الحقيقة المرة
01-14-2007, 03:50 PM
http://www.asharqalawsat.com/01common/teamimages/449-kaeun.gif
أشار رئيس وزراء العراق الأسبق نوري السعيد إلى ما اعتبره قلة الدراية والخبرة في السياسة، بمفردة من أكثر المفردات شعبية وتعاطيا في المجتمع العراقي «زعاطيط». روى عامر عبد الله أحد زعامات الحزب الشيوعي العراقي، وكان حينها صحفياً يافعاً، أنه كتب مقالا تعرض فيه لسياسة الحكومة في الأربعينيات، بشطحات ثورية. وحصل أن حضر حفلا حضره نوري باشا أيضاً، ولما عرفه سأله عن دوافع مقاله؟ وكانت مفاجأة للصحفي اليافع أن يجد نفسه وجهاً لوجه مع الموصوف بالداهية، وصاحب لقب باشا الوحيد، بعد إلغاء الباشوية! عندها رفع الباشا كفيه إلى السماء قائلاً: «اللهم أشكو إليك زعاطيط السياسة» .
ما حصل ويحصل في السياسة العراقية، اليوم، لا يُنعت إلا بعبارة الباشا الآنفة. وأرجو أن لا يُحمل استذكار العبارة قصد الإهانة، بقدر ما هو فيض شكوى. ولست المتفرد بهذا الشعور، إنما وصل الجميع إلى اليأس من معارضي الأمس وسلاطين اليوم. سمعت أحد قيادات «الدعوة»، من معتمري العِمامة، والشاح بوجهه عن الغنائم، يقول لمحاذيه، في حفل استقبال، ناقداً رفاقه: «إذا لم يتمكنوا من إدارة البلاد عليهم الاعتراف: نحن غير مؤهلين»! والشيخ كان صادقاً، لأن ممارسة السلطة من غير تمكن لا تجلب إلا الخيبة لحزب وعد في برنامجه بوعود «إخوان الصفا».
فقيه آخر، من معتمري العِمامة أيضاً، وأقول هذا لأن هناك العديد من الأفندية وعاظٌ بوجهٍ، وساسةٌ بوجهٍ آخر، قال بانفعال: «ماذا يفعل هؤلاء! ألا يعلمون أن هناك مائزاً بين إدارة حسينية وموكب عزاء، ومجلس وعظ للنساء، وبين إدارة الدولة! نحن ننظر إلى العراق كاملاً، وما هذا الخضوع للغوغاء». أتيت بهذين النموذجين شاهدين على أن الشيعة، علماء دين وأتباعاً، ليسوا طائفة سياسية وحزبية، تقف وراء مَنْ يديرون دفة الحكم بلا معرفة، إنما أغلبهم يضعون اعتبار العراق قبل اعتبار الطائفة، لا يميزون بين أبي درع الشيعي وأبي مصعب السُنّي، فكلاهما قاتلان! ويدركون جيداً أن كل ما يُفعل باسمهم هو لمصلحة حزبية لا مصلحة الطائفة.
نريد أو ما نريد دفعت الصبيانية في العمل السياسي أُناساً، لا جرحَ في غبطتهم بسقوط نظام صدام حسين والدولة القومية برمتها، قال أحدهم: لقد أفسدوا أحلامنا! وها أنا أشعر أن صاحب أكبر جرائم في تاريخ العراق الحديث يتحول إلى ضحية! وبالفعل يبدو المشهد واحداً، مع اختلاف الخطيئة. هذا خطيئته إبادات جماعية! وذاك مجرد مقولة كلامية! وأُتي بصدام فجر يوم العيد بالوثاق والحبل برقبته، والصلوات ترتفع من أفواه المحيطين به! والمالكي اعتبر ذبحه هدية العيد!
ولقلة تدبير، ظهر نوري المالكي مستعرضاً توقيع فرمان الإعدام بالحبر الأحمر، أمام شاشات التلفزة، لتأكيد نجاحه رئيساً للوزراء، وأنه وعدَ فأنجز! متناسياً ما يتمخض عنه أمر أن يُقدم إعدام صدام تقديماً طائفياً، لا شأن دولة وقانون. وبدا كقائد انقلاب يُذيع البيان الأول، مثلما جرت عليه سُنَّة الانقلابيين من قَبل. سقط صدام، ليحل حزب الدعوة مستنداً إلى التيار الصدري، وبالأدوات نفسها، مع أن الداني والقاصي يعلم ان لا فضل إلا للأمريكان! إنها هواجس عنف داخلي ظهرت إلى السطح، ممزوجة بما أشار إليه الباشا. كسب صدام الجولة، وأظهر معارضة الأمس مجرد عصابة منتقمة لا أكثر.
بدا المشهد أن السلطة الفعلية بيد جيش المهدي، ومقتدى هو الولي الفقيه المكتمل الشرائط، وكأن المالكي أحمدي نجاد مع آية الله علي خامنئي. يعتذر المالكي علناً، كلما قتل جيش المهدي شرطيا من شرطة الدولة، وحاول الدفاع عن نفسه! أهذه هي الوزارة التي يقول رئيسها فيها: تعدت حدود النجاح! وإلا كيف يدخل أعوان هذا الجيش والتيار إلى مكان سري للغاية، ويهتفون لوليهم «اللهم صلي علي محمد وآل محمد، عجل فرجه، وأذهب عدوه.. مقتدى، مقتدى، مقتدى». ولا ندري، مَنْ سَنّ سُنَّة إدخال الصلوات على محمد، والدعاء لظهور المهدي إلى غرف الإعدام، والرقص حول الجثة؟ هل تنازل الأداءُ السياسي والديني إلى هذا المستوى! ألم يحتج مراجع الدين على هذا السلوك! وهو شأن ديني وعقائدي بحت؟ وأين المحكمة التي تباهت بمسؤوليتها! التي نبشت قبر مجيد الخوئي وعاينت الخروم في جسده، ولم تسأل قتلته؟
ما شأن مقتدى بسقوط صدام، وتقديمه للمحاكمة، وهما نعمتان من نِعم أميركا، وهو يقدم نفسه خصما لها! وما شأن الناشط الصدري بهاء الأعرجي، وهو عضو برلمان، ليعلن طلب فتاوى بصحة الإعدام في يوم العيد من المراجع الدينية، وكأن العراق تنقصه الفتنة الطائفية! وكيف تنهار الدولة إلى هذا المستوى من الصبيانية، ويظهر مستشارها القومي كذاباً! أليس هذا من شأن «زعاطيط السياسة»؟ لا أريد تكرار ما أجرمه صدام، إلا أني ما كنت انتظر نهاية تظهره ضحية وأنا من ضحاياه. وتجعل موته، مثلما كانت حياته، فتنة بين الطوائف، وأن تسفر طريقة تنفيذ الحكم، وسلوك هؤلاء (الزعاطيط) المحيطين بالمقصلة، عن التضامن معه ومن قِبل خصومه.
يُذكر من حكايات «زعاطيط السياسة» ببغداد قديماً، حسب كتب النوادر، مما لا أتذكر مصدره لطول الفترة، أن أحد الرعية تمنى الجلوس محل الخليفة، ولو لساعة واحدة، وسيصلح شؤون البلاد. وبعد سماع الخليفة بأمنيته جعل الجند والشرطة تحت إمرته لنهار كامل. إلا أنه جعل صخرةً عظيمةً تتدلى فوق كرسي الخلافة. وقضى صاحبنا النهار محاذراً من سقوط الصخرة على رأسه! حينها قال الخليفة له: أما أمرت بإنزالها، وتحت يدك الدولة كاملةً؟ وبظل هؤلاء «ستبقى طويلاً هذه الأزمات». وعودة على بدء، أتت مفردة «زَعْطوط» من لغة العراق الآرامية «سطوطا» (الشالجي، الكنايات البغدادية). تطلق «على الرجل غير الناضج» (البازركان، معجم الألفاظ). إلا أن الأقرب هي المفردة المندائية (آرامية شرقية) «زوطا»، وتعني الطفل. وما أكثر تلاسن العراقيين بهذا الإرث.
تنويه : هذا المقال للكاتب رشيد خيون .
أشار رئيس وزراء العراق الأسبق نوري السعيد إلى ما اعتبره قلة الدراية والخبرة في السياسة، بمفردة من أكثر المفردات شعبية وتعاطيا في المجتمع العراقي «زعاطيط». روى عامر عبد الله أحد زعامات الحزب الشيوعي العراقي، وكان حينها صحفياً يافعاً، أنه كتب مقالا تعرض فيه لسياسة الحكومة في الأربعينيات، بشطحات ثورية. وحصل أن حضر حفلا حضره نوري باشا أيضاً، ولما عرفه سأله عن دوافع مقاله؟ وكانت مفاجأة للصحفي اليافع أن يجد نفسه وجهاً لوجه مع الموصوف بالداهية، وصاحب لقب باشا الوحيد، بعد إلغاء الباشوية! عندها رفع الباشا كفيه إلى السماء قائلاً: «اللهم أشكو إليك زعاطيط السياسة» .
ما حصل ويحصل في السياسة العراقية، اليوم، لا يُنعت إلا بعبارة الباشا الآنفة. وأرجو أن لا يُحمل استذكار العبارة قصد الإهانة، بقدر ما هو فيض شكوى. ولست المتفرد بهذا الشعور، إنما وصل الجميع إلى اليأس من معارضي الأمس وسلاطين اليوم. سمعت أحد قيادات «الدعوة»، من معتمري العِمامة، والشاح بوجهه عن الغنائم، يقول لمحاذيه، في حفل استقبال، ناقداً رفاقه: «إذا لم يتمكنوا من إدارة البلاد عليهم الاعتراف: نحن غير مؤهلين»! والشيخ كان صادقاً، لأن ممارسة السلطة من غير تمكن لا تجلب إلا الخيبة لحزب وعد في برنامجه بوعود «إخوان الصفا».
فقيه آخر، من معتمري العِمامة أيضاً، وأقول هذا لأن هناك العديد من الأفندية وعاظٌ بوجهٍ، وساسةٌ بوجهٍ آخر، قال بانفعال: «ماذا يفعل هؤلاء! ألا يعلمون أن هناك مائزاً بين إدارة حسينية وموكب عزاء، ومجلس وعظ للنساء، وبين إدارة الدولة! نحن ننظر إلى العراق كاملاً، وما هذا الخضوع للغوغاء». أتيت بهذين النموذجين شاهدين على أن الشيعة، علماء دين وأتباعاً، ليسوا طائفة سياسية وحزبية، تقف وراء مَنْ يديرون دفة الحكم بلا معرفة، إنما أغلبهم يضعون اعتبار العراق قبل اعتبار الطائفة، لا يميزون بين أبي درع الشيعي وأبي مصعب السُنّي، فكلاهما قاتلان! ويدركون جيداً أن كل ما يُفعل باسمهم هو لمصلحة حزبية لا مصلحة الطائفة.
نريد أو ما نريد دفعت الصبيانية في العمل السياسي أُناساً، لا جرحَ في غبطتهم بسقوط نظام صدام حسين والدولة القومية برمتها، قال أحدهم: لقد أفسدوا أحلامنا! وها أنا أشعر أن صاحب أكبر جرائم في تاريخ العراق الحديث يتحول إلى ضحية! وبالفعل يبدو المشهد واحداً، مع اختلاف الخطيئة. هذا خطيئته إبادات جماعية! وذاك مجرد مقولة كلامية! وأُتي بصدام فجر يوم العيد بالوثاق والحبل برقبته، والصلوات ترتفع من أفواه المحيطين به! والمالكي اعتبر ذبحه هدية العيد!
ولقلة تدبير، ظهر نوري المالكي مستعرضاً توقيع فرمان الإعدام بالحبر الأحمر، أمام شاشات التلفزة، لتأكيد نجاحه رئيساً للوزراء، وأنه وعدَ فأنجز! متناسياً ما يتمخض عنه أمر أن يُقدم إعدام صدام تقديماً طائفياً، لا شأن دولة وقانون. وبدا كقائد انقلاب يُذيع البيان الأول، مثلما جرت عليه سُنَّة الانقلابيين من قَبل. سقط صدام، ليحل حزب الدعوة مستنداً إلى التيار الصدري، وبالأدوات نفسها، مع أن الداني والقاصي يعلم ان لا فضل إلا للأمريكان! إنها هواجس عنف داخلي ظهرت إلى السطح، ممزوجة بما أشار إليه الباشا. كسب صدام الجولة، وأظهر معارضة الأمس مجرد عصابة منتقمة لا أكثر.
بدا المشهد أن السلطة الفعلية بيد جيش المهدي، ومقتدى هو الولي الفقيه المكتمل الشرائط، وكأن المالكي أحمدي نجاد مع آية الله علي خامنئي. يعتذر المالكي علناً، كلما قتل جيش المهدي شرطيا من شرطة الدولة، وحاول الدفاع عن نفسه! أهذه هي الوزارة التي يقول رئيسها فيها: تعدت حدود النجاح! وإلا كيف يدخل أعوان هذا الجيش والتيار إلى مكان سري للغاية، ويهتفون لوليهم «اللهم صلي علي محمد وآل محمد، عجل فرجه، وأذهب عدوه.. مقتدى، مقتدى، مقتدى». ولا ندري، مَنْ سَنّ سُنَّة إدخال الصلوات على محمد، والدعاء لظهور المهدي إلى غرف الإعدام، والرقص حول الجثة؟ هل تنازل الأداءُ السياسي والديني إلى هذا المستوى! ألم يحتج مراجع الدين على هذا السلوك! وهو شأن ديني وعقائدي بحت؟ وأين المحكمة التي تباهت بمسؤوليتها! التي نبشت قبر مجيد الخوئي وعاينت الخروم في جسده، ولم تسأل قتلته؟
ما شأن مقتدى بسقوط صدام، وتقديمه للمحاكمة، وهما نعمتان من نِعم أميركا، وهو يقدم نفسه خصما لها! وما شأن الناشط الصدري بهاء الأعرجي، وهو عضو برلمان، ليعلن طلب فتاوى بصحة الإعدام في يوم العيد من المراجع الدينية، وكأن العراق تنقصه الفتنة الطائفية! وكيف تنهار الدولة إلى هذا المستوى من الصبيانية، ويظهر مستشارها القومي كذاباً! أليس هذا من شأن «زعاطيط السياسة»؟ لا أريد تكرار ما أجرمه صدام، إلا أني ما كنت انتظر نهاية تظهره ضحية وأنا من ضحاياه. وتجعل موته، مثلما كانت حياته، فتنة بين الطوائف، وأن تسفر طريقة تنفيذ الحكم، وسلوك هؤلاء (الزعاطيط) المحيطين بالمقصلة، عن التضامن معه ومن قِبل خصومه.
يُذكر من حكايات «زعاطيط السياسة» ببغداد قديماً، حسب كتب النوادر، مما لا أتذكر مصدره لطول الفترة، أن أحد الرعية تمنى الجلوس محل الخليفة، ولو لساعة واحدة، وسيصلح شؤون البلاد. وبعد سماع الخليفة بأمنيته جعل الجند والشرطة تحت إمرته لنهار كامل. إلا أنه جعل صخرةً عظيمةً تتدلى فوق كرسي الخلافة. وقضى صاحبنا النهار محاذراً من سقوط الصخرة على رأسه! حينها قال الخليفة له: أما أمرت بإنزالها، وتحت يدك الدولة كاملةً؟ وبظل هؤلاء «ستبقى طويلاً هذه الأزمات». وعودة على بدء، أتت مفردة «زَعْطوط» من لغة العراق الآرامية «سطوطا» (الشالجي، الكنايات البغدادية). تطلق «على الرجل غير الناضج» (البازركان، معجم الألفاظ). إلا أن الأقرب هي المفردة المندائية (آرامية شرقية) «زوطا»، وتعني الطفل. وما أكثر تلاسن العراقيين بهذا الإرث.
تنويه : هذا المقال للكاتب رشيد خيون .