سجّاد البصراوي
12-05-2006, 10:26 AM
أسواق البصرة في القرن الثالث والرابع للهجرة
الاستاذ يوسف ناصر العلي
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
لم يخطر ببال احد من مؤسسي البصرة عندما خططوها إن المدينة التي يرسون قواعدها ستصبح مشعلاُ وهاجا ً ينير دروب الفكر العربي الإسلامي ، ولم تكن تلك الجماعات إلا مجرد جيش قدم لفتح جبهة جديدة ، فأقاموا معسكرا مؤقتا أو دائما دون أن يعملوا حساباً للأسواق في تخطيطهم (1) وقد فرض المربد وجوده رغما عليهم فكانت سوق الإبل نواة أسواقه ، وحينما أعيد تخطيطها في ولاية أبى موسى الاشعرى (17 ـ 29) تناسوا تخصيص مكان للأسواق، ولعلهم اكتفوا بالمربد والكلاء .
إن تحول البصرة من البداوة إلى التحضر لم يبدأ بصورة فعلـية إلا في ولاية عبد الله بن عـامر الأولى (29 ـ 36) حينما ابتعدت ساحة الفتوحات نحو الشرق، فكان حافزا لنشاط تجارى صناعي ترك أعمق الأثر على نمو المدينة وازدهار أسواقها (2) وبخاصة إذا علمنا أن الأعاجم من الاساورة والاندغان والزط والسبابجة وبنى العم والاصفهانيين قد استوطنوها قبل هذه الفترة مما زاد في عدد الأيدي العاملة وأدى إلى تمازج حضاري وإغراق الأسواق واكتظاظها بالبضائع ونوادر السلع المجلوبة من الأقاليم المفتوحة فمهد السبيل إلى نشوء صناعة محلية، ساعدها على النمو موقع البصرة الجغرافي على راس الخليج العربي وعلى حافة جزيرة العرب وهيمنتها على مداخل العراق وبلاد الاحواز .
فتحولت المدينة بسرعة مذهلة من منطقة طفيلية إلى منطقة منتجة ، فتوسعت تجارتها وزراعتها فعم الرخاء في البلاد وأصبح لها شان كبير في النواحي السياسية والاقتصادية والدينية ، فصارت تجذب مستوطنين جددا مما جعل تنظيم الأسواق وتوسيعها أمرا حتميا تفرضه الظروف الجديدة، لاسيما إن المربد بعيد عن الأنهار التي تم حفرها في تلك الفترة كنهر الابلة ومعقل والفيض التي تصل البصرة بدجلة ـ شط العرب ـ الشريان الذي يربطها بعالم الشرق فحفر عبد الله بن عامر القناة التي تنسب لامه، واشترى دورا فهدمها وبنى مكانها سوقا تمتد على جانبيها ، ونهر أم عبد الله ينزع من الفيض ويشق المدينة من جانبها الشرقي (3) .
إن اتساع رقعة الدولة، وركود حركة الفتوحات، وازدياد عدد السكان خلال ولاية زياد بن أبيه (45 ـ 53 هـ) وما أعقبها من اضطرا بات أدت إلى نقص الخراج وهجرة عدد كبير من الفلاحين إلى البصرة للعمل في أسواقها (4) ونمو طبقة أرستقراطية اتجهت إلى توظيف أموالها في التجارة والصناعة، كل هذه العوامل وسعت حركة السوق ، وأصبح من الضروري توسيع الأسواق لتخفيف ازدحامها لتفي بمتطلبات الحياة التي كثرت ضرورياتها ولتوازى روح العصر التي تميل إلى البذخ وسعة العيش ، ولما كانت السوق التي بناها ابن عامر لا تعطى مجالا للتوسع لوقوعها في منطقة تزدحم بالدور ، إن الحل الوحيد لهذه المشكلة نقل السوق إلى الجهة الشرقية قرب الانهار والبساتين ، لذلك قام والى البصرة بلال بن أبى بردة الاشعرى (110هـ) بحفر النهر المسمى باسمه ونقل السوق القديمة على جانبيه ، كما نقل بعض الأسواق إلى أماكن أخرى . أن نهر بلال كان يوصل نهر معقل بنهر الفيض المتصل بنهر الابلة (5) فكان هذا النهر من انفع المشاريع التي تمت في تلك الفترة لأنه سهل حركة النقل التجارية بين البصرة والابلة من جهة وبقية مدن العراق من جهة أخرى.
تنظيمات السوق :
في أوائل القرن الأول الهجري وفي بداية التجمع السكاني كان الباعة يجلسون على الأرض ولم تكن الحوانيت معروفة، فكانت سوق البصرة كالجامع، السابق له الحق بالبقاء في مكانه إلى أخر النهار (6) ولكن هذه الحالة لم تدم طويلا، فقد اتخذ أهل السوق حوانيت دائمية لحفظ بضاعتهم، في حين بقيت ظاهرة البيع على الأرض وبخاصة بالنسبة لصغار الباعة معروفة طيلة القرون التالية فكان لزاما على المحتسب أن ينظر في مقاعد الأسواق فيقر منها ما لا ضرر فيه على المارة (7) وكان بعضهم يؤجر من صاحب حانوت قطعة أمام حانوته (8).
وتشير المصادر القديمة إلى أن حوانيت البصرة ظلت بدون أبواب فكانوا يكتفون بتغطية أمتعتهم فقط فنشطت الحركة اللصوصية وبخاصة خلال ولاية عبدالله بن عامر الثانية (41ـ45 هـ) (9).
ولما قدم زياد بن أبيه عام 45هـ واليا على البصرة أمر باستعمال شرائج القصب أو الخشب على أبواب الحوانيت (10) واستعملت الأقفال فيما بعد وعرفت سوق خاصة لبيعها أو صنعها، وتستعمل هذه الأقفال لربط الدرابات بجانبي الحانوت، والدرابات أبواب متنقلة قد يودعها البعض في المسجد الجامع (11). وكان كل حانوت يظلل بالقصب أو القماش (12).
وتطلق كلمة حانوت على محل بيع الخمور، إلا إن ذلك أصبح عاما فيما بعد (13).
وفي داخل الحانوت بناء كالمنبر من طين أو خشب يوضع عليه المتاع يسمى ( الصيهور ) (14) كما أن بعض الحوانيت تسطح بالرخام الملون (15).
ويبني التجار خانات كبيرة تستعمل مخزنا وفندقا لإيواء الغرباء في نفس الوقت ويستوفى الإيجار منهم على عدد الأيام التي يمكثون فيها (16).
كما اتخذت بعض الدور الواسعة مكانا للبيع، ومثل هذه الدور تدر على أربابها أرباحا وفيرة كداري الزبير في الكلاء والسوق (17).
وفي كل حانوت سجل خاص تسجل فيه المبيعات والمشتريات والأرباح، ربما يؤجر شخص خاص للقيام بتنظيم هذه الحسابات، كما أن بعض الحوانيت الواسعة والمصانع تستلزم استخدام عدة أشخاص كحوانيت الطباخين والبلوريين (18).
والنمط الثالث يمثله الباعة المتجولون الذين كانت أسواق البصرة تزدحم بهم ويضايقون المارة (19).
وباعة الحوانيت على طبقتين أحداهما: تجار كبار يملكون رؤوس أموال كبيرة ولهم وكلاء أو شركاء في أقطار أخرى يتبادلون السلع معهم ويعرفونهم بحالة السوق وتقلب الأسعار وينظمون حركة الاستيراد والتصدير (20).
والأخرى: أصحاب الحوانيت البسيطة.ويمكننا أن نصنف باعة الحوانيت صنفين آخرين، بين باعة منتجين يتخذون حوانيتهم مصنعا ومتجرا، وباعة السلع الجاهزة.
والصناع على نوعين أحداهما مأجورين يعملون بأجور يومية أو على حساب القطعة في محلات خاصة أو في بيوت مستخدميهم، ومنهم العبيد الذين يدفعون أجرتهم إلى مالكيهم أو قسما منها كضريبة، أو العبيد المكاتبون الذين يدفعهم للعمل طلب المال المتفق عليه مقابل استرداد حريتهم (21).
والأخر: الصناع المستقلون وهؤلاء يملكون وسائل الإنتاج وراس المال ولهم الحرية الكافية لبيع ما يصنعونه. ويساعدهم في العمل عدد من أفراد أسرهم أو تلاميذهم وفي سوق البصرة تجد طوائف عديدة متنوعة جدا، دينية وقومية، عربا وموالى، مسلمين وذميين، يشاركون في إدارة دفة تجارة المدينة، وقد تحتكر بعض الطوائف صناعات معنية، فقد ذكر الجاحظ إن النصارى يشتغلون أطباء وعطارين وصيارفة بينما يمتهن اليهود مهنا محتقرة في ذلك الوقت فيقول ( ولا تجد اليهود إلا صباغاً أو دباغاً أو حجاماً أو قصاباً أو شعاباً ) (22).
ولم تكن ارض السوق نظيفة فغالبا ما تتحول إلى مزابل لكثرة ما يتساقط عليها من فضلات وبخاصة في فصلى الربيع والصيف (23).
ويجب أن لا يغرب عن بالنا إن هذه الحالة تخص باعة المحاصيل الزراعية أكثر مما تخص غيرهم كما أنها وقتية تظهر في بعض السنين التي ينقصها الاستقرار السياسي.
ضرائب الأسواق :
تختلف ضرائب السوق من حيث تنوعها ومقدارها تبعا للحالة السياسية في المدينة فتزداد الضرائب ثقلا كلما تعرضت المدينة للعواصف السياسية أو إذا قدم عليها وال جشع ، فقد فرضت ضرائب على الأسواق خلال ولاية الحسن بن خليل الفرغاني عام (305 هـ) (24) كما قام لشكرستان عام 386 هـ بعد استيلائه على البصرة برفع الضرائب الثقيلة (25).
وفرض واليها أبو منصور بختيار (420هـ) .
ضرائب على أسواق الدقيق ومقالي الباذنجان وسميريات المشارع ودلالة ما يباع من الأمتعة واجر الحمالين الذين يرفعون التمور إلى السفن وما يعطيه الذباحون لليهود (26).
ويذكر المقدسى إن للديلم والقرامطة ديوانين على باب البصرة، كلا منهما يجبى لنفسه (27).
ولعل هذا اقصر ما وصلت إليه حالة البصرة من التدهور السياسي خلال القرن الرابع الهجري، وكانت للديلم ضريبة أخرى تسمى رسم البيعة (28) .
وفي الأحوال الاعتيادية تفرض ضرائب غير ثقيلة منها ضريبة العشر التي تؤخذ على المحاصيل الزراعية والدواجن وعلى بعض ما يرد للبصرة من خارجها كالعنبر والمسك (29) .
وضريبة سوق الغنم وهي تشبه ضريبة العشر ، وكانت تشكل جزءا من واردات الدولة المهمة (30).
كذلك كانت تفرض ضريبة تدعى ضريبة السوق وعرفت هذه الضريبة منذ القرن الأول الهجري ولعلها نوع من الإيجار المفروض على الحوانيت ، وفي مدينة واسط خلال القرن الأول كانت تسمى غلة يختلف مقدارها تبعا لموقع الحانوت من الأسواق (31) .
وفي القرن الثالث كانت تدفع لحراس الأسواق رواتب لهم (32) .
ومن المحتمل أنها تختلف عن ضريبة البياعات التي يجمعها الشرطي (33).
ولعل ضريبة الخراج التي أعفاهم منها عبد الله بن عامر هي نفس ضريبة السوق وأعيدت بعد إنشاء سوق نهر بلال على شكل ضريبة كانت تدفع ليزيد بن خالد القسرى لفترة قصيرة ثم آلت إلى الدولة بعد ذلك (34).
وأما المكس الذي أبطله عمر بن عبد العزيز أثناء خلافته فالظاهر أنها ضريبة كانت تؤخذ على المبيعات داخل المدينة (35).
ويشرف على البيع والمبيعات موظف يدعى المحتسب وهو من له معرفة بأسرار الصناعات وحيل الباعة في غشها، ومن المرجح إن وظيفة عامل السوق التي عرفت منذ خلافة عمر بن الخطاب (13ــ23هـ). هي أساس وظيفة المحتسب ولو أن ولاية السوق كانت معروفة خلال القرن الثاني (36).
وكانت مهمة عامل السوق مراقبة المكاييل والموازيين ثم شملت صلاحياته معاملات الناس وحرفهم كافة. فعرف باسم المحتسب (37). وللمحتسب عرفاء يساعدونه في الأشراف على أسواقهم (38).
ومن موظفي الأسواق : جباة الضرائب، والحراس الذين يعنيهم الحماة وأصحاب المعاون (39) .
تجمعات الأسواق :
للبصرة شهرة كبيرة بالتجارة والصناعة (40).
والصناعة بلا شك متقدمة ومتنوعة، والمصنوعات متوفرة ، وذلك لان أجور العمال كانت رخيصة ، ورؤوس الأموال وفيرة، يضاف إلى ما تقدم أن البصريين حذقوا الصناعات، مما سهل عملية الإنتاج (41) .
كما أن سهولة المواصلات يسرت عميلة التوزيع، فكانت مركزاً لنشاط كبير غير عادي، جذب من يرغب بالثروة من خارجها (42).
لقدر قدر للأسواق أن تنتظم في مجموعات تضم كل مجموعة الصناعات ذات المصالح المشتركة .
وتشكل كل مهنة سوقا فرعية داخل السوق الكبيرة (43) .
ففي المربد مثلا نجد التبانين وسوق الإبل والدباغين في منطقة واحدة وكذلك القفالين على باب الصفارين ، ويشير اسلم الواسطى إلى أن أسواق واسط قد بنيت على هذا الأساس (44) .
وقام يزيد بن حاتم ألمهلبي البصري بتنظيم سوق القيروان متبعا نفس الأسلوب (45) .
ولعله تأثر بأسواق مدينة ـ البصرة ـ غير إن الذي تجدر الإشارة إليه أن تلك الأسواق أخذت في التدهور منذ إن تعرضت البصرة لثورة الزنج (255هـ) (46) .
وهجمات القرامطة (47) .
والفتن المذهبية والقبلية، ونزاع الأمراء والسلاطين .
ولم يحل القرن الرابع الهجري حتى أخذت في الانهيار ودب الخراب في أرجائها .
أن مسالة حصر جميع الصناعات وعد كل أسواق البضائع المعروفة والجزم بوجود أسواق لها بالبصرة ، لأمر في غاية الصعوبة .
إلا أننا إذا أخذنا بمبدأ تكتل الصناعات أمكننا تعيين أماكن بعض الأسواق التي نجهل موقعها. يذكر المقدسى ثلاث تجمعات لأسواق البصرة في القرن الرابع الهجري وهي الكلاء على النهر والسوق الكبير وسوق باب الجامع وذكر ناصر خسرو الذي زار البصرة في عام 443هـ ثلاثة أسواق أيضا وبأسماء تختلف قليلا عما ذكره المقدسى ، وهي خزاعه وباب عثمان والقدامين (48).
وهذا لا يعني أنهما ذكرا كل تجمعات أسواق البصرة ومتفرقاتها . ومن دراستنا وتتبعنا المصادر القديمة يمكننا أن نقسم أسواق البصرة إلى خمس مجموعات، ونرجح وجودها خلال القرن الثالث الهجري .
1ـ أسواق المربد
2 ـ أسواق الكلاء
3 ـ سوق باب عثمان
4 ـ السوق الكبيرة
5 ـ أسواق متفرقة
تحياتي
الموضوع مقتبس من
هذا الموقـــع
سجّاد
الاستاذ يوسف ناصر العلي
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
لم يخطر ببال احد من مؤسسي البصرة عندما خططوها إن المدينة التي يرسون قواعدها ستصبح مشعلاُ وهاجا ً ينير دروب الفكر العربي الإسلامي ، ولم تكن تلك الجماعات إلا مجرد جيش قدم لفتح جبهة جديدة ، فأقاموا معسكرا مؤقتا أو دائما دون أن يعملوا حساباً للأسواق في تخطيطهم (1) وقد فرض المربد وجوده رغما عليهم فكانت سوق الإبل نواة أسواقه ، وحينما أعيد تخطيطها في ولاية أبى موسى الاشعرى (17 ـ 29) تناسوا تخصيص مكان للأسواق، ولعلهم اكتفوا بالمربد والكلاء .
إن تحول البصرة من البداوة إلى التحضر لم يبدأ بصورة فعلـية إلا في ولاية عبد الله بن عـامر الأولى (29 ـ 36) حينما ابتعدت ساحة الفتوحات نحو الشرق، فكان حافزا لنشاط تجارى صناعي ترك أعمق الأثر على نمو المدينة وازدهار أسواقها (2) وبخاصة إذا علمنا أن الأعاجم من الاساورة والاندغان والزط والسبابجة وبنى العم والاصفهانيين قد استوطنوها قبل هذه الفترة مما زاد في عدد الأيدي العاملة وأدى إلى تمازج حضاري وإغراق الأسواق واكتظاظها بالبضائع ونوادر السلع المجلوبة من الأقاليم المفتوحة فمهد السبيل إلى نشوء صناعة محلية، ساعدها على النمو موقع البصرة الجغرافي على راس الخليج العربي وعلى حافة جزيرة العرب وهيمنتها على مداخل العراق وبلاد الاحواز .
فتحولت المدينة بسرعة مذهلة من منطقة طفيلية إلى منطقة منتجة ، فتوسعت تجارتها وزراعتها فعم الرخاء في البلاد وأصبح لها شان كبير في النواحي السياسية والاقتصادية والدينية ، فصارت تجذب مستوطنين جددا مما جعل تنظيم الأسواق وتوسيعها أمرا حتميا تفرضه الظروف الجديدة، لاسيما إن المربد بعيد عن الأنهار التي تم حفرها في تلك الفترة كنهر الابلة ومعقل والفيض التي تصل البصرة بدجلة ـ شط العرب ـ الشريان الذي يربطها بعالم الشرق فحفر عبد الله بن عامر القناة التي تنسب لامه، واشترى دورا فهدمها وبنى مكانها سوقا تمتد على جانبيها ، ونهر أم عبد الله ينزع من الفيض ويشق المدينة من جانبها الشرقي (3) .
إن اتساع رقعة الدولة، وركود حركة الفتوحات، وازدياد عدد السكان خلال ولاية زياد بن أبيه (45 ـ 53 هـ) وما أعقبها من اضطرا بات أدت إلى نقص الخراج وهجرة عدد كبير من الفلاحين إلى البصرة للعمل في أسواقها (4) ونمو طبقة أرستقراطية اتجهت إلى توظيف أموالها في التجارة والصناعة، كل هذه العوامل وسعت حركة السوق ، وأصبح من الضروري توسيع الأسواق لتخفيف ازدحامها لتفي بمتطلبات الحياة التي كثرت ضرورياتها ولتوازى روح العصر التي تميل إلى البذخ وسعة العيش ، ولما كانت السوق التي بناها ابن عامر لا تعطى مجالا للتوسع لوقوعها في منطقة تزدحم بالدور ، إن الحل الوحيد لهذه المشكلة نقل السوق إلى الجهة الشرقية قرب الانهار والبساتين ، لذلك قام والى البصرة بلال بن أبى بردة الاشعرى (110هـ) بحفر النهر المسمى باسمه ونقل السوق القديمة على جانبيه ، كما نقل بعض الأسواق إلى أماكن أخرى . أن نهر بلال كان يوصل نهر معقل بنهر الفيض المتصل بنهر الابلة (5) فكان هذا النهر من انفع المشاريع التي تمت في تلك الفترة لأنه سهل حركة النقل التجارية بين البصرة والابلة من جهة وبقية مدن العراق من جهة أخرى.
تنظيمات السوق :
في أوائل القرن الأول الهجري وفي بداية التجمع السكاني كان الباعة يجلسون على الأرض ولم تكن الحوانيت معروفة، فكانت سوق البصرة كالجامع، السابق له الحق بالبقاء في مكانه إلى أخر النهار (6) ولكن هذه الحالة لم تدم طويلا، فقد اتخذ أهل السوق حوانيت دائمية لحفظ بضاعتهم، في حين بقيت ظاهرة البيع على الأرض وبخاصة بالنسبة لصغار الباعة معروفة طيلة القرون التالية فكان لزاما على المحتسب أن ينظر في مقاعد الأسواق فيقر منها ما لا ضرر فيه على المارة (7) وكان بعضهم يؤجر من صاحب حانوت قطعة أمام حانوته (8).
وتشير المصادر القديمة إلى أن حوانيت البصرة ظلت بدون أبواب فكانوا يكتفون بتغطية أمتعتهم فقط فنشطت الحركة اللصوصية وبخاصة خلال ولاية عبدالله بن عامر الثانية (41ـ45 هـ) (9).
ولما قدم زياد بن أبيه عام 45هـ واليا على البصرة أمر باستعمال شرائج القصب أو الخشب على أبواب الحوانيت (10) واستعملت الأقفال فيما بعد وعرفت سوق خاصة لبيعها أو صنعها، وتستعمل هذه الأقفال لربط الدرابات بجانبي الحانوت، والدرابات أبواب متنقلة قد يودعها البعض في المسجد الجامع (11). وكان كل حانوت يظلل بالقصب أو القماش (12).
وتطلق كلمة حانوت على محل بيع الخمور، إلا إن ذلك أصبح عاما فيما بعد (13).
وفي داخل الحانوت بناء كالمنبر من طين أو خشب يوضع عليه المتاع يسمى ( الصيهور ) (14) كما أن بعض الحوانيت تسطح بالرخام الملون (15).
ويبني التجار خانات كبيرة تستعمل مخزنا وفندقا لإيواء الغرباء في نفس الوقت ويستوفى الإيجار منهم على عدد الأيام التي يمكثون فيها (16).
كما اتخذت بعض الدور الواسعة مكانا للبيع، ومثل هذه الدور تدر على أربابها أرباحا وفيرة كداري الزبير في الكلاء والسوق (17).
وفي كل حانوت سجل خاص تسجل فيه المبيعات والمشتريات والأرباح، ربما يؤجر شخص خاص للقيام بتنظيم هذه الحسابات، كما أن بعض الحوانيت الواسعة والمصانع تستلزم استخدام عدة أشخاص كحوانيت الطباخين والبلوريين (18).
والنمط الثالث يمثله الباعة المتجولون الذين كانت أسواق البصرة تزدحم بهم ويضايقون المارة (19).
وباعة الحوانيت على طبقتين أحداهما: تجار كبار يملكون رؤوس أموال كبيرة ولهم وكلاء أو شركاء في أقطار أخرى يتبادلون السلع معهم ويعرفونهم بحالة السوق وتقلب الأسعار وينظمون حركة الاستيراد والتصدير (20).
والأخرى: أصحاب الحوانيت البسيطة.ويمكننا أن نصنف باعة الحوانيت صنفين آخرين، بين باعة منتجين يتخذون حوانيتهم مصنعا ومتجرا، وباعة السلع الجاهزة.
والصناع على نوعين أحداهما مأجورين يعملون بأجور يومية أو على حساب القطعة في محلات خاصة أو في بيوت مستخدميهم، ومنهم العبيد الذين يدفعون أجرتهم إلى مالكيهم أو قسما منها كضريبة، أو العبيد المكاتبون الذين يدفعهم للعمل طلب المال المتفق عليه مقابل استرداد حريتهم (21).
والأخر: الصناع المستقلون وهؤلاء يملكون وسائل الإنتاج وراس المال ولهم الحرية الكافية لبيع ما يصنعونه. ويساعدهم في العمل عدد من أفراد أسرهم أو تلاميذهم وفي سوق البصرة تجد طوائف عديدة متنوعة جدا، دينية وقومية، عربا وموالى، مسلمين وذميين، يشاركون في إدارة دفة تجارة المدينة، وقد تحتكر بعض الطوائف صناعات معنية، فقد ذكر الجاحظ إن النصارى يشتغلون أطباء وعطارين وصيارفة بينما يمتهن اليهود مهنا محتقرة في ذلك الوقت فيقول ( ولا تجد اليهود إلا صباغاً أو دباغاً أو حجاماً أو قصاباً أو شعاباً ) (22).
ولم تكن ارض السوق نظيفة فغالبا ما تتحول إلى مزابل لكثرة ما يتساقط عليها من فضلات وبخاصة في فصلى الربيع والصيف (23).
ويجب أن لا يغرب عن بالنا إن هذه الحالة تخص باعة المحاصيل الزراعية أكثر مما تخص غيرهم كما أنها وقتية تظهر في بعض السنين التي ينقصها الاستقرار السياسي.
ضرائب الأسواق :
تختلف ضرائب السوق من حيث تنوعها ومقدارها تبعا للحالة السياسية في المدينة فتزداد الضرائب ثقلا كلما تعرضت المدينة للعواصف السياسية أو إذا قدم عليها وال جشع ، فقد فرضت ضرائب على الأسواق خلال ولاية الحسن بن خليل الفرغاني عام (305 هـ) (24) كما قام لشكرستان عام 386 هـ بعد استيلائه على البصرة برفع الضرائب الثقيلة (25).
وفرض واليها أبو منصور بختيار (420هـ) .
ضرائب على أسواق الدقيق ومقالي الباذنجان وسميريات المشارع ودلالة ما يباع من الأمتعة واجر الحمالين الذين يرفعون التمور إلى السفن وما يعطيه الذباحون لليهود (26).
ويذكر المقدسى إن للديلم والقرامطة ديوانين على باب البصرة، كلا منهما يجبى لنفسه (27).
ولعل هذا اقصر ما وصلت إليه حالة البصرة من التدهور السياسي خلال القرن الرابع الهجري، وكانت للديلم ضريبة أخرى تسمى رسم البيعة (28) .
وفي الأحوال الاعتيادية تفرض ضرائب غير ثقيلة منها ضريبة العشر التي تؤخذ على المحاصيل الزراعية والدواجن وعلى بعض ما يرد للبصرة من خارجها كالعنبر والمسك (29) .
وضريبة سوق الغنم وهي تشبه ضريبة العشر ، وكانت تشكل جزءا من واردات الدولة المهمة (30).
كذلك كانت تفرض ضريبة تدعى ضريبة السوق وعرفت هذه الضريبة منذ القرن الأول الهجري ولعلها نوع من الإيجار المفروض على الحوانيت ، وفي مدينة واسط خلال القرن الأول كانت تسمى غلة يختلف مقدارها تبعا لموقع الحانوت من الأسواق (31) .
وفي القرن الثالث كانت تدفع لحراس الأسواق رواتب لهم (32) .
ومن المحتمل أنها تختلف عن ضريبة البياعات التي يجمعها الشرطي (33).
ولعل ضريبة الخراج التي أعفاهم منها عبد الله بن عامر هي نفس ضريبة السوق وأعيدت بعد إنشاء سوق نهر بلال على شكل ضريبة كانت تدفع ليزيد بن خالد القسرى لفترة قصيرة ثم آلت إلى الدولة بعد ذلك (34).
وأما المكس الذي أبطله عمر بن عبد العزيز أثناء خلافته فالظاهر أنها ضريبة كانت تؤخذ على المبيعات داخل المدينة (35).
ويشرف على البيع والمبيعات موظف يدعى المحتسب وهو من له معرفة بأسرار الصناعات وحيل الباعة في غشها، ومن المرجح إن وظيفة عامل السوق التي عرفت منذ خلافة عمر بن الخطاب (13ــ23هـ). هي أساس وظيفة المحتسب ولو أن ولاية السوق كانت معروفة خلال القرن الثاني (36).
وكانت مهمة عامل السوق مراقبة المكاييل والموازيين ثم شملت صلاحياته معاملات الناس وحرفهم كافة. فعرف باسم المحتسب (37). وللمحتسب عرفاء يساعدونه في الأشراف على أسواقهم (38).
ومن موظفي الأسواق : جباة الضرائب، والحراس الذين يعنيهم الحماة وأصحاب المعاون (39) .
تجمعات الأسواق :
للبصرة شهرة كبيرة بالتجارة والصناعة (40).
والصناعة بلا شك متقدمة ومتنوعة، والمصنوعات متوفرة ، وذلك لان أجور العمال كانت رخيصة ، ورؤوس الأموال وفيرة، يضاف إلى ما تقدم أن البصريين حذقوا الصناعات، مما سهل عملية الإنتاج (41) .
كما أن سهولة المواصلات يسرت عميلة التوزيع، فكانت مركزاً لنشاط كبير غير عادي، جذب من يرغب بالثروة من خارجها (42).
لقدر قدر للأسواق أن تنتظم في مجموعات تضم كل مجموعة الصناعات ذات المصالح المشتركة .
وتشكل كل مهنة سوقا فرعية داخل السوق الكبيرة (43) .
ففي المربد مثلا نجد التبانين وسوق الإبل والدباغين في منطقة واحدة وكذلك القفالين على باب الصفارين ، ويشير اسلم الواسطى إلى أن أسواق واسط قد بنيت على هذا الأساس (44) .
وقام يزيد بن حاتم ألمهلبي البصري بتنظيم سوق القيروان متبعا نفس الأسلوب (45) .
ولعله تأثر بأسواق مدينة ـ البصرة ـ غير إن الذي تجدر الإشارة إليه أن تلك الأسواق أخذت في التدهور منذ إن تعرضت البصرة لثورة الزنج (255هـ) (46) .
وهجمات القرامطة (47) .
والفتن المذهبية والقبلية، ونزاع الأمراء والسلاطين .
ولم يحل القرن الرابع الهجري حتى أخذت في الانهيار ودب الخراب في أرجائها .
أن مسالة حصر جميع الصناعات وعد كل أسواق البضائع المعروفة والجزم بوجود أسواق لها بالبصرة ، لأمر في غاية الصعوبة .
إلا أننا إذا أخذنا بمبدأ تكتل الصناعات أمكننا تعيين أماكن بعض الأسواق التي نجهل موقعها. يذكر المقدسى ثلاث تجمعات لأسواق البصرة في القرن الرابع الهجري وهي الكلاء على النهر والسوق الكبير وسوق باب الجامع وذكر ناصر خسرو الذي زار البصرة في عام 443هـ ثلاثة أسواق أيضا وبأسماء تختلف قليلا عما ذكره المقدسى ، وهي خزاعه وباب عثمان والقدامين (48).
وهذا لا يعني أنهما ذكرا كل تجمعات أسواق البصرة ومتفرقاتها . ومن دراستنا وتتبعنا المصادر القديمة يمكننا أن نقسم أسواق البصرة إلى خمس مجموعات، ونرجح وجودها خلال القرن الثالث الهجري .
1ـ أسواق المربد
2 ـ أسواق الكلاء
3 ـ سوق باب عثمان
4 ـ السوق الكبيرة
5 ـ أسواق متفرقة
تحياتي
الموضوع مقتبس من
هذا الموقـــع
سجّاد