المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : # الحضارة / الثقافة وحوار الانسان مع الطبيعة #


بلم بصراوي
09-17-2006, 09:39 AM
الحضارة/ الثقافة وحوار الإنسان مع الطبيعة:
قضية الإنسان الوجودية الأولى والأساسية هي البقاء فيزيقيًا واجتماعيًا، وهي على المستوى الاجتماعي الوعي بتحديَّات البقاء، والاستجابة لها. ومن هنا كان تطور الإنسان المجتمع تطورًا ثنائي الأبعاد: تطور بيولوجي وتطور القدرات على التفكير المنطقي والإبداعي الخلاق. واستجابة الكائن الحي –الإنسان المجتمع- لمسيرة التطور البيولوجي الاجتماعي خلقت منه ما يمكن أن نصفه بأنه حزمة معلومات على المستويين الوراثي البيولوجي والاجتماعي.
أعني أن الإنسان يمكن تشبيهه على نحو غير مجازي بأنه حزمة معلومات، فردًا ماديًا عضويًا وكيانًا اجتماعيًا في وحدة وتكامل وتطور مطرد.
وكما يقول رينوب ويلم فإن (بميلين) عالم الجيولوجيا المتوفى عام 1983 إن الإنسان يحصل على الإشباع الذاتي من خلال نشاطه الإبداعي وسعيه للتجديد والاختراع في خضم مواجهاته المستمرة لتحديات الحياة. واستجابة الإنسان بهذه الطريقة البناءة تتحدد بعاملين رئيسيين على مدى تاريخ وجوده التطوري الارتقائي، الأول: قانون الوراثة بالنسبة للأفراد، والثاني: البنية الثقافية على مستوى الإنسان/ المجتمع. والعاملان كلاهما في تفاعل تخصيبي متبادل: البنية الثقافية والتكوين الوراثي Phenotype ويتمثل نتاج هذا التفاعل في عمليات التكيف الإنساني.
وقيام الحضارات وتطورها تعبير عن هذه القدرة الإبداعية على التكيف. فالحضارة في تعريف إجرائي هي إبداع الأدوات المادية والإطار الفكري/ القيمي استجابة لتحديات وجودية يفرضها الواقع المتجدد بتفاعله مع الإنسان/ المجتمع على نحو يفضي إلى رؤية جديدة للعالم على المستويين الوجودي والمعرفي. وهنا الحضارة والثقافة معًا وجهان لعملية واحدة تطورية تستهدف التكييف في إطار الاستجابة لتحديات البقاء، وهنا أيضًا، وحسب هذا التعريف، ينبغي الفصل بين الذات والخارج بحيث يغدو الإنسان فكرًا وقيمًا وسلوكًا تعبيرًا عن الحضارة – الثقافة التي يعيشها ومرة أخرى يمضي هذا التطور متفاعلاً ومؤثرًا في التطور البيولوجي للإنسان المجتمع.
الإنسان في حوار مع الطبيعة، وهو الكائن الوحيد في ظننا، الذي يحاول أن يفهم ويعرف ما حوله ومن هو، وحاور الطبيعة مستعينًا بخبراته وتجاربه التي ترسبت مع الزمن في الذاكرة الجمعية، أي: مستعينًا بالتراث الثقافي علاوة على فعله النشط؛ ذلك لأن الطبيعة لا تحاوره أو لا تكشف عن نفسها في ثوب واحد على نحو نمطي وإنما متغيرة أبدًا وجوديًا. ومن حيث صورتها في الوعي مع التغير الحضاري والثقافي. ومن ثم فإن ذاكرة الإنسان المجتمع ليست مجرد خزانة اكتملت مرة وإلى الأبد؛ بل هي دعامة مفتوحة أعني: قابلة دائمًا وأبدا للإضافة والتجديد في اتساق مع تغير الطبيعة وفعالية الحياة. واستعادة الإنسان/ المجتمع لمخزون الذاكرة الجمعية، أي: للتراث الثقافي، هي نوع من الاستنتاج الإبداعي مشروط بالوعي والفهم لأحداث الطبيعة أو لغتها المتجددة في الحوار معه.
وتهيأت للإنسان/ المجتمع بفضل التطور البيوثقافي إمكانات بيولوجية واجتماعية تدعم حواره أو تسانده في معركة البقاء والصراع. وتمثلت هذه الإمكانات في تزايد تعقد بنائه العضوي العصبي على مستوى النوع، وتعقد بنائه الاجتماعي. ومن ثم نجد تطوره يتميز عن سواه من الكائنات بأنه تطور بعيد عن الاستطراد العشوائي، بل يمضي في طفرات حضارية هي إبداع فكري وأدائي ويكون إبداعه الفكري هو إطاره المعرفي القيمي، أو المظلة الثقافية المستقلة والمتكاملة أو المتوحدة مع إبداعه الأدائي. والمظلة الثقافية هي رصيد خبرته وأداة حمايته في زمان ومكان محددين جرى خلالها الحوار بين الإنسان المجتمع والطبيعة.
وفي هذا المعنى يقول فلمنج تحت عنوان "المجتمع والثقافة من حيث علاقتها بلعبة لا نهائية": "يمكن القول: إن كل حضارة جديدة هي ثقافة جديدة ناشئة، ومن ثم فإن الثقافة حركة متغيرة باستمرار. إنها ما يفعله الناس وما يعيشونه أو يعايشونه، وهي القيم والأفكار والأحلام المشتركة. والثقافة بحكم طبيعتها هذه، وبحكم طبيعة التكوين العصبي البيولوجي والوظيفي للنوع الإنساني تتصف بالدينامية والحراك المستمر، وتتسم بالقدرة على الانفصال لتشكل بنية مقطوعة الصلة بالواقع توهم بالاستقلالية وبذا تتحول إلى أيديولوجية تمارس ضغوطها وتسلطها في تحديد أنماط السلوك، وتفرز باعتبارها أيديولوجيا سلبياتها في عزل الإنسان المجتمع عن الواقع.
هذا ما لم تقابلها فعالية إنتاجية نشطة داخل المجتمع، فعالية تفرز فكرًا جديدًا بمثابة تجارب إثبات الزيف والصواب تأسيسًا على تحديات واقعية.
وحيث إن دينامية الثقافة رهن بفعالية الإنسان المجتمع فهذا يعني أنها مرتبطة عضويًا بهذه الفعالية.. ولكنها ليست هي ذات النشاط، بل هي نتاجه وإفرازه، وتتحول في الوقت نفسه إلى شرط وجودي حاكم للفعالية في الحالة وفي المستقبل مع تهيؤها، في حالة توفر شروطها الصحية، للإضافة والتعديل، بل ومواكبة الطفرة الحضارية الثقافية.
وتبرز هنا خاصية أخرى للثقافة، أو للتراث الثقافي، أنه بنية تاريخية حية فاعلة أبدًا، متغيرة دومًا إما إلى ثراء وارتقاء بفضل الفعالية الإنتاجية الإبداعية للمجتمع في استجابته لتحديات الواقع، وإما إلى تدهور وانحلال تأسيسًا على ركود الحراك الاجتماعي وتعطل قدراته الإنتاجية الإبداعية.

حنين العراق
09-17-2006, 09:53 AM
يسلمووووووو بلم
تحياتي

بلم بصراوي
09-17-2006, 10:01 AM
شكرا لكم الرد

حسين العراق
09-17-2006, 11:35 AM
بلم مبدع كعادته حتى اني مجرد ان ارى اسم بلم في المنتدى ينتابني شعور جميل .. واعرف بانه يوجد هناك ابداع اليوم ....
تحياتي لك يا بلم ..
تم تثبيت الموضوع .. لروعته ..

بلم بصراوي
09-17-2006, 02:43 PM
شكرا - حسين جيافارا -
وهذا من ذوقك . لكن لا نصل نحن الى ابداعك الجميل.

وشكراً