المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : # فيما يتعدى نيتشة #


بلم بصراوي
09-19-2006, 08:13 AM
السلام عليكم.

http://www.assafir.com/win/temp/weekly_culture/L_003a.JPEG بدأ القرن العشرون في فاتحته نيتشوياً مع »زرادشت« وانتهى نيتشوياً بامتياز، مع فلسفات الاختلاف، التأويلية والتفكيكية، والعدمية، وتيبولوجية القيمة وإرادة القوة.
ولعل دعوة نيتشه في كتابه اEccehomoب »أقول لكم إنني أنشر هذا الكتاب لأمنع الناس من أن يسيئوا إليّ، فأنا لا أريد أن أكون مقدسا« تشبه صرخة ماركس الشهيرة »أنا لست ماركسيا«، في اعتراضهما على »النيتشوية« و»الماركسية«.
وميزة فريدريك نيتشه، في قلبه لكل القيم، أنه رفض الصنمية، ونادى »بأفول الأصنام«، فالإنسان الكامل عند نيتشه هو الإنسان الأعلى الذي يجد ذاته بذاته، ويعرف نفسه كسيد لذاته. و»زرادشت« نيتشه لا يفرض تعاليمه على الناس، وأحب الأمور الى قلبه أن يقول لكل إنسان »كن ذاتك« ولا تترك ذاتك إلا لذاتك، وهو يدعو الى اكتشاف الإنسان الأعلى في ذوات البشر أنفسهم »ماذا؟ أتسعى الى أن تتضاعف عشر مرات، مئة مرة؟ أتبحث عن مريدين؟ فتش إذن عن أصفار!« (هذا ما يقوله نيتشه في كتابه »أفول الأصنام«). وهذا ما يقوله في أبيات شعرية أخرى بعنوان »اتبع نفسك تتبعني« في كتابه »العلم المرح«:
هل تتبعني وتأتي ورائي
مُغْوىً بأسلوبي واتجاهي
اتبع نفسك بإخلاص متأنيا
وبهذا فإنك تتبعني..
وهذا الموقف النيتشوي الخلاّق يجعل بالإمكان رفض التبعية نفسها، والصنمية نفسها، فأن يكون المرء »نيتشويا«، يعني ألا يكون كذلك، بل ان يكون مع نيتشه وضده لأن »شجرة المعرفة ليست شجرة الحياة« كما يقول اللورد بايرون، ولأن اليقين أخطر من الكذب في ازاء الحقيقة.
يغلّب نيتشه في فلسفة الحياة الأرضية وأخلاقية الغبطة والمتعة الموقف الانطولوجي على الموقف الابستمولوجي، فيرفض النسقية والتمركز اللوغوقراطي (العقلاطي)، ويميز عالم الحق من عالم الحقيقة، أو بالأحرى حقيقة العالم، ويجرد الأخلاق من أخلاقية الخطيئة والتقليد والعادة.
الوجود والعدم
يدحض نيتشه الفكر النظري الذي يكبل العقل ويقيده ويقوننه، في حدود وقياسات صورية، تصورية مناطها التساؤل عن ماهية الأشياء، أو السؤال »ما هو؟« وهو سؤال يقوم على التناقض والتضاد، ويتجاوز هذه الطريقة التناقضية بأخرى اختلافية، تفاضلية، تقرن الفلسفة بالفن، والمعرفة بالإرادة المحددة للمعرفة، بصورة كيفية، مناطها سؤال »كيف؟«، فتحل علاقة الظاهرة والمعنى، والارادة والقيمة محل الثنائية الميتافيزيقية للظاهرة والجوهر، والذات والموضوع. وإذا كانت المعرفة المنطقية الأفهومية، تقوم على الذات والذاتية، فإن المعرفة التفاضلية، منفكة عن الذات، لا ذاتية، تبحث عن الدلالة والقيمة والمعنى في غيبوبة المعنى، وفي اللامفكر به، وفي الارادة المحددة للقيمة.
وفلسفة الاختلاف الأنطولوجي تعود في جذورها الى مرحلة اليونان ما قبل السقراطية، وتتمحور حول إشكالية الوجود والمعرفة، إذ كان غورغياس، وهو من كبار الجدليين في القرن الخامس قبل الميلاد، عصر الجدل، يدعو في محاججاته السفسطائية الى مقالة »اللاوجود«، حيث يقول بأن الوجود غير موجود، لأن الوجود مشتق من اللاوجود، وبما أنه لا وجود للوجود فإن الوجود غير موجود...
وفي مقابل هذا الموقف العدمي المطلق، وضع بارمينيدس مبدأ »ثبوتية الوجود«. وتصور بارمينيدس للوجود يقوم على اعتبار الوجود موجوداً، ولا يمكن ألا يكون موجودا. ودليله أن الفكر قائم على الوجود، ولولا الوجود لما وجد الفكر، ولما كان الوجود موجودا فهو قديم، ويمتنع أن يرجحه مرجح. غير ان بارمينيدس في تأكيده على مبدأ ثبوتية الوجود، يرسيه على مبدأ الواحد، فيصبح الواحد والوجود متكافئين، ويلزم أن يكون الوجود ساكنا، ثابتا.
أما هيراقليطس، فقد أخضع الوحدة للكثرة والتعدد، فارتأى أن الوجود واللاوجود شيء واحد، في الحركة والصيرورة والجدل الديالكتيكي.
وكان أرسطو قد أخذ على بارمينيدس وضعه العلم بالموجودات على أساس عام، فيما من وجهة نظره يتميز الوجود بمبدأ الذاتية Ipseitژ والتعدد (وجود البياض يتعدد بتعدد موضوعاته، ووجود الشيء يتعدد بتعدد أشكاله وأنواعه).
وفي كتابه التأويل De Interpretatione يقول أرسطول »ان توقعاتنا ذاتها، كلماتنا، لا تستطيع أن تحدد الحقيقة من الداخل، ولا تستطيع أن تقفز من حيز الكلمة الى حيز الفعل، لا تستطيع أن تلغي »الاختلاف« بين تطابقات معرفتنا وبين الواقع الذي ننشد معرفته«.
وقد تناول الفكر العربي الكلاسيكي في مباحثه حول الوحدة والكثرة مسألة الاختلاف في مقالاته ومقولاته (الواحد والوحدة، والمختلف والمؤتلف، والهوية والغيرية، والأيس والليس، والحق والحقيقة) في المنطق، والكلام وعلم الأصول، والتصوف، والأدب. كقول أبي حيان التوحيدي »إعرف حقائق الأمور بالتشابه فإن الحق واحد ولا تستفزك الأسماء وإن اختلفت«. أو كقول النفري »كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة«. وكذلك إشكالية الحق والحقيقة، والناسوت واللاهوت، والحق والخلق، والظاهر والباطن الخ. إلا أن فلسفة الاختلاف الأنطولوجي بمعناه النسقي وإن كانت تدعي أنها فلسفة لا نسقية، لن تظهر إلا في العصور الحديثة.
ضد هيغل
يرى جيل دولوز في كتابه »نيتشه والفلسفة« ان فلسفة نيتشه بمجملها، تشكل ردا على الديالكتيك الهيغلي، وتطرح على نفسها فضح تلاعبات الفكر في الديالكتيك باعتباره تفكيرا مقلوبا حول الاختلاف يعكس صورته ويقلبها. فبدل إثبات الاختلاف بما هو اختلاف ينفي الجدل الديالكتيكي ما يختلف؛ ومحل إثبات الذات ينفي الآخر، ومحل إثبات الإثبات يحل نفي النفي. وفيما يرى نيتشه التعارض باعتباره اختلافا دلاليا في ذات الشيء، والهوية، والموضوع، يرى فيه هيغل تناقضا وتضادا ونفيا أنطولوجيا.
ومقابل فلسفة النفي والتضاد، وهي الصفة العدمية لإرادة القوة، التي تقوم على الحتمية، والضرورة، والموضوعية، تقوم فلسفة الاختلاف النيتشوية على الإيجاب والصدفة، والصيرورة.
والعدمية التي تقوم على إرادة الظهور والديمومة والصيرورة والكاوس، (التشظي) في المنظور النيتشوي تحل محل العدمية الارتكاسية (عدمية الفعل ورد الفعل في المنظور الهيغلي).
وجينيالوجيا الأخلاق النيتشوية ترفض الأخلاقية اللاشخصية، كعلامة من علامات الأخلاق الحديثة، باسم المنفعة العامة الخاضعة لإرغامات الدولة والدين والطبقة، وترى الكائن الإنساني كائنا نوعيا لا يتجزأ Individium، لا يشبه إلا نفسه. والتعارض بين ما هو أخلاقي ولا أخلاقي، الخير والشر، ليس هو التعارض بين الأنوية والغيرية، بل الارتباط بتقليد ما، بقانون ما، وشرعة ما، دون التساؤل عن قيمة الأخلاق وغايتها. وأخلاقية السيد، هي أخلاقية التحرر من ربقة التقاليد (التي تقوم عليها، بنظر نيتشه، مفاهيم الضمير والواجب والخطيئة) وهي أخلاقية العهد والوعد والغبطة والغريزة. أما أخلاقية العبد فهي أخلاقية ذحلية، ارتكاسية، قوامها الغل والحقد والحسد والضغينة، وهي أخلاقية »الفضيلة« و»العقل« و»القانون«.
والإنسان الحر، هو الفرد المتحرر من أخلاقية التقاليد والعادات، المتحرر من الشعور بالإثم والخطيئة »الأصلية«. وفي نظر نيتشه كل أخلاقية الكمال التي تقوم على معادلة (عقل/ فضيلة/ سعادة) تقوم على سوء الفهم والالتباس. ما هي أخلاقية الحرية؟ هي الأخلاقية الديونيسية التي ترفع من شأن الغريزة، غريزة الحياة، القائمة على الغبطة، والمرح، والحبور. ويذكر كارل ياسبرز في كتابه »نيتشه« ان إعجاب الفيلسوف بالشاعر هولدرلين في عصره، وخاصة بمسرحيته »امبادوقليس«، بصفة خاصة إنما يرجع أساسا الى انها تمجد الإنسان باعتباره مقدسا وتتغنى بالحياة، والأرض. وامبادوقليس هو فيلسوف يوناني، طبائعي، عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، ويختلط في شخصيته الواقع بالأسطورة، ويُروى أنه كان شاعرا، وفيلسوفا، وكاهنا، وسياسيا، وطبيبا، وساحرا، اختار الموت فألقى بنفسه في فوهة بركان »اتنا«. يقول هولدرلين في مسرحيته »امبادوقليس«:
أنت تبحث عن الحياة، تبحث عنها، وتنبثق وتلمع لك
نار إلهية من أعماق الأرض.
وأنت بالشوق الواجف
تلقي بنفسك في لهب »اتنا«
أنت عندي مقدس، كالأرض.
وحب الحياة والمصير الأرضي، والدفاع عن العالم المحسوس ضد العالم الآخر، هي القضية التي آمن بها نيتشه حتى الثمالة. وقد غالى في هذا الأمرر حتى رفض روح الأخلاق والعلم والفلسفة والعقل..
ويلوح لنا أول هجوم ضد سقراط في كتابه »ميلاد التراجيديا«، وهو يهاجم في الحقيقة العقلية »المنطقية«، »النسقية«، والصورية، (العقلانية السقراطية) التي يرى فيها عقلانية صنمية، كابحة للغريزة لحساب العقل والفضيلة. يقول: هل يمكن لحمار أن يكون تراجيدياً؟... أن يهلك تحت ثقل لا يمكن حمله ولا الإلقاء به؟.. تلك حالة الفيلسوف« (أفول الأصنام).
وموقف نيتشه من سقراط، كمواقفه الأخرى الكثيرة، تنضح بالسادية، فسقراط كان ينتمي بنظره، بالولادة، الى أكثر الدهماء دونية، كان منحرفا، وهجينا، ودميما، حتى قال غريب، خبير بالفراسة، لسقراط، مباشرة، إنه قبيح أو إنه ينطوي على أقبح العيوب وأسوأ الشهوات. وقد اكتفى سقراط بأن أجاب: »لشد ما تعرفني جيدا!« ألا ينم موقف نيتشه من سقراط عن أخلاقية الغل والضغينة أيضا؟!
هل كانت سخرية سقراط تعبيراً عن تمرد، كلا يقول نيتشه بل هي تعبير عن ضغينة عامية (أفول الأصنام). والسؤال المطروح، ألم يدع سقراط الى معرفة الذات (إعرف نفسك)، وألم ينطوِ موقفه من المعرفة السلبية (المايوتيكية) على موقف ما لا يعترف فيه نيتشه لسقراط بحق الاختلاف؟ ومن جهة ثانية، ألم يكن ثمة حاجة ملحة للمفهوم والماهية التي تتعين بها المعرفة قديما وحديثا، وهل يلغي الشعر العلم، والغبطة الأخلاق (بمعناها العلماني، والوجودي)، وهل يحل الأسلوب محل القاعدة بصورة مطلقة، ألسنا هنا أمام امبريالية مضادة، تحل محل أمبريالية اللوغوس؟
ونحن ندرك أن فلسفة نيتشه ترد المشكلات الأنطولوجية الى مشكلات قيمية، والمسائل المعرفية الى مسائل أسلوبية، والأسلوب، في عرف نيتشه هو »رقصة تلعب بكل المترادفات وتحتقرها«، لكن الأسلوب نفسه يظل بحاجة الى إعادة تقييم تكويني (جينيالوجي) وبهذا تكون فلسفة نيتشه بحاجة هي نفسها الى إعادة التقييم..
لقد حاول نيتشه التخلص من »لعنة الهوية« حتى فقد هويته، لأنه لا ضمانة، في نهاية المطاف للمتعدد، والمختلف، والمتشظي، والمتعالي، سوى العقل، وإلا أدت العلاقة الذاتية المنفكة عن التمركز المطلق على الذات الى حد النسيان الكلي للذات وفقدان الهوية. وإذا كان التمركز على الذات شكلاً من أشكال المازوخية، فهل يبرر هذا السادية اللامتمركزة، المنفلتة على الذات. ثم ماذا عن الأخلاق الديونيسية، أخلاق الذات المطلقة، ألا تؤدي هي نفسها الى السوقية والكلبية، باسم المتعة والغبطة المطلقة؟
ما يتبقى من النيتشوية بعد نيتشه هو ما يتبقى بعد نسيانها، وقد وطد نيتشه المختلف في إزاء المؤتلف والمتطابق، وسعى الى تأسيس نظرة جديدة، مناهضة للميتافيزيقا، للرومانسية، بمنأى عن انحرافات إرادة القوة، وقوى الارتكاس، والتلوينات اللوغوقراطية (العقلاطية) مستخدما طرائق الأنتربولوجيا، وعلم النفس، والشعر، خاصة في فلسفة، نصف شعرية ونصف فلسفية، تسخر من المقولة، والمفهوم، والعقل. باسم الفلسفة، في نهاية المطاف. يقول نيتشه »ان الرجال البَعْديين أنا، على سبيل المثال نفهمهم أقل بكثير من أولئك الذين يسايرون زمنهم، لكننا نفهمهم أكثر« (أفول الأصنام) ألا يحتاج فهم نيتشه الى نظرة جديدة ما بعد نيتشوية؟ لهذا السؤال جواب آخر..

