هزيم الرعد
12-17-2006, 06:33 AM
الموضوع منقول
أثار القرار الذي اتخذه رئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني في 1/9 /2006 بإنزال العلم العراقي والمرفوع على البنايات الحكومية والمدارس, ورفع العلم الكردي الذي يتكون من اللون الأصفر وشعار الحزبين الكرديين الرئيسين [ الحزب الديمقراطي الكردستاني, الاتحاد الوطني الكردستاني] بدلا منه, واختيار نشيد وطني للأكراد غير النشيد الوطني العراقي الحديث، أثار مجددا المحاولات الكردية الحثيثة للانفصال بالإقليم عن الوطن العراقي, والدور'الإسرائيلي' المشبوه الذي يغذي تلك المحاولات, وما يكتنف عملية الانفصال من صعبات تحول دون تحقيق الحلم الكردي بكردستان الكبرى.
وإنزال العلم العراقي في حقيقته, مع ما صاحبه من زخم إعلامي, يأتي في إطار سلسلة من الإجراءات التي تهدف لسلخ الإقليم وتكوين دولة كردية مترامية الأطراف تكون نواتها كردستان العراق[ الجنوبية] وعاصمتها كركوك, على أن تضم لاحقا, حينما تستجد أوضاع مناسبة, وظروف مواتية كردستان تركيا [الشمالية] وكردستان سوريا [الغربية] وكردستان إيران [الشرقية].
فالمسالة تتعدى, في منظورنا التمرد على علم زعم البرزاني أنه علم البعث وحقبته الصدامية الغابرة, إلى محاولة حثيثة للتملص من كل قديم يذكر بالانتماء إلى الوطن العراقي, وإزالة الهوية العربية وإعلان الهوية الكردية, وقفزة في عالم الطموح الكردي الذي يستغل التغيرات الإقليمية لتحقيق ما كان يحلم به الأكراد منذ ما يزيد على نصف قرن من الزمان.
والحديث عن الطموح الكردي هذا يقودنا إلى سياق تاريخي ضروري يقدم للأطماع 'الإسرائيلية' التي تقود المحاولات الكردية وتبث فيها سموم الانفصال, على أن نختم ببعض الأسباب التي نرى أنها تحول دون تحقيق الآمال الكردية والأطماع 'الإسرائيلية'.
السياق التاريخي
* بعد صدامات دامية بين الأكراد والحكومة المركزية في بغداد صدر في 11 مارس 1970 قانون من الحكومة العراقية يعطى كردستان العراق ما يعرف بالحكم الذاتي, وكانت في حقيقة الأمر مجرد تهدئة للأوضاع, إذ بقيت كردستان تابعة وبقوة وتدور في فلك الدولة المركزية, حيث تغلغل حزب البعث الحاكم في مفاصل الإقليم ولم يدع أي فرصة لإعلاء الهوية الكردية, حيث سادت خلال تلك الفترة الهوية العربية, وبجانبها كانت على استحياء الهوية الكردية لا يسمح لها بتعدي الخطوط الحمراء, فاللغة الرسمية هي العربية, لا غيرها , والدراسة كذلك إلا النذر اليسير بالكردية.
* منذ العام 1991م وبعد حرب الخليج الثانية أو ما يسمى بحرب 'تحرير الكويت'، أُخضعت الولايات المتحدة شمال العراق وجنوبه إلى حظر شامل, ومع هذا الحظر انسحبت الإدارة المركزية من تصريف شئون الإقليم وتولى أمره الأكراد, وكانت الفرصة حينذاك مهيأة لتغيير الهوية ومسخ مظاهر الانتماء للوطن العراقي في ظل تكبيل بغداد وشل حركتها عن التحرك بهذا الحظر.
فقد سارع الأكراد في تغيير نمط الحياة من 'العربية' إلى 'الكردية' من خلال التوسع في بناء المدرس الكردية وتحجيم نظيرتها العربية من ناحية, إضافة إلى العبث بالمناهج, لاسيما التاريخ, لتحويل الأنظار إلى الهوية الكردية للإقليم.
وعلى سبيل المثال, فانه في كتاب التاريخ للصف السادس الابتدائي يتحدث في احد فصوله عن 'كردستان والعراق في العهد العثماني', وهو ما يعطى انطباعا ويرسخ في الأذهان الناشئة أن 'كردستان' كيان مميز ومنفصل عن 'العراق', ولكل منهما تاريخه مع الأطراف الخارجية.
أضف إلى ذلك التقليص المتعمد للغة العربية في المدارس, حيث قلصت في المرحلة المتوسطة والإعدادية من 39 حصة أسبوعيا إلى 14 فقط, وفي المقابل تم زيادة عدد حصص اللغة الكردية من 22 حصة إلى 44 حصة, وتم إلغاء اللغة العربية من الصفوف الأولى للمرحلة الابتدائية الكلية واقتصرت على الكردية.
* وفي العام 1992 وتحديدا في الرابع من شهر أكتوبر, جرى التأكيد على حق الإقليم في تقرير مصيره, حيث أقر البرلمان الكردي البيان المقدم من قبل رئاسة المجلس الوطني لكردستان العراق والذي صاغ العلاقة بين الإقليم وبين الإدارة المركزية في أطار ما وصفه بالفيدرالية.
وجاء في القرار ما نصه 'تحديد العلاقة مع السلطة المركزية واختيار المركز السياسي لإقليم كردستان العراق وشعبه انطلاقا من حقه المشروع في تقرير مصيره في هذه المرحلة التاريخية على أساس الاتحاد الفيدرالي ضمن عراق ديمقراطي برلماني...'.
* في 11 يونيو 2005 أصدر المجلس الوطني الكردستاني 'قانون رئاسة الإقليم' تدعيما وترسيخا للفيدرالية, اعتمادا على 'القانون المؤقت' الذي فرضه الحاكم الأمريكي على العراق آنذاك بول بريمر والذي نص على أن'نظام الحكم في العراق جمهوري اتحادي فيدرالي ديمقراطي تعددي, ويجرى التقاسم فيه بين الحكومة الاتحادية والحكومات الإقليمية'.
وجرى وفق قانون رئاسة الإقليم, الذي اشترط أن يكون الرئيس من مواطني كردستان العراق وساكنا فيه, اختيار مسعود البرزاني رئيسا ليكون ممثلا للأكراد على المستوين الداخلي والخارجي, مما رسخ من الطبيعة الانفصالية للإقليم عن العراق.
بالنظر إلى هذه الخطوات كلها, والتي جرت في ظل صمت مطبق من الاحتلال الجاثم على قلب العراق, يأتي إنزال العلم العراقي كعملية دعائية تغلف الخطوات السابقة التي نرى فيها سعيا حثيثا لسلخ الإقليم رسميا عن الوطن العراقي بعدما انفصل واقعيا بهويته وجغرافيته واقتصاده...
'إسرائيل'..أحلام النفط والمياه
لـ'إسرائيل' علاقات طويلة المدى مع الأكراد, أفصح عن جانب كبير منها الصحفي 'شلومو نكديمون' في كتابه 'الموساد في العراق ودول الجوار' , حيث تحدث بإسهاب عن وقائع وأحداث تؤكد ارتباط الحركة الكردية التي تزعمها مصطفى البرزاني تحديدا, وهو والد مسعود البرزاني الرئيس الحالي للإقليم, وتشعب علاقاتها بالموساد.
وأشار في كتابه انف الذكر إلى أن العلاقة ين الطرفين اتسمت بالتعاون المكثف، كان خلالها مصطفى البارزاني يقود التمرد ضد الحكومات العراقية مستعينا بالمستشارين من الموساد لم يفارقوه، أو يفارقوا معسكره، طيلة قيادته للحركة الكردية.
كما كشف 'اليعازر تسافرير' وهو ضابط سابق في 'الموساد' لصحيفة 'فريميه نوفوستيه' الروسية عن جانب كبير أيضا من التغلغل 'الإسرائيلي' في كردستان العراق.
وقال في حواره مع الصحيفة انه عمل في العراق لمدة عام خلال حكم الرئيس السابق احمد حسن البكر, بعدما انتدبه 'الموساد' للعمل مع الزعيم الكردي الملا مصطفى البارزاني عام 1974، وانه كان يتحرك بحرية في مناطق حاج عمران شمال العراق، واتخذ في بلدة ديانا الكردية مقرا دائما.
ويذكر تسافرير أن ضباطا في 'الموساد' ومن الجيش 'الإسرائيلي'، كانوا يتوافدون على كردستان بصورة منتظمة للتشاور مع القيادة الكردية ولفحص وصيانة الأسلحة ومحطة البث الإذاعي وفي الوقت نفسه مراقبة الأوضاع في المنطقة.
وعن فترة ما بعد العدوان الأمريكي على العراق كتب الصحفي سيمور هيرش مقالا لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية بتاريخ 21 يونيو 2004 أكد فيه أن عملاء الاستخبارات والجيش 'الإسرائيليين' ناشطون في المناطق الكردية في كل من إيران وتركيا والعراق ويقومون بتوفير التدريب لوحدات مسلحة كردية.
وقال هيرش إن 'إسرائيل' قررت تصعيد دورها في كردستان العراق بعد أن ظهر جليا أن تدخل الولايات المتحدة في العراق آخذ في الفشل، وبسبب أن الفوضى الناتجة ستؤدي إلى تقوية إيران و'الإسرائيليون' قلقون بشكل خاص من أن إيران بعدما طورت قدرتها النووية.
ونرى أن المطامع 'الإسرائيلية' التي حفزتها على التدخل للتخطيط ودعم انفصال الأكراد بكردستان العراق, على الأقل, تتركز في عدة نقاط منها الأتي:
1ـ إحياء مشروع أنبوب نقل النفط العراقي إلى ميناء حيفا, وهو ما يضمن إمدادات نفط رخيصة ومتدفقة في نفس الوقت.
2ـ ضمان إمدادات مائية بعدما فشلت محاولات الحصول على ماء النيل, حتى الآن, فمن المعروف أن نهر دجلة ينبع من ذوبان الثلوج في جبال كردستان, وهو ما يجعل للإقليم مزية نسبية ربما تسهل له أمداد 'إسرائيل' بمتطلباتها.
3ـ تعزيز القوة العسكرية الكردية لكي توازن قوة الشيعة والتي تصب في النهاية في مصلحة إيران التي تقاطعت مصالحها مع مصالح الولايات المتحدة و'إسرائيل', على الأقل في الوقت الراهن.
4ـ استحداث قاعدة قريبة من إيران يمكن من خلالها التجسس على منشآت التصنيع النووي المشتبه بها في إيران, لاسيما بعد إصرارها على تطوير التكنولوجيا النووية وتخصيب اليورانيوم وفشل كل المحاولات لإثنائها عن مشروعها.
5ـ لضمان عراق مفتت لا يشكل خطرا على أمن 'إسرائيل', إذ أن انفصال الأكراد, بالاعتبار 'الإسرائيلي, سيغذي النزعات الانفصالية لدي الكيانات والطوائف الأخرى, وهو ما قد يقود على اقل تقدير لتناحر تلك الطوائف ومن ثم اضاعفها كلها ليبقى العراق كيان هش مودعا عصر الدولة ومستقبلا لعهد الطوائف إلى أمد لا يعلمه أحد.
عوائق وعقبات أمام الدولة الكردية
حقيقة الأمر إن ولادة دولة كردية, حتى فقط في حدها الأدنى المتمثل في كردستان العراق, تظلا أملا ورغبة صعبة المنال, لكونها تصادف عقبات قد تجعلها تتحطم على صخور ومعطيات الواقع السياسي والإقليمي في تلك البقعة المتشابكة من المنطقة, والتي تتعدد فيها الأدوار وتتنوع بحيث يكون من العسير إحداث تغير جيوسياسي دراماتيكي يلقى بظلاله القاتمة الغائمة على المنطقة برمتها.
وتتمثل هذه العقبات, في نظرنا, في نقاط عدة منها:
1ـ حسم تبعية مدينة 'كركوك'
مدينة 'كركوك' الغنية بالنفط هي الأمل الكردي وهي في الوقت ذاته المدينة التي قد يتبدد عليها الحلم الكردي و'الإسرائيلي' معا في تأمين النفط لهما، بسبب الخلاف الشديد عليها بين العرب والتركمان والأكراد.
بل ونجد أيضا أن كركوك العائمة على بحيرة البترول مطمعا لدول إقليمية قوية, حيث تعتبرها تركيا وديعة لدى العراق هي والموصل يحق لها استردادهما متى شاءت, ومن ثم فهي خط أحمر الاقتراب منه ينذر بخطر يهدد الأمن القومي التركي في الصميم, ومن ثم فان تحرك تركي مناوئ قد يبدد الأحلام التي تداعب الأكراد والآمال التي تتشبث بها 'إسرائيل'.
2ـ الصراع الداخلي
ونعنى به التنافس بين البرزاني وطالباني, فالاقتتال الداخلي الذي أعقب تولى الأكراد شئون أنفسهم عام 1991 والذي أسفر عن انقسام المنطقة التي يتولون أمرها إلى قسمين الأولى في اربيل والثانية في السليمانية, والتي احتاجت إلى تدخل من قبل الولايات المتحدة لإعادة اندماجها, تلقى بظلالها على أي محاولة كردية للانفصال عن العراق, خاصة بعد انتهاء الأدوار المنوطة ببعض القيادات الكردية في ظل الإدارة التي شكلتها الولايات المتحدة لتصريف أمور الحكم في بغداد.
كما أن كردستان ذاتها ليس كردية خالصة, فهي تموج بعرقيات مختلفة قد تجد في التجربة الكردية أنموذجا يحتذى من حيث المطالبة بالحكم الذاتي, وما يستتبعه من طمع في 'حق تقرير المصير' والتمرد على 'علم الدولة', ورفع علم جديد ليعيد التاريخ دورته.
3ـ مشاكل إقليمية
انفصال كردستان العراق غير متصوره بدون ضم مدينة كركوك وجعلها عاصمة للدولة الوليدة, وهو كما ذكرنا شأن تضاء له الألوان الحمراء في غرف القيادة لعسكرية التركية, هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى فان التوجسات السورية والإيرانية من مطامع الأكراد في حلم الدولة الكردية الكبرى سيدفعهما حتما لتقويض الولادة في مراحلها الأولى, وربما ذبح الجنين قبل أن يرى النور.
هذا فضلا عن إمكانية, رغم كونها محدودة جدا بالنظر إلى الموقف الراهن, تدخل عربي للوقوف أمام تمزيق العراق, والذي قد يشكل طعنه غادره في خاصرة العالم العربي كله, ويزعزع الأمن القومي للعديد من الدول المحيطة.
4ـ الطبيعة الجغرافية
في حالة ما إذا قرر الأكراد الانفصال بدولة مستقلة, فان هذه الوليدة ستكون رهن الدول المحيطة بها لكونها لا تملك أية منافذ بحرية أو برية تسمح لها بالتواصل مع العالم الخارجي.
وقد صرح الزعيم الكردي جلال طالباني لهيئة الإذاعة البريطانية يوم 8 ابريل 2006 بأن فكرة انفصال أكراد العراق عن جمهورية العراق أمر غير عملي لكون أكراد العراق محاطين بدول ذات أقليات كردية لم تحسم فيها القضية الكردية بعد, وإذا ما قررت هذه الدول غلق حدودها فإن ذلك الإجراء سيكون كفيلا بإسقاط الكيان المنفصل من العراق.
______________________________________
المراجع:
1- كردستان العراق أكثر من فيدرالية واقل من استقلال/رجائي فايد
2- الموساد في العراق ودول الجوار/شلومو نكديمون ـ ترجمة : بدر عقيلي
أثار القرار الذي اتخذه رئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني في 1/9 /2006 بإنزال العلم العراقي والمرفوع على البنايات الحكومية والمدارس, ورفع العلم الكردي الذي يتكون من اللون الأصفر وشعار الحزبين الكرديين الرئيسين [ الحزب الديمقراطي الكردستاني, الاتحاد الوطني الكردستاني] بدلا منه, واختيار نشيد وطني للأكراد غير النشيد الوطني العراقي الحديث، أثار مجددا المحاولات الكردية الحثيثة للانفصال بالإقليم عن الوطن العراقي, والدور'الإسرائيلي' المشبوه الذي يغذي تلك المحاولات, وما يكتنف عملية الانفصال من صعبات تحول دون تحقيق الحلم الكردي بكردستان الكبرى.
وإنزال العلم العراقي في حقيقته, مع ما صاحبه من زخم إعلامي, يأتي في إطار سلسلة من الإجراءات التي تهدف لسلخ الإقليم وتكوين دولة كردية مترامية الأطراف تكون نواتها كردستان العراق[ الجنوبية] وعاصمتها كركوك, على أن تضم لاحقا, حينما تستجد أوضاع مناسبة, وظروف مواتية كردستان تركيا [الشمالية] وكردستان سوريا [الغربية] وكردستان إيران [الشرقية].
فالمسالة تتعدى, في منظورنا التمرد على علم زعم البرزاني أنه علم البعث وحقبته الصدامية الغابرة, إلى محاولة حثيثة للتملص من كل قديم يذكر بالانتماء إلى الوطن العراقي, وإزالة الهوية العربية وإعلان الهوية الكردية, وقفزة في عالم الطموح الكردي الذي يستغل التغيرات الإقليمية لتحقيق ما كان يحلم به الأكراد منذ ما يزيد على نصف قرن من الزمان.
والحديث عن الطموح الكردي هذا يقودنا إلى سياق تاريخي ضروري يقدم للأطماع 'الإسرائيلية' التي تقود المحاولات الكردية وتبث فيها سموم الانفصال, على أن نختم ببعض الأسباب التي نرى أنها تحول دون تحقيق الآمال الكردية والأطماع 'الإسرائيلية'.
السياق التاريخي
* بعد صدامات دامية بين الأكراد والحكومة المركزية في بغداد صدر في 11 مارس 1970 قانون من الحكومة العراقية يعطى كردستان العراق ما يعرف بالحكم الذاتي, وكانت في حقيقة الأمر مجرد تهدئة للأوضاع, إذ بقيت كردستان تابعة وبقوة وتدور في فلك الدولة المركزية, حيث تغلغل حزب البعث الحاكم في مفاصل الإقليم ولم يدع أي فرصة لإعلاء الهوية الكردية, حيث سادت خلال تلك الفترة الهوية العربية, وبجانبها كانت على استحياء الهوية الكردية لا يسمح لها بتعدي الخطوط الحمراء, فاللغة الرسمية هي العربية, لا غيرها , والدراسة كذلك إلا النذر اليسير بالكردية.
* منذ العام 1991م وبعد حرب الخليج الثانية أو ما يسمى بحرب 'تحرير الكويت'، أُخضعت الولايات المتحدة شمال العراق وجنوبه إلى حظر شامل, ومع هذا الحظر انسحبت الإدارة المركزية من تصريف شئون الإقليم وتولى أمره الأكراد, وكانت الفرصة حينذاك مهيأة لتغيير الهوية ومسخ مظاهر الانتماء للوطن العراقي في ظل تكبيل بغداد وشل حركتها عن التحرك بهذا الحظر.
فقد سارع الأكراد في تغيير نمط الحياة من 'العربية' إلى 'الكردية' من خلال التوسع في بناء المدرس الكردية وتحجيم نظيرتها العربية من ناحية, إضافة إلى العبث بالمناهج, لاسيما التاريخ, لتحويل الأنظار إلى الهوية الكردية للإقليم.
وعلى سبيل المثال, فانه في كتاب التاريخ للصف السادس الابتدائي يتحدث في احد فصوله عن 'كردستان والعراق في العهد العثماني', وهو ما يعطى انطباعا ويرسخ في الأذهان الناشئة أن 'كردستان' كيان مميز ومنفصل عن 'العراق', ولكل منهما تاريخه مع الأطراف الخارجية.
أضف إلى ذلك التقليص المتعمد للغة العربية في المدارس, حيث قلصت في المرحلة المتوسطة والإعدادية من 39 حصة أسبوعيا إلى 14 فقط, وفي المقابل تم زيادة عدد حصص اللغة الكردية من 22 حصة إلى 44 حصة, وتم إلغاء اللغة العربية من الصفوف الأولى للمرحلة الابتدائية الكلية واقتصرت على الكردية.
* وفي العام 1992 وتحديدا في الرابع من شهر أكتوبر, جرى التأكيد على حق الإقليم في تقرير مصيره, حيث أقر البرلمان الكردي البيان المقدم من قبل رئاسة المجلس الوطني لكردستان العراق والذي صاغ العلاقة بين الإقليم وبين الإدارة المركزية في أطار ما وصفه بالفيدرالية.
وجاء في القرار ما نصه 'تحديد العلاقة مع السلطة المركزية واختيار المركز السياسي لإقليم كردستان العراق وشعبه انطلاقا من حقه المشروع في تقرير مصيره في هذه المرحلة التاريخية على أساس الاتحاد الفيدرالي ضمن عراق ديمقراطي برلماني...'.
* في 11 يونيو 2005 أصدر المجلس الوطني الكردستاني 'قانون رئاسة الإقليم' تدعيما وترسيخا للفيدرالية, اعتمادا على 'القانون المؤقت' الذي فرضه الحاكم الأمريكي على العراق آنذاك بول بريمر والذي نص على أن'نظام الحكم في العراق جمهوري اتحادي فيدرالي ديمقراطي تعددي, ويجرى التقاسم فيه بين الحكومة الاتحادية والحكومات الإقليمية'.
وجرى وفق قانون رئاسة الإقليم, الذي اشترط أن يكون الرئيس من مواطني كردستان العراق وساكنا فيه, اختيار مسعود البرزاني رئيسا ليكون ممثلا للأكراد على المستوين الداخلي والخارجي, مما رسخ من الطبيعة الانفصالية للإقليم عن العراق.
بالنظر إلى هذه الخطوات كلها, والتي جرت في ظل صمت مطبق من الاحتلال الجاثم على قلب العراق, يأتي إنزال العلم العراقي كعملية دعائية تغلف الخطوات السابقة التي نرى فيها سعيا حثيثا لسلخ الإقليم رسميا عن الوطن العراقي بعدما انفصل واقعيا بهويته وجغرافيته واقتصاده...
'إسرائيل'..أحلام النفط والمياه
لـ'إسرائيل' علاقات طويلة المدى مع الأكراد, أفصح عن جانب كبير منها الصحفي 'شلومو نكديمون' في كتابه 'الموساد في العراق ودول الجوار' , حيث تحدث بإسهاب عن وقائع وأحداث تؤكد ارتباط الحركة الكردية التي تزعمها مصطفى البرزاني تحديدا, وهو والد مسعود البرزاني الرئيس الحالي للإقليم, وتشعب علاقاتها بالموساد.
وأشار في كتابه انف الذكر إلى أن العلاقة ين الطرفين اتسمت بالتعاون المكثف، كان خلالها مصطفى البارزاني يقود التمرد ضد الحكومات العراقية مستعينا بالمستشارين من الموساد لم يفارقوه، أو يفارقوا معسكره، طيلة قيادته للحركة الكردية.
كما كشف 'اليعازر تسافرير' وهو ضابط سابق في 'الموساد' لصحيفة 'فريميه نوفوستيه' الروسية عن جانب كبير أيضا من التغلغل 'الإسرائيلي' في كردستان العراق.
وقال في حواره مع الصحيفة انه عمل في العراق لمدة عام خلال حكم الرئيس السابق احمد حسن البكر, بعدما انتدبه 'الموساد' للعمل مع الزعيم الكردي الملا مصطفى البارزاني عام 1974، وانه كان يتحرك بحرية في مناطق حاج عمران شمال العراق، واتخذ في بلدة ديانا الكردية مقرا دائما.
ويذكر تسافرير أن ضباطا في 'الموساد' ومن الجيش 'الإسرائيلي'، كانوا يتوافدون على كردستان بصورة منتظمة للتشاور مع القيادة الكردية ولفحص وصيانة الأسلحة ومحطة البث الإذاعي وفي الوقت نفسه مراقبة الأوضاع في المنطقة.
وعن فترة ما بعد العدوان الأمريكي على العراق كتب الصحفي سيمور هيرش مقالا لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية بتاريخ 21 يونيو 2004 أكد فيه أن عملاء الاستخبارات والجيش 'الإسرائيليين' ناشطون في المناطق الكردية في كل من إيران وتركيا والعراق ويقومون بتوفير التدريب لوحدات مسلحة كردية.
وقال هيرش إن 'إسرائيل' قررت تصعيد دورها في كردستان العراق بعد أن ظهر جليا أن تدخل الولايات المتحدة في العراق آخذ في الفشل، وبسبب أن الفوضى الناتجة ستؤدي إلى تقوية إيران و'الإسرائيليون' قلقون بشكل خاص من أن إيران بعدما طورت قدرتها النووية.
ونرى أن المطامع 'الإسرائيلية' التي حفزتها على التدخل للتخطيط ودعم انفصال الأكراد بكردستان العراق, على الأقل, تتركز في عدة نقاط منها الأتي:
1ـ إحياء مشروع أنبوب نقل النفط العراقي إلى ميناء حيفا, وهو ما يضمن إمدادات نفط رخيصة ومتدفقة في نفس الوقت.
2ـ ضمان إمدادات مائية بعدما فشلت محاولات الحصول على ماء النيل, حتى الآن, فمن المعروف أن نهر دجلة ينبع من ذوبان الثلوج في جبال كردستان, وهو ما يجعل للإقليم مزية نسبية ربما تسهل له أمداد 'إسرائيل' بمتطلباتها.
3ـ تعزيز القوة العسكرية الكردية لكي توازن قوة الشيعة والتي تصب في النهاية في مصلحة إيران التي تقاطعت مصالحها مع مصالح الولايات المتحدة و'إسرائيل', على الأقل في الوقت الراهن.
4ـ استحداث قاعدة قريبة من إيران يمكن من خلالها التجسس على منشآت التصنيع النووي المشتبه بها في إيران, لاسيما بعد إصرارها على تطوير التكنولوجيا النووية وتخصيب اليورانيوم وفشل كل المحاولات لإثنائها عن مشروعها.
5ـ لضمان عراق مفتت لا يشكل خطرا على أمن 'إسرائيل', إذ أن انفصال الأكراد, بالاعتبار 'الإسرائيلي, سيغذي النزعات الانفصالية لدي الكيانات والطوائف الأخرى, وهو ما قد يقود على اقل تقدير لتناحر تلك الطوائف ومن ثم اضاعفها كلها ليبقى العراق كيان هش مودعا عصر الدولة ومستقبلا لعهد الطوائف إلى أمد لا يعلمه أحد.
عوائق وعقبات أمام الدولة الكردية
حقيقة الأمر إن ولادة دولة كردية, حتى فقط في حدها الأدنى المتمثل في كردستان العراق, تظلا أملا ورغبة صعبة المنال, لكونها تصادف عقبات قد تجعلها تتحطم على صخور ومعطيات الواقع السياسي والإقليمي في تلك البقعة المتشابكة من المنطقة, والتي تتعدد فيها الأدوار وتتنوع بحيث يكون من العسير إحداث تغير جيوسياسي دراماتيكي يلقى بظلاله القاتمة الغائمة على المنطقة برمتها.
وتتمثل هذه العقبات, في نظرنا, في نقاط عدة منها:
1ـ حسم تبعية مدينة 'كركوك'
مدينة 'كركوك' الغنية بالنفط هي الأمل الكردي وهي في الوقت ذاته المدينة التي قد يتبدد عليها الحلم الكردي و'الإسرائيلي' معا في تأمين النفط لهما، بسبب الخلاف الشديد عليها بين العرب والتركمان والأكراد.
بل ونجد أيضا أن كركوك العائمة على بحيرة البترول مطمعا لدول إقليمية قوية, حيث تعتبرها تركيا وديعة لدى العراق هي والموصل يحق لها استردادهما متى شاءت, ومن ثم فهي خط أحمر الاقتراب منه ينذر بخطر يهدد الأمن القومي التركي في الصميم, ومن ثم فان تحرك تركي مناوئ قد يبدد الأحلام التي تداعب الأكراد والآمال التي تتشبث بها 'إسرائيل'.
2ـ الصراع الداخلي
ونعنى به التنافس بين البرزاني وطالباني, فالاقتتال الداخلي الذي أعقب تولى الأكراد شئون أنفسهم عام 1991 والذي أسفر عن انقسام المنطقة التي يتولون أمرها إلى قسمين الأولى في اربيل والثانية في السليمانية, والتي احتاجت إلى تدخل من قبل الولايات المتحدة لإعادة اندماجها, تلقى بظلالها على أي محاولة كردية للانفصال عن العراق, خاصة بعد انتهاء الأدوار المنوطة ببعض القيادات الكردية في ظل الإدارة التي شكلتها الولايات المتحدة لتصريف أمور الحكم في بغداد.
كما أن كردستان ذاتها ليس كردية خالصة, فهي تموج بعرقيات مختلفة قد تجد في التجربة الكردية أنموذجا يحتذى من حيث المطالبة بالحكم الذاتي, وما يستتبعه من طمع في 'حق تقرير المصير' والتمرد على 'علم الدولة', ورفع علم جديد ليعيد التاريخ دورته.
3ـ مشاكل إقليمية
انفصال كردستان العراق غير متصوره بدون ضم مدينة كركوك وجعلها عاصمة للدولة الوليدة, وهو كما ذكرنا شأن تضاء له الألوان الحمراء في غرف القيادة لعسكرية التركية, هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى فان التوجسات السورية والإيرانية من مطامع الأكراد في حلم الدولة الكردية الكبرى سيدفعهما حتما لتقويض الولادة في مراحلها الأولى, وربما ذبح الجنين قبل أن يرى النور.
هذا فضلا عن إمكانية, رغم كونها محدودة جدا بالنظر إلى الموقف الراهن, تدخل عربي للوقوف أمام تمزيق العراق, والذي قد يشكل طعنه غادره في خاصرة العالم العربي كله, ويزعزع الأمن القومي للعديد من الدول المحيطة.
4ـ الطبيعة الجغرافية
في حالة ما إذا قرر الأكراد الانفصال بدولة مستقلة, فان هذه الوليدة ستكون رهن الدول المحيطة بها لكونها لا تملك أية منافذ بحرية أو برية تسمح لها بالتواصل مع العالم الخارجي.
وقد صرح الزعيم الكردي جلال طالباني لهيئة الإذاعة البريطانية يوم 8 ابريل 2006 بأن فكرة انفصال أكراد العراق عن جمهورية العراق أمر غير عملي لكون أكراد العراق محاطين بدول ذات أقليات كردية لم تحسم فيها القضية الكردية بعد, وإذا ما قررت هذه الدول غلق حدودها فإن ذلك الإجراء سيكون كفيلا بإسقاط الكيان المنفصل من العراق.
______________________________________
المراجع:
1- كردستان العراق أكثر من فيدرالية واقل من استقلال/رجائي فايد
2- الموساد في العراق ودول الجوار/شلومو نكديمون ـ ترجمة : بدر عقيلي