبصر في الجهة الاخرى شبح رجل واقف هناك وهتاف :
كرستـــــالة
10-09-2006, 11:06 AM
غادة السمان وهل يخفى القمر ....موضوع مميز اخي عدنان
شكرا
الورده السامه
10-20-2006, 07:22 AM
شكراااااااااااااااااااا عالموضوع
تحيااااااااااااتي
حنين العراق
10-28-2006, 03:36 PM
رائع جدا اخي العزيز وونظر جديدك
تحياتي
ziyad_zayona_ZZR3
11-04-2006, 07:01 AM
عاشت الايادي كلمات جميله جداااا وروعه في التعبير تحياتي لك ودمت بخير
Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2008, Jelsoft Enterprises Ltd