وشكراً.

حنين العراق
09-19-2006, 09:32 AM
هل تتبعني وتأتي ورائي
مُغْوىً بأسلوبي واتجاهي
اتبع نفسك بإخلاص متأنيا
وبهذا فإنك تتبعني..

شكرا جزيلا
تحياتي

بلم بصراوي
09-19-2006, 09:37 AM
العفو.
وشكراً للاختيار الرائع.

ೋ ياقوتـــة دجــلة ೋ
11-24-2007, 09:15 AM
http://www.21za.com/pic/salam_kalam007_files/70.gif

الاخ بلم بصراوي موضوعك حول الفلسفة ونيتشــه
يستحق الوقوف طويلا طويلا..
لكن فيما قرأت هنا وجدت ان فلسفة الغرب خالية من اي مشاعر حيّة
لا اعرف لم السبب
يبقى فريدريك نيتشة واحد من اعظم الفلاسفة
الذي اثارو الاف الاسئلة المثيرة للجـدل
ولولا انهم زلزلو الثوابت وهدّمـو الاكاذيب انذاك
لما تغير مسار تاريخهم الفكري
جزيل الشكر لموضوعك القيّم بما يحويه ..

الـعندليبــے
12-11-2007, 07:17 PM
شكراااااااااااا
شكراااااااااااااااااااااا شكراااااااااااااااااااااااااااا
شكراااااااااااا
شكراااااااااااااااااااااا شكراااااااااااااااااااااااااااا
شكراااااااااااا
شكراااااااااااااااااااااا شكراااااااااااااااااااااااااااا
شكراااااااااااا
شكراااااااااااااااااااااا شكراااااااااااااااااااااااااااا
شكراااااااااااا
شكراااااااااااااااااااااا شكراااااااااااااااااااااااااااا

موضوع رائع ومميز جدااااااااا

تقبلووووووووو مروووووري


بلبل