zaid abodd
12-26-2006, 03:56 AM
احذر من «العلاسة» الذين يختطفون بقصد الابتزاز أو الانتقام أو صراعات طائفية
لا تقرأ في بغداد اعلانات تقول «خرج ولم يعد»، ليس لانه لا يوجد اشخاص يخرجون ولم يعودوا، بل على العكس من ذلك تماما. فغالبية العراقيين الذين يخرجون الى اعمالهم او لأي شأن كان لا يعودون لاسباب كثيرة ابرزها تعرضهم للقتل خلال الانفجارات او المواجهات المسلحة، وللاختطاف بقصد ابتزاز عوائلهم لاطلاق سراحهم مقابل فدية مادية تقدر حسب الحالة المادية لعائلة المخطوف، او قتل المخطوف اذا كانت الجماعة التي اختطفته قد اهدرت دمه لاسباب تتعلق بالصراعات الطائفية السائدة اليوم في العراق.
لهذا فان نشر اعلان عن شخص خرج في بغداد ولم يعد يصبح نوعا من النكتة، للاشخاص الذين لا يعودون لان امر عودتهم بات مرهونا بأيادي غيرهم. الاختطاف هو أكثر المشاكل الامنية التي تواجه العراقيين خاصة في الفترة الاخيرة حيث بات المخطوف في ذمة المجهول وغالبية المخطوفين لم يعودوا الى عوائلهم لانهم يقتلون ويرمون في اي شارع او منطقة مجهولة. وعصابات الخطف ليست عصابات عادية بل صارت تشكل اليوم مجاميع منظمة تشبه الى حد كبير عصابات المافيا، لها رؤساءها ومناطق نفوذها التي تسيطر عليها.
«الشرق الاوسط» تدخل في عالم الخطف والاختطاف الذي يهدد حياة الكثير من العراقيين منذ ثلاث سنوات من غير ان تتمكن اجهزة الامن التابعة للدولة معالجته. اللواء محمد نعمة قائد عمليات وزارة الداخلية العراقية يقسم الجماعات التي تقوم بعمليات الخطف الى ثلاثة مجموعات، الاولى يسميها «الصداميين»، والثانية «التكفيريين» والثالثة عصابات الجريمة المنظمة من اصحاب السوابق خاصة اولئك الذين اطلق النظام السابق سراحهم قبيل دخول القوات الاميركية الى العراق وغالبية هؤلاء كانوا محكومين بالاعدام او بالسجن المؤبد لاقترافهم جرائم بشعة.
وفي لغة عصابات الخطف مصطلحات يعرفها العراقيون جيدا، فهناك وحسب التسلسل (العلاس) وهو الشخص الذي يجمع المعلومات المهمة عن الشخص الذي سيتم اختطافه، واهم هذه المعلومات، اسمه وعنوانه وحالته او حالة عائلته المالية واماكن تواجده، اما الشخص الذي سيتم اختطافه فيطلق عليه (المعلوس)، وهو الضحية الذي يتم التخطيط لاختطافه حالما تصل الى المجموعة او العصابة معلومات كافية عنه. وهكذا في بغداد عندما يتعرض أي شخص للاختطاف يقولون عنه (انعلس). (العلاس) هو اخطر حلقة في عالم الخطف، فهو الذي يرشح الاشخاص لان يتحولوا الى ضحايا. و(العلاس) يتحرك بين الناس بهدوء من غير ان يكشف امره، وهو قد يكون جار او صديق حميم او عامل بسيط في شركة مهمة او ساعي يقدم الشاي للمدير العام وضيوفه او قد يكون احد اقارب الضحية.
المجموعة الثالثة حسب تقسيم قائد عمليات وزارة الداخلية، هى عصابات الجريمة المنظمة وهؤلاء غالبا ما يعتمدون على معلومات من (العلاسة)، ضحايا هؤلاء هم التجار والاطباء والاغنياء والعراقيون القادمون من اوروبا او اميركا لزيارة عوائلهم حيث يعتقد انهم اغنياء في البلدان التي يعيشون فيها ويستطيعون دفع الفدية المالية من اجل تحريرهم. والفدية المالية تقدر حسب الحالة المادية للمخطوف وعائلته وهي تتراوح ما بين 50 الف دولار وتتصاعد حيث بلغت في حالة اختطاف تاجر كبير وابنه خمسة ملايين دولار. على ان بعض العصابات تمنح هامش للمساومة مع عائلة المخطوف وتتنازل عن بضعة الاف من الدولارات اذا كانت العملية ستتم بسرعة.
اما المجموعة الثانية فهي مجموعة «التكفيريين» وهي مجاميع متطرفة اسلاميا يتبعون خطى شيوخهم وغالبيتهم، ان لم يكونوا جميعهم من السنة، ذلك ان الشيعة كمذهب وكاشخاص لا يكفر الاخرين. وحسب حديث اللواء نعمة لـ«الشرق الاوسط» عبر الهاتف من مكتبه في بغداد امس فان الجماعات التكفيرية تحدد اسماء ضحاياها وتختطفهم ثم تقتلهم بدون مساومة، وغالبا ما يكون ضحايا هذه الجماعات هم من يعمل مع القوات المتعددة الجنسيات كمترجمين او مهندسين او حتى عمال خدمات.
من يسميهم قائد عمليات وزارة الداخلية بـ(الصداميين)، من اتباع الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين، فهؤلاء يقومون باختيار ضحاياهم بذات الطريقة التي يتبعها عصابات المجموعة الاولى، أي ان ضحاياهم هم من الاغنياء، وتقوم هذه الجماعات عادة بعملية الاختطاف ثم مساومة عائلة المخطوف لاخذ الفدية المالية وبعدها تقوم بقتل الضحية بدلا من تسليمه حيا الى عائلته. ويعترف اللواء نعمة بان غالبية الجماعات التي تقوم بخطف الاشخاص يقتلون ضحاياهم بعد ان يأخذوا الفدية المالية ذلك لانهم يتبعون طريقة اسهل في التخلص من الضحية او لان الضحية كان قد شاهد وجه احد الخاطفين وتعرف عليه. الا ان حكايات الخطف واساليب طلب الفدية التي سمعتها «الشرق الاوسط» من اهالي الضحايا ومن بعض الذين تعرضوا للاختطاف مباشرة غريبة للغاية. زياد عمر، 42 عاما، مهندس مدني وله مكتب في حي الكرادة بالقرب من ساحة كهرمانه، وهو من عائلة متمكنة ماديا وكانت هذه العائلة تعد في يوم ليس ببعيد من العوائل الغنية في مدينة الموصل.
كان زياد يريد ان يطرد القصة من رأسه وينساها مثلما ينسى كابوسا مرعبا، ومع ذلك قص لـ«الشرق الاوسط» حكايته بهدوء. قال «كنت ذاهبا الى مكتبي بسيارتي الـ(بي ام دبليو) الفاخرة، وهي سبب مشكلتي فأنت ان قدت سيارة فاخرة في بغداد فهذا يعني انك غني وتتحول الى هدف سهل لعصابات الخطف». يكمل حديثه قائلا«كان الوقت العاشرة والنصف صباحا ويرافقني ابن شقيقي الذي يدرس سنة اولى هندسة معمارية في جامعة بغداد. عندما دخلت الى الشارع المؤدي الى مكتبي توقفت امامي سيارة واعاقت مروري، ثم توقفت سيارتين خلفي وهبط منها 8 اشخاص يحملون رشاشات الكلاشنكوف، طلبوا مني الترجل من السيارة ولم يتعرضوا لابن اخي، عندما تركت السيارة وانا اضع يدي فوق رأسي كان احدهم قد فتح لي الصندوق الخلفي لاحدى السيارات واشار لي بالصعود اليه، كان علي تنفيذ تعليماتهم بدقة والا سيكون الموت مصيري ومصير ابن اخي، صعدت حيث تم احكام غلق الصندوق الخلفي للسيارة التي انطلقت بسرعة حيث تتقدمها احدى السيارات وتتبعهما ثالثة، نسيت ان اقول ان كل هذا تم وسط شارع كبير ومزدحم بالمارة وامام اعين العشرات الذين كانوا يتفرجون عن بعد».
هذه العصابة احدثت ما يشبه النافذة بين الصندوق الخلفي وبقية اجزاء السيارة ليتمكنوا من الحديث مع الضحية، يكمل زياد حكايته فيقول «في السيارة طلبوا مني الهدوء وعدم اصدار أي صوت عندما يقفون عند حاجز امني فهذا يعني موتي المحقق، كنت افكر بمصير ابن اخي وفيما اذا كانوا قد اختطفوه في سيارة اخرى ام تعرض للخطر، كنت احاول ان اصطاد الاصوات التي في الخارج حيث ادركت اننا نبتعد عن المدينة باتجاه قرية نائية حتى وصلنا الى بيت لا اعرف اوصافه او موقعه حيث شدوا عيني برباط من القماش الاسود وادخلوني الى بيت وقالوا لا تتسبب بأية مشكلة ولا تضطرنا للتخلص منك، ثم رموني في غرفة داكنة من غير ان ازيح اللثام.
بقى زياد اكثر من اسبوعين في هذه الغرفة الداكنة، كانوا يقدمون له طعاما متواضعا، «كانوا يطرقون الباب قبل ان يفتحون القفل ويطلبون مني ان ادير وجهي الى الجدار كي لا اشاهد من يقدم لي الطعام، كانت المنطقة هادئة جدا مما يدل باني في بيت ناء». قال لي شقيقه الدكتور اياد عمر «خلال عملية اختطاف شقيقي كان ولدي معه، جلس خائفا في مكانه ريثما انصرفت السيارات الثلاث، هرع ابني الى ثلاثة من رجال الشرطة في مكان قريب من موقع الاختطاف واخبرهم بما جرى لكنهم اشاحوا بوجوههم وطلبوا منه الانصراف وقالوا له هذا ليس عملنا نحن شرطة مرور».
بعد يوم من الحادث اتصل احد افراد المجموعة طالبا 150 الف دولار فدية، يقول اياد «كان علينا ان نكون حازمين معهم، فلم نبد هلعنا ولا خوفنا خلال التحدث معهم واخبرتهم بأننا سنعطيهم 50 الف دولار وهذا كل ما عندنا، وعندما هددوني بقتله قلت لهم الخير فيما يختاره الله، واغلقت الهاتف، عادوا بعد يومين وطلبوا 100 الف دولار فأخبرتهم بان كل ما لدينا هو 50 الف فاقترحوا علينا بيع بعض املاكنا لتوفير بقية المبلغ ولم ارد عليهم حتى تنازلوا بعد اسبوع الى 60 الف دولار وواجهتهم بذات الرد. نعم كنا نخشى على شقيقي من القتل وفي ذات الوقت كنا متأكدين بأنهم سيرضون بهذا المبلغ حسب ما عرفنا من حالات سابقة».
بعد عشرة ايام وافقوا على المبلغ وتم الاتفاق على تسليمهم الخمسين الف دولار عن طريق وضعها في كيس قماش تحت صخرة في منطقة نائية حددوها هم، وعندما ذهب شقيقه وابن عمه لوضع المبلغ في المكان المحدد لم يشاهدوا احد لكنهم تلقوا اتصالا بعد ساعة بانهم تسلموا المبلغ «وان شقيقي سيطلق سراحه بعد يومين على انهم سيحددون مكان وجوده مشددين على عدم ابلاغ الشرطة وان يذهب ابن عمي فقط لتسلمه، أي شخص واحد». يضيف شقيقه اياد «عشنا يومين قاسيين فقد فكرنا انهم قد يقتلوه بعد ان تسلموا المبلغ، ولماذا يومين».
بعد يومين، وبعد اذان العشاء اتصلوا وحددوا ثلاثة اماكن مرشحة لوجود اخي احد هذه الاماكن شمال بغداد قرب التاجي، والثاني غرب بغداد قبيل سجن ابو غريب، والثالث جنوب بغداد بالقرب من المدائن، كان على اخي ان ينتظر في العراء اكثر من 4 ساعات حتى نعثر عليه شمال بغداد وسط مزابل التاجي».
الظريف في الموضوع ان هذه العصابة منحت زياد تعهدا شخصيا بعدم اختطافه من قبل اية مجموعة خلال عام واحد بعدها قد يتعرض للاختطاف من قبل مجموعة اخرى او نفس الجماعة، لكن زياد لم ينتظر عام آخر بل لملم حقائبه وغادر ليستقر في عمان. واذا كان زياد محظوظا بالعودة الى بيته وعائلته، فان حظ ابراهيم السامرائي وعائلته اتعس من ذلك بكثير، تقول هيفاء الطائي، 39 عاما، زوجة ابراهيم، 45 عاما، ان زوجها خرج قبل اكثر من خمسة اشهر الى شارع الرشيد، منطقة السنك، فهو يعمل في تجارة الادوات الاحتياطية للسيارات، لكنه لم يعد منذ ذلك اليوم، وعندما ذهب شقيقه للسؤال عنه اخبروه هناك بان ابراهيم تعرض للاختطاف من قبل سبعة مسلحين يقودون سيارتين اوبل. يقول شقيقه «اخبروني ان سيارتين اعترضت سيارة شقيقي وانزلوه ليجبروه على الصعود الى الصندوق الخلفي في احدى السيارات، وقام احد المسلحين باطلاق عدد من العيارات النارية لاشاعة الخوف في نفوس الاخرين الذين كانوا يراقبون ما يجري، لقد تم كل شيء بسرعة وخلال اقل من خمس دقائق، ثم اختفوا».
بعد يومين اتصل احد افراد المجموعة بزوجة ابراهيم، وكانت تستخدم موبايل زوجها الذي كان له خطين، طالبا منها 80 الف دولار «اذا كان زوجك عزيز على قلبك او ستجدين جثته في ثلاجات الطب الشرعي»، لقد عرف هذا المجهول كيف ينفذ الى عاطفة هيفاء، وهي ام لبنتين وولد.
رفضت هيفاء الاتصال بالشرطة خشية على حياة زوجها، لكنها لاحظت شيئا مهما هو ان الشخص الذي اتصل بها بواسطة هاتفه الموبايل ظهر اسمه (ابو عبد الله) على شاشة هاتف زوجها، وهذا يعني ان المتصل صديق زوجها او يعرفه جيدا بحيث احتفظ برقمه، لكن التحريات اثبتت فيما بعد بان لا احد من عائلة او اصدقاء زوجها يعرفون شخصا اسمه بالتحديد ابو عبد الله، بل هناك اكثر من 30 شخصا من المقربين يحمل تسمية ابو عبد الله وارقام هواتفهم لا تشبه الرقم الموجود في موبايل ابراهيم، تقول هيفاء «لم يعد ذات الشخص يتصل كما ان الهواتف التي كانوا يتصلون بواسطتها تحمل ارقام هواتف مختلفة».
تضيف هيفاء قائلة «بعد المساومة مع العصابة توصلنا الى منحهم 45 الف دولار ارسلناها لهم بعد 10 ايام من الاتصالات والمساومات، وكان موعد ومكان التسليم هو قبيل منع التجوال بنصف ساعة قرب جامع ام الطبول حيث تسلموا المبلغ وقالوا غدا يأتيكم ابراهيم سالما». جاء الغد ومر اسبوع، ثم شهر وشهرين وهذا هو الشهر السادس تقريبا ولم يعد ابراهيم الى عائلته، وبالرغم من ان زوجته تريد ان تطرد عن ذهنها أي تفكير يتعلق بالموت لكنها تعتقد ان زوجها قتل او تم بيعه لجماعة متطرفة اخرى لاسيما ان من بين مختطفيه شخص يعرفه (ابو عبد الله) الذي يخشى ان يتم التبليغ عنه في حالة اطلاق سراحه.
تقول زوجته هيفاء «لقد خطفوه واخذوا الفدية ثم قتلوه فلماذا لا يسلمونا جثته لندفنها ونتأكد من مصيره». اللواء نعمة اكد ان نسب عمليات الاختطاف في بغداد قد انخفضت بما معدله 84%، بينما تؤكد وجدان سالم وزيرة حقوق الانسان وحسب دراسات تقوم بها وزارتها فانه ليس هناك انخفاض بل ان هناك تزايدا في نسب هذه العمليات. وقالت سالم لـ«الشرق الاوسط» عبر الهاتف من مكتبها امس في بغداد «نحن نعمل حاليا على جمع احصائيات موثوق بها لحالات الاختطاف والمفقودين، واعني جميع المفقودين سواء كانوا في سجون سلطات الاحتلال او السجون العراقية او الذين لقوا حتفهم في حوادث التفجير اليومية. وتؤكد وزيرة حقوق الانسان قائلة «ان هناك نسبة لا بأس بها من حالات اختطاف النساء والفتيات لغرض اغتصابهن ومن ثم قتلهن».
وتكشف وزيرة حقوق الإنسان لـ«الشرق الأوسط» عن النساء اللواتي يقعن ضحايا الاختطاف، قائلة «اختطاف النساء يتم وحسب المعلومات المتوفرة لدينا، لأغراض اغتصابهن والاتجار بهن، وخاصة الفتيات ونحن ندرس حاليا هذا الملف الخطير».
وحسب ناشطة نسائية عراقية تعمل في حقل حقوق العراقيات المضطهدات، «فإن غالبية اللواتي يتعرضن للاختطاف، حتى من قبل ما يسمى الجماعات الاسلامية، فهن يتعرضن للاغتصاب بطرق همجية، بينما يتم بيع البنات الى دول مجاورة، وحسب عمر وجمال الفتاة، وفيما اذا كانت بكرا أم لا». وتابعت الناشطة التي فضلت عدم نشر اسمها «لقد تعرضت لحادث اختطاف، ولكن نجوت بفضل وجود قوات من الجيش العراقي على مقربة من نفق الشرطة، في جانب الكرخ بعدها غيرت عنواني وصرت أتحرك بسرية تامة».
تحكي هذه الناشطة عن معلمة شابة وجميلة ومتزوجة ولها طفلان، تعرضت للاختطاف في الطريق بين بيتها والمدرسة التي تعمل فيها في جانب الرصافة من بغداد، بعد اسبوع طالبت العصابة زوجها بفدية مقدارها 30 ألف دولار، وبعد المساومات تم دفع 25 الف دولار، واطلق سراحها بعد اسبوعين من اختطافها.
هذه المعلمة لم تستطع ان تتوازن مع ما مر بها، لقد اغتصبت بصورة وحشية، من قبل اكثر من خمسة رجال ولعدة مرات يوميا، وتنقل عنها الناشطة النسوية قائلة «كانت المجموعة التي اختطفتها تدعي انها اسلامية، وكان الرجال الذين يغتصبونها يذهبون الى الصلاة، ليكفروا عما اقترفوه، كانت هذه المعلمة الشابة تتوسل اليهم بأن يتركوها أو يقتلوها، لكنهم قبضوا الفدية وتركوها ممزقة الملابس في منطقة نائية قرب مقبرة محمد سكران في جانب الرصافة».
عندما عادت هذه الضحية الى بيتها، طلقها زوجها وعاشت حياة تعيسة لم تستطع ان تتحملها، فانتحرت بعد اقل من شهر بعد اطلاق سراحها، وهناك من يقول ان شقيقها قتلها غسلا للعار».
وفي حادثة أخرى، فإن عائلة متمكنة ماديا اختطفت ابنتها من امام الجامعة المستنصرية، ودفعت عائلتها 40 الف دولار وطلبوا من العصابة التي اختطفتها ان تسلمها لهم مقتولة، ان كانوا قد اغتصبوها، وكان للعائلة ما تريد فقد تسلموا جثتها التي ظهرت عليها الكدمات وآثار الضرب خلال عمليات الاغتصاب. وهناك أسر ترفض منح الفدية للعصابة متعمدة، حتى يتم قتل بناتها من قبل العصابة.
اما الفتيات اللواتي ما بين الثانية والخامسة عشرة واللواتي يتم اختطافهن، يتم بيعهن الى اغنياء في دول مجاورة أو ارغامهن على العمل في دور الدعارة سواء داخل العراق او خارجه. وتختلف قصة اختطاف ادموند،17 عاما، عن سواها من القصص، فهو ابن عائلة كانت غنية قبيل الثمانينات، وبقيت محافظة على شيء من الرفاهية، يقيم ادموند، وهو طالب ثانوية مع عائلته في حي الكرادة، منطقة المسبح الذي تسكنه غالبية من المسيحيين، بينما يقيم شقيقه وزوجته في ديتروويت في الولايات المتحدة منذ اواخر الثمانينات، وشقيقته تقيم مع زوجها في بلجيكا، لذا يعيش ادموند وحيدا مع والديه، وله صديق دراسة ينتمي الى عائلة متواضعة تقيم في حي الكرادة منطقة الزوية.
ادموند الذي التقيته في عمان وكانت ملامح وجهه قد تغيرت حسب احد اصدقاء دراسته، الذي كان متواجدا معه في العاصمة الأردنية، حيث كسرت ثلاث من اسنانه، كما كسر انفه وتعرض لرضوض كثيرة. قال «كان صديقي (ح.م) من اكثر المقربين لي على الرغم من الفوارق الاجتماعية والدينية، لكننا كعائلة لا نفكر بمثل هذه الأمور، فقد كان يدخل بيتنا وينام في غرفتي، ونخرج معا وأذهب انا بدوري الى بيتهم المتواضع حبا في حياتهم الاجتماعية».
مشكلة ادموند بدأت عندما اهدى له والده سيارة مستعملة، لكنها جميلة نوع (تويوتا سلكا)، وكان يمر على صديقه كل يوم تقريبا ليتجولوا بواسطة السيارة في انحاء بغداد. يقول ادموند «ذات يوم طلب مني ان نذهب الى بيت عمه في منطقة جميلة القريبة من مدينة الثورة، واعربت له عن مخاوفي للذهاب الى هناك، حيث تكثر المشاكل، لكنه تعهد لي بأن أبناء عمه هناك، ولن يسمحوا لأي شخص بالاقتراب منا».
القصة كانت مدبرة من قبل صديقه، فما أن وصلا الى حي جميلة، حتى طلب منه صديقه هذا ان يواصلا السير حتى مدينة الثورة «كانت هناك سيارتان في انتظارنا.. عندما توقفنا بالقرب من السيارتين ترجل منها ستة من الشباب الذين يتطاير الشر من عيونهم، بادرني احدهم بضربة قوية على انفي فقدت معها وعيي، عندما صحوت بعد اقل من ساعة، وجدت نفسي مغمورا بالدم ومربوطا الى كرسي في غرفة بدت وكأنها جزء من كراج لتصليح السيارات ويجلس احدهم حاملا مسدسه بالقرب مني، حيث اخبرني بأني مختطف وسيطلبون 100 الف دولار من عائلتي، اخبرتهم بأننا لا نملك هذا المبلغ، لكنهم بادروا قائلين ان صديقي الذي باعني اليهم بمبلغ 5 آلاف دولار أخبرهم بأننا اغنياء، وان شقيقي في اميركا مليونير. كانوا يضربوني بلا اية مناسبة، سوى اني من عائلة كانت غنية في يوم ما». ساوم والد ادموند العصابة حتى مبلغ 50 الف دولار، لكنهم طالبوا بـ55 الف دولار كون الخمسة آلاف تم منحها لصديقي الذي باعني اليهم، وهم يريدون 50 الف دولار كاملة وبلا نقص». وانتظر ادموند ثمانية ايام حتى تم جمع المبلغ، كان خلالها يتلقى الضرب والاهانة، ويقدم له طعام سيئ. بعد عشرة ايام اطلق سراح ادموند، وتم تهديده فيما اذا بلغ الشرطة واخبرهم ان صديقه هو الذي باعه للعصابة فسوف يقتلونه او يقتلون والده، كانت العصابة قد سرقت السيارة ايضا وساعة وخاتم ادموند، وتركوه عند منطقة صدر القناة ليتسلمه والده مثل جثة ميتة، وسرعان ما اصدر له جواز سفر ليقيموا جميعهم في عمان، في انتظار الهجرة الى أميركا.
لا تقرأ في بغداد اعلانات تقول «خرج ولم يعد»، ليس لانه لا يوجد اشخاص يخرجون ولم يعودوا، بل على العكس من ذلك تماما. فغالبية العراقيين الذين يخرجون الى اعمالهم او لأي شأن كان لا يعودون لاسباب كثيرة ابرزها تعرضهم للقتل خلال الانفجارات او المواجهات المسلحة، وللاختطاف بقصد ابتزاز عوائلهم لاطلاق سراحهم مقابل فدية مادية تقدر حسب الحالة المادية لعائلة المخطوف، او قتل المخطوف اذا كانت الجماعة التي اختطفته قد اهدرت دمه لاسباب تتعلق بالصراعات الطائفية السائدة اليوم في العراق.
لهذا فان نشر اعلان عن شخص خرج في بغداد ولم يعد يصبح نوعا من النكتة، للاشخاص الذين لا يعودون لان امر عودتهم بات مرهونا بأيادي غيرهم. الاختطاف هو أكثر المشاكل الامنية التي تواجه العراقيين خاصة في الفترة الاخيرة حيث بات المخطوف في ذمة المجهول وغالبية المخطوفين لم يعودوا الى عوائلهم لانهم يقتلون ويرمون في اي شارع او منطقة مجهولة. وعصابات الخطف ليست عصابات عادية بل صارت تشكل اليوم مجاميع منظمة تشبه الى حد كبير عصابات المافيا، لها رؤساءها ومناطق نفوذها التي تسيطر عليها.
«الشرق الاوسط» تدخل في عالم الخطف والاختطاف الذي يهدد حياة الكثير من العراقيين منذ ثلاث سنوات من غير ان تتمكن اجهزة الامن التابعة للدولة معالجته. اللواء محمد نعمة قائد عمليات وزارة الداخلية العراقية يقسم الجماعات التي تقوم بعمليات الخطف الى ثلاثة مجموعات، الاولى يسميها «الصداميين»، والثانية «التكفيريين» والثالثة عصابات الجريمة المنظمة من اصحاب السوابق خاصة اولئك الذين اطلق النظام السابق سراحهم قبيل دخول القوات الاميركية الى العراق وغالبية هؤلاء كانوا محكومين بالاعدام او بالسجن المؤبد لاقترافهم جرائم بشعة.
وفي لغة عصابات الخطف مصطلحات يعرفها العراقيون جيدا، فهناك وحسب التسلسل (العلاس) وهو الشخص الذي يجمع المعلومات المهمة عن الشخص الذي سيتم اختطافه، واهم هذه المعلومات، اسمه وعنوانه وحالته او حالة عائلته المالية واماكن تواجده، اما الشخص الذي سيتم اختطافه فيطلق عليه (المعلوس)، وهو الضحية الذي يتم التخطيط لاختطافه حالما تصل الى المجموعة او العصابة معلومات كافية عنه. وهكذا في بغداد عندما يتعرض أي شخص للاختطاف يقولون عنه (انعلس). (العلاس) هو اخطر حلقة في عالم الخطف، فهو الذي يرشح الاشخاص لان يتحولوا الى ضحايا. و(العلاس) يتحرك بين الناس بهدوء من غير ان يكشف امره، وهو قد يكون جار او صديق حميم او عامل بسيط في شركة مهمة او ساعي يقدم الشاي للمدير العام وضيوفه او قد يكون احد اقارب الضحية.
المجموعة الثالثة حسب تقسيم قائد عمليات وزارة الداخلية، هى عصابات الجريمة المنظمة وهؤلاء غالبا ما يعتمدون على معلومات من (العلاسة)، ضحايا هؤلاء هم التجار والاطباء والاغنياء والعراقيون القادمون من اوروبا او اميركا لزيارة عوائلهم حيث يعتقد انهم اغنياء في البلدان التي يعيشون فيها ويستطيعون دفع الفدية المالية من اجل تحريرهم. والفدية المالية تقدر حسب الحالة المادية للمخطوف وعائلته وهي تتراوح ما بين 50 الف دولار وتتصاعد حيث بلغت في حالة اختطاف تاجر كبير وابنه خمسة ملايين دولار. على ان بعض العصابات تمنح هامش للمساومة مع عائلة المخطوف وتتنازل عن بضعة الاف من الدولارات اذا كانت العملية ستتم بسرعة.
اما المجموعة الثانية فهي مجموعة «التكفيريين» وهي مجاميع متطرفة اسلاميا يتبعون خطى شيوخهم وغالبيتهم، ان لم يكونوا جميعهم من السنة، ذلك ان الشيعة كمذهب وكاشخاص لا يكفر الاخرين. وحسب حديث اللواء نعمة لـ«الشرق الاوسط» عبر الهاتف من مكتبه في بغداد امس فان الجماعات التكفيرية تحدد اسماء ضحاياها وتختطفهم ثم تقتلهم بدون مساومة، وغالبا ما يكون ضحايا هذه الجماعات هم من يعمل مع القوات المتعددة الجنسيات كمترجمين او مهندسين او حتى عمال خدمات.
من يسميهم قائد عمليات وزارة الداخلية بـ(الصداميين)، من اتباع الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين، فهؤلاء يقومون باختيار ضحاياهم بذات الطريقة التي يتبعها عصابات المجموعة الاولى، أي ان ضحاياهم هم من الاغنياء، وتقوم هذه الجماعات عادة بعملية الاختطاف ثم مساومة عائلة المخطوف لاخذ الفدية المالية وبعدها تقوم بقتل الضحية بدلا من تسليمه حيا الى عائلته. ويعترف اللواء نعمة بان غالبية الجماعات التي تقوم بخطف الاشخاص يقتلون ضحاياهم بعد ان يأخذوا الفدية المالية ذلك لانهم يتبعون طريقة اسهل في التخلص من الضحية او لان الضحية كان قد شاهد وجه احد الخاطفين وتعرف عليه. الا ان حكايات الخطف واساليب طلب الفدية التي سمعتها «الشرق الاوسط» من اهالي الضحايا ومن بعض الذين تعرضوا للاختطاف مباشرة غريبة للغاية. زياد عمر، 42 عاما، مهندس مدني وله مكتب في حي الكرادة بالقرب من ساحة كهرمانه، وهو من عائلة متمكنة ماديا وكانت هذه العائلة تعد في يوم ليس ببعيد من العوائل الغنية في مدينة الموصل.
كان زياد يريد ان يطرد القصة من رأسه وينساها مثلما ينسى كابوسا مرعبا، ومع ذلك قص لـ«الشرق الاوسط» حكايته بهدوء. قال «كنت ذاهبا الى مكتبي بسيارتي الـ(بي ام دبليو) الفاخرة، وهي سبب مشكلتي فأنت ان قدت سيارة فاخرة في بغداد فهذا يعني انك غني وتتحول الى هدف سهل لعصابات الخطف». يكمل حديثه قائلا«كان الوقت العاشرة والنصف صباحا ويرافقني ابن شقيقي الذي يدرس سنة اولى هندسة معمارية في جامعة بغداد. عندما دخلت الى الشارع المؤدي الى مكتبي توقفت امامي سيارة واعاقت مروري، ثم توقفت سيارتين خلفي وهبط منها 8 اشخاص يحملون رشاشات الكلاشنكوف، طلبوا مني الترجل من السيارة ولم يتعرضوا لابن اخي، عندما تركت السيارة وانا اضع يدي فوق رأسي كان احدهم قد فتح لي الصندوق الخلفي لاحدى السيارات واشار لي بالصعود اليه، كان علي تنفيذ تعليماتهم بدقة والا سيكون الموت مصيري ومصير ابن اخي، صعدت حيث تم احكام غلق الصندوق الخلفي للسيارة التي انطلقت بسرعة حيث تتقدمها احدى السيارات وتتبعهما ثالثة، نسيت ان اقول ان كل هذا تم وسط شارع كبير ومزدحم بالمارة وامام اعين العشرات الذين كانوا يتفرجون عن بعد».
هذه العصابة احدثت ما يشبه النافذة بين الصندوق الخلفي وبقية اجزاء السيارة ليتمكنوا من الحديث مع الضحية، يكمل زياد حكايته فيقول «في السيارة طلبوا مني الهدوء وعدم اصدار أي صوت عندما يقفون عند حاجز امني فهذا يعني موتي المحقق، كنت افكر بمصير ابن اخي وفيما اذا كانوا قد اختطفوه في سيارة اخرى ام تعرض للخطر، كنت احاول ان اصطاد الاصوات التي في الخارج حيث ادركت اننا نبتعد عن المدينة باتجاه قرية نائية حتى وصلنا الى بيت لا اعرف اوصافه او موقعه حيث شدوا عيني برباط من القماش الاسود وادخلوني الى بيت وقالوا لا تتسبب بأية مشكلة ولا تضطرنا للتخلص منك، ثم رموني في غرفة داكنة من غير ان ازيح اللثام.
بقى زياد اكثر من اسبوعين في هذه الغرفة الداكنة، كانوا يقدمون له طعاما متواضعا، «كانوا يطرقون الباب قبل ان يفتحون القفل ويطلبون مني ان ادير وجهي الى الجدار كي لا اشاهد من يقدم لي الطعام، كانت المنطقة هادئة جدا مما يدل باني في بيت ناء». قال لي شقيقه الدكتور اياد عمر «خلال عملية اختطاف شقيقي كان ولدي معه، جلس خائفا في مكانه ريثما انصرفت السيارات الثلاث، هرع ابني الى ثلاثة من رجال الشرطة في مكان قريب من موقع الاختطاف واخبرهم بما جرى لكنهم اشاحوا بوجوههم وطلبوا منه الانصراف وقالوا له هذا ليس عملنا نحن شرطة مرور».
بعد يوم من الحادث اتصل احد افراد المجموعة طالبا 150 الف دولار فدية، يقول اياد «كان علينا ان نكون حازمين معهم، فلم نبد هلعنا ولا خوفنا خلال التحدث معهم واخبرتهم بأننا سنعطيهم 50 الف دولار وهذا كل ما عندنا، وعندما هددوني بقتله قلت لهم الخير فيما يختاره الله، واغلقت الهاتف، عادوا بعد يومين وطلبوا 100 الف دولار فأخبرتهم بان كل ما لدينا هو 50 الف فاقترحوا علينا بيع بعض املاكنا لتوفير بقية المبلغ ولم ارد عليهم حتى تنازلوا بعد اسبوع الى 60 الف دولار وواجهتهم بذات الرد. نعم كنا نخشى على شقيقي من القتل وفي ذات الوقت كنا متأكدين بأنهم سيرضون بهذا المبلغ حسب ما عرفنا من حالات سابقة».
بعد عشرة ايام وافقوا على المبلغ وتم الاتفاق على تسليمهم الخمسين الف دولار عن طريق وضعها في كيس قماش تحت صخرة في منطقة نائية حددوها هم، وعندما ذهب شقيقه وابن عمه لوضع المبلغ في المكان المحدد لم يشاهدوا احد لكنهم تلقوا اتصالا بعد ساعة بانهم تسلموا المبلغ «وان شقيقي سيطلق سراحه بعد يومين على انهم سيحددون مكان وجوده مشددين على عدم ابلاغ الشرطة وان يذهب ابن عمي فقط لتسلمه، أي شخص واحد». يضيف شقيقه اياد «عشنا يومين قاسيين فقد فكرنا انهم قد يقتلوه بعد ان تسلموا المبلغ، ولماذا يومين».
بعد يومين، وبعد اذان العشاء اتصلوا وحددوا ثلاثة اماكن مرشحة لوجود اخي احد هذه الاماكن شمال بغداد قرب التاجي، والثاني غرب بغداد قبيل سجن ابو غريب، والثالث جنوب بغداد بالقرب من المدائن، كان على اخي ان ينتظر في العراء اكثر من 4 ساعات حتى نعثر عليه شمال بغداد وسط مزابل التاجي».
الظريف في الموضوع ان هذه العصابة منحت زياد تعهدا شخصيا بعدم اختطافه من قبل اية مجموعة خلال عام واحد بعدها قد يتعرض للاختطاف من قبل مجموعة اخرى او نفس الجماعة، لكن زياد لم ينتظر عام آخر بل لملم حقائبه وغادر ليستقر في عمان. واذا كان زياد محظوظا بالعودة الى بيته وعائلته، فان حظ ابراهيم السامرائي وعائلته اتعس من ذلك بكثير، تقول هيفاء الطائي، 39 عاما، زوجة ابراهيم، 45 عاما، ان زوجها خرج قبل اكثر من خمسة اشهر الى شارع الرشيد، منطقة السنك، فهو يعمل في تجارة الادوات الاحتياطية للسيارات، لكنه لم يعد منذ ذلك اليوم، وعندما ذهب شقيقه للسؤال عنه اخبروه هناك بان ابراهيم تعرض للاختطاف من قبل سبعة مسلحين يقودون سيارتين اوبل. يقول شقيقه «اخبروني ان سيارتين اعترضت سيارة شقيقي وانزلوه ليجبروه على الصعود الى الصندوق الخلفي في احدى السيارات، وقام احد المسلحين باطلاق عدد من العيارات النارية لاشاعة الخوف في نفوس الاخرين الذين كانوا يراقبون ما يجري، لقد تم كل شيء بسرعة وخلال اقل من خمس دقائق، ثم اختفوا».
بعد يومين اتصل احد افراد المجموعة بزوجة ابراهيم، وكانت تستخدم موبايل زوجها الذي كان له خطين، طالبا منها 80 الف دولار «اذا كان زوجك عزيز على قلبك او ستجدين جثته في ثلاجات الطب الشرعي»، لقد عرف هذا المجهول كيف ينفذ الى عاطفة هيفاء، وهي ام لبنتين وولد.
رفضت هيفاء الاتصال بالشرطة خشية على حياة زوجها، لكنها لاحظت شيئا مهما هو ان الشخص الذي اتصل بها بواسطة هاتفه الموبايل ظهر اسمه (ابو عبد الله) على شاشة هاتف زوجها، وهذا يعني ان المتصل صديق زوجها او يعرفه جيدا بحيث احتفظ برقمه، لكن التحريات اثبتت فيما بعد بان لا احد من عائلة او اصدقاء زوجها يعرفون شخصا اسمه بالتحديد ابو عبد الله، بل هناك اكثر من 30 شخصا من المقربين يحمل تسمية ابو عبد الله وارقام هواتفهم لا تشبه الرقم الموجود في موبايل ابراهيم، تقول هيفاء «لم يعد ذات الشخص يتصل كما ان الهواتف التي كانوا يتصلون بواسطتها تحمل ارقام هواتف مختلفة».
تضيف هيفاء قائلة «بعد المساومة مع العصابة توصلنا الى منحهم 45 الف دولار ارسلناها لهم بعد 10 ايام من الاتصالات والمساومات، وكان موعد ومكان التسليم هو قبيل منع التجوال بنصف ساعة قرب جامع ام الطبول حيث تسلموا المبلغ وقالوا غدا يأتيكم ابراهيم سالما». جاء الغد ومر اسبوع، ثم شهر وشهرين وهذا هو الشهر السادس تقريبا ولم يعد ابراهيم الى عائلته، وبالرغم من ان زوجته تريد ان تطرد عن ذهنها أي تفكير يتعلق بالموت لكنها تعتقد ان زوجها قتل او تم بيعه لجماعة متطرفة اخرى لاسيما ان من بين مختطفيه شخص يعرفه (ابو عبد الله) الذي يخشى ان يتم التبليغ عنه في حالة اطلاق سراحه.
تقول زوجته هيفاء «لقد خطفوه واخذوا الفدية ثم قتلوه فلماذا لا يسلمونا جثته لندفنها ونتأكد من مصيره». اللواء نعمة اكد ان نسب عمليات الاختطاف في بغداد قد انخفضت بما معدله 84%، بينما تؤكد وجدان سالم وزيرة حقوق الانسان وحسب دراسات تقوم بها وزارتها فانه ليس هناك انخفاض بل ان هناك تزايدا في نسب هذه العمليات. وقالت سالم لـ«الشرق الاوسط» عبر الهاتف من مكتبها امس في بغداد «نحن نعمل حاليا على جمع احصائيات موثوق بها لحالات الاختطاف والمفقودين، واعني جميع المفقودين سواء كانوا في سجون سلطات الاحتلال او السجون العراقية او الذين لقوا حتفهم في حوادث التفجير اليومية. وتؤكد وزيرة حقوق الانسان قائلة «ان هناك نسبة لا بأس بها من حالات اختطاف النساء والفتيات لغرض اغتصابهن ومن ثم قتلهن».
وتكشف وزيرة حقوق الإنسان لـ«الشرق الأوسط» عن النساء اللواتي يقعن ضحايا الاختطاف، قائلة «اختطاف النساء يتم وحسب المعلومات المتوفرة لدينا، لأغراض اغتصابهن والاتجار بهن، وخاصة الفتيات ونحن ندرس حاليا هذا الملف الخطير».
وحسب ناشطة نسائية عراقية تعمل في حقل حقوق العراقيات المضطهدات، «فإن غالبية اللواتي يتعرضن للاختطاف، حتى من قبل ما يسمى الجماعات الاسلامية، فهن يتعرضن للاغتصاب بطرق همجية، بينما يتم بيع البنات الى دول مجاورة، وحسب عمر وجمال الفتاة، وفيما اذا كانت بكرا أم لا». وتابعت الناشطة التي فضلت عدم نشر اسمها «لقد تعرضت لحادث اختطاف، ولكن نجوت بفضل وجود قوات من الجيش العراقي على مقربة من نفق الشرطة، في جانب الكرخ بعدها غيرت عنواني وصرت أتحرك بسرية تامة».
تحكي هذه الناشطة عن معلمة شابة وجميلة ومتزوجة ولها طفلان، تعرضت للاختطاف في الطريق بين بيتها والمدرسة التي تعمل فيها في جانب الرصافة من بغداد، بعد اسبوع طالبت العصابة زوجها بفدية مقدارها 30 ألف دولار، وبعد المساومات تم دفع 25 الف دولار، واطلق سراحها بعد اسبوعين من اختطافها.
هذه المعلمة لم تستطع ان تتوازن مع ما مر بها، لقد اغتصبت بصورة وحشية، من قبل اكثر من خمسة رجال ولعدة مرات يوميا، وتنقل عنها الناشطة النسوية قائلة «كانت المجموعة التي اختطفتها تدعي انها اسلامية، وكان الرجال الذين يغتصبونها يذهبون الى الصلاة، ليكفروا عما اقترفوه، كانت هذه المعلمة الشابة تتوسل اليهم بأن يتركوها أو يقتلوها، لكنهم قبضوا الفدية وتركوها ممزقة الملابس في منطقة نائية قرب مقبرة محمد سكران في جانب الرصافة».
عندما عادت هذه الضحية الى بيتها، طلقها زوجها وعاشت حياة تعيسة لم تستطع ان تتحملها، فانتحرت بعد اقل من شهر بعد اطلاق سراحها، وهناك من يقول ان شقيقها قتلها غسلا للعار».
وفي حادثة أخرى، فإن عائلة متمكنة ماديا اختطفت ابنتها من امام الجامعة المستنصرية، ودفعت عائلتها 40 الف دولار وطلبوا من العصابة التي اختطفتها ان تسلمها لهم مقتولة، ان كانوا قد اغتصبوها، وكان للعائلة ما تريد فقد تسلموا جثتها التي ظهرت عليها الكدمات وآثار الضرب خلال عمليات الاغتصاب. وهناك أسر ترفض منح الفدية للعصابة متعمدة، حتى يتم قتل بناتها من قبل العصابة.
اما الفتيات اللواتي ما بين الثانية والخامسة عشرة واللواتي يتم اختطافهن، يتم بيعهن الى اغنياء في دول مجاورة أو ارغامهن على العمل في دور الدعارة سواء داخل العراق او خارجه. وتختلف قصة اختطاف ادموند،17 عاما، عن سواها من القصص، فهو ابن عائلة كانت غنية قبيل الثمانينات، وبقيت محافظة على شيء من الرفاهية، يقيم ادموند، وهو طالب ثانوية مع عائلته في حي الكرادة، منطقة المسبح الذي تسكنه غالبية من المسيحيين، بينما يقيم شقيقه وزوجته في ديتروويت في الولايات المتحدة منذ اواخر الثمانينات، وشقيقته تقيم مع زوجها في بلجيكا، لذا يعيش ادموند وحيدا مع والديه، وله صديق دراسة ينتمي الى عائلة متواضعة تقيم في حي الكرادة منطقة الزوية.
ادموند الذي التقيته في عمان وكانت ملامح وجهه قد تغيرت حسب احد اصدقاء دراسته، الذي كان متواجدا معه في العاصمة الأردنية، حيث كسرت ثلاث من اسنانه، كما كسر انفه وتعرض لرضوض كثيرة. قال «كان صديقي (ح.م) من اكثر المقربين لي على الرغم من الفوارق الاجتماعية والدينية، لكننا كعائلة لا نفكر بمثل هذه الأمور، فقد كان يدخل بيتنا وينام في غرفتي، ونخرج معا وأذهب انا بدوري الى بيتهم المتواضع حبا في حياتهم الاجتماعية».
مشكلة ادموند بدأت عندما اهدى له والده سيارة مستعملة، لكنها جميلة نوع (تويوتا سلكا)، وكان يمر على صديقه كل يوم تقريبا ليتجولوا بواسطة السيارة في انحاء بغداد. يقول ادموند «ذات يوم طلب مني ان نذهب الى بيت عمه في منطقة جميلة القريبة من مدينة الثورة، واعربت له عن مخاوفي للذهاب الى هناك، حيث تكثر المشاكل، لكنه تعهد لي بأن أبناء عمه هناك، ولن يسمحوا لأي شخص بالاقتراب منا».
القصة كانت مدبرة من قبل صديقه، فما أن وصلا الى حي جميلة، حتى طلب منه صديقه هذا ان يواصلا السير حتى مدينة الثورة «كانت هناك سيارتان في انتظارنا.. عندما توقفنا بالقرب من السيارتين ترجل منها ستة من الشباب الذين يتطاير الشر من عيونهم، بادرني احدهم بضربة قوية على انفي فقدت معها وعيي، عندما صحوت بعد اقل من ساعة، وجدت نفسي مغمورا بالدم ومربوطا الى كرسي في غرفة بدت وكأنها جزء من كراج لتصليح السيارات ويجلس احدهم حاملا مسدسه بالقرب مني، حيث اخبرني بأني مختطف وسيطلبون 100 الف دولار من عائلتي، اخبرتهم بأننا لا نملك هذا المبلغ، لكنهم بادروا قائلين ان صديقي الذي باعني اليهم بمبلغ 5 آلاف دولار أخبرهم بأننا اغنياء، وان شقيقي في اميركا مليونير. كانوا يضربوني بلا اية مناسبة، سوى اني من عائلة كانت غنية في يوم ما». ساوم والد ادموند العصابة حتى مبلغ 50 الف دولار، لكنهم طالبوا بـ55 الف دولار كون الخمسة آلاف تم منحها لصديقي الذي باعني اليهم، وهم يريدون 50 الف دولار كاملة وبلا نقص». وانتظر ادموند ثمانية ايام حتى تم جمع المبلغ، كان خلالها يتلقى الضرب والاهانة، ويقدم له طعام سيئ. بعد عشرة ايام اطلق سراح ادموند، وتم تهديده فيما اذا بلغ الشرطة واخبرهم ان صديقه هو الذي باعه للعصابة فسوف يقتلونه او يقتلون والده، كانت العصابة قد سرقت السيارة ايضا وساعة وخاتم ادموند، وتركوه عند منطقة صدر القناة ليتسلمه والده مثل جثة ميتة، وسرعان ما اصدر له جواز سفر ليقيموا جميعهم في عمان، في انتظار الهجرة الى أميركا.