المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حتى مواد المطبخ أرتفع سعرها لدخولها في العمليات


صمت الجراح
11-24-2006, 02:07 PM
حتى مواد المطبخ أرتفع سعرها لدخولها في العمليات المسلحة

تجارة السلاح والدم يديرها مسؤولون كبار و أفراد من القوات الأمنية


بغداد – الملف برس

كان حسام لم يتجاوز (14) عاما من عمره عندما دخل إلى الفرقة الحزبية في الشارع المجاور لبيتهم مع حشود الناس عقب سقوط النظام السابق في العام2003 ، ولم يدر في ذهنه أن المسدسات الثلاثة التي أخذها من مشجب السلاح ستغير حياته مثل العشرات غيره الذين استولوا على الأسلحة المخزنة في بنايات الحزب والدولة.

لم يتمكن حسام من حمل المسدسات الثلاثة عند خروجه من الفرقة فسقط احدها وعندما حاول التقاطه صاح به احد المارة " اتركه وخذ هذا المبلغ "... وضع حسام (غنيمته) في البيت وعد المبلغ "..خمسون ألف دينار.." ..لم يصدق وهو الذي كان بالكاد يحصل من أهله على (250) دينارا فقط.. دس المبلغ تحت سريره وعاد إلى الفرقة ليأخذ بندقية وعددا من علب العتاد هي كل ما تبقى في المشجب بعد أن كثر الناهبون.

بعد ذلك تغيرت حياة حسام، وصار له عملاء يشترون منه .. وتعلم أن يسأل عن الأسعار قبل أن يبيع..ومن ثم راح يشتري ويبيع ويتعرف على زملاء في المهنة التي انتشرت أسواقها العلنية في تلك الفترة، كما تعرف إلى سياسيين وأعضاء ميلشيات وعصابات، وتعلم كيف يخفي بضاعته من الأجهزة العسكرية والأمنية التي بدأت تتشكل، لكن الحكومة لم تستطع منع حسام ومن هم على شاكلته، بالرغم من مرور أكثر من ثلاثة أعوام على تلك الحادثة وتغير الحكومات..حتى صار لحسام أكثر من بيت وسيارة.

حسام وأمثاله وهم يتحدثون لـ ( الملف برس) يعتقدون أن عملهم هو تجارة وكسب عيش ليس إلا،حيث يقول حسين ( 25 عاما) أحد المتاجرين بالسلاح " لا أقصد من عملي في شراء السلاح والعتاد و بيعه مساعدة الإرهابيين أو المسلحين، لأنني أتعامل مع قطع خفيفة وبالمفرد، كما إنني أتعامل مع أشخاص يشترون السلاح للحماية الشخصية ".

وعندما سألناه ،لم لا يخشى المساءلة القانونية بسبب عمله هذا ؟ أجاب " لا يمكن للحكومة أن تسيطر على هذه التجارة لأن نسبة كبيرة من الشباب تعمل فيها وبكميات كبيرة وتدعم الإرهاب والميليشيات دون أن يكون هناك من يحاسبها".

ورغم إن القانون يجيز الاتجار بالسلاح بعد الحصول على إجازة عمل، إلا إنه يندر وجود من لديه إجازة عمل في تجارة السلاح من المتعاملين في هذا المجال.

وبعد انتهاء الحرب التي قادتها الولايات المتحدة على العراق, كان باستطاعة أي شخص الذهاب إلى سوق الباب الشرقي في بغداد ليجد تجارا يستغلون الرصيف لعرض الأسلحة وبيعها وبكل أنواعها، غير أن الأسلحة المطلوبة اليوم لم تعد البنادق أو المسدسات أو الكلاشينكوف، إذ فرضت طبيعة المواجهة الأتجار بأنواع أ من الأسلحة المتوسطة والثقيلة القادرة على التأثير في الخصم .

وخلال الأشهر المنصرمة، سجلت الأوضاع الأمنية في العراق تدهورا مريعا لم يسبق له مثيل منذ غزو القوات الأميركية للعراق، في ربيع عام 2003 ، ورافق هذا التدهور تصعيد في حدة التصريحات والاتهامات بين بعض مكونات الطيف العراقي، على خلفية عمليات القتل والاغتيالات التي تعرض لها المواطنون بصورة يومية.

لكن كل ذلك انعكس بالإيجاب على تجارة السلاح، التي عادت من جديد لتشكل مهنة من المهن، التي عرفها العراق منذ سقوط نظام صدام.

واظهر تقرير لمنظمة العفو الدولية ومؤسسة أوكسفام و"شبكة التحرك الدولي بخصوص الأسلحة الصغيرة" " أن حيازة أسلحةٍ أكثر فتكاً جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية في كثيرٍ من بلدان العالم مثل العراق، إذ أصبح هناك في المتوسط أكثر من بندقية لكل فرد من السكان ".

ولا يكاد بيت في العراق اليوم يخلو من السلاح، وهي أسلحة تتفاوت بين البندقية الكلاشنكوف أو المسدس. فالعراقيون وبعد ما شاهدوا الانفلات ألأمني الكبير و جرائم القتل على الهوية والاغتيالات العشوائية ، صاروا يحتاجون أكثر من أي وقت مضى إلى السلاح كي يدافعوا به عن أنفسهم وعن عائلاتهم، فالمليشيات والجماعات المسلحة منتشرة بشكل كبير في العراق، وهم لا يتورعون عن القتل واقتحام المنازل لغرض القتل دون سواه .

وقد جعل الانفلات الأمني، وعدم اهتمام قوات الاحتلال بأمن العراقيين، وتركيزها على أمن جنودها، دون غيرهم، من ظاهرة الاتجار بالسلاح مصدر رزق لعدد من العراقيين، حتى وصلت أسعار الأسلحة الخفيفة إلى أرقام ومبالغ كبيرة. وأغلب الأسلحة التي بيعت كانت من ترسانة الجيش العراقي السابق، التي سطا عليها السراق واللصوص، أو كما يطلق عليهم ( الحواسم ) ، و هو تعبير يعني الاستيلاء على مجموعة المستودعات ومخازن الأسلحة التي أنشأها النظام السابق خلال الحرب، بالإضافة إلى الأسلحة التي خلفتها وحدات الجيش العراقي المنحلة. و هذا كله يُعد مصدر اغلب الأسلحة التي تُباع في العراق اليوم.

إذ يقول احد تجار السلاح إن الطلب على الأسلحة يأتي من المواطنين العاديين بالإضافة إلى الميليشيات والجماعات المسلحة ، وإن الأسلحة التي يتم تداولها في داخل العراق لا تفي بغرض المقاتلين، إذ أن أغلب الأسلحة المتوسطة والثقيلة تم شراؤها أو الاستيلاء عليها منذ وقت طويل، غير أن ما تحصل عليه تلك الجماعات أو الميليشيات هو سلاح مهرب من خارج العراق .

ويقول (ح _م ) وهو رئيس عرفاء في الجيش العراقي السابق كان يدير مستودعا للأسلحة: انه حصل على بضاعته من مصادر حكومية مباشرة. فعندما انهار النظام السابق عمل أخوه وابنه على نقل الأسلحة من المستودع إلى بيته ومن ثم اخذ الاتجار بها.

بينما يقول (أ _ ع ) وهو متعهد بتصليح وصيانة الأسلحة: بعد أن نهبت أغلب معسكرات الجيش العراقي السابق، من قبل السراق واللصوص ، ظهرت الكثير من الأسواق المتخصصة في بيع السلاح، إلا أن تلك الأسواق سرعان ما اختفت، بسبب بعض الإجراءات التي قامت بها القوات الأميركية، لتعود تجارة السلاح إلى السر، بعد أن كانت علنية. وهذا أدى إلى ارتفاع أسعار السلاح كثيرا، فالبندقية الرشاشة وصل سعرها، في ظل هذه الظروف، إلى مائتي ألف دينار (ما يعادل 150 دولارا)، وكذلك المسدس الشخصي، الذي كلما قل حجمه ارتفع ثمنه، لأن طريقة إخفائه تكون أسهل.

ويعزو بعض من التقتهم وكالة ( الملف برس) سبب انتشار السلاح في العراق إلى النهج العسكري الذي أتبعه النظام السابق، حيث يقول المدرس رياض عبد العادل "لقد حول نظام صدام الحياة في العراق إلى ما يشبه المعسكر،وكان يسمح لأعضاء حزب البعث المنحل بحمل السلاح ويقيم دورات صيفية لتدريب الطلاب على القتال واستخدام السلاح ، وكان يروج لثقافة التسلح حتى أخذ صدام يظهر في بعض المهرجانات وهو يطلق النار من بندقيته ( البرنو ) التي يحملها بيد واحدة على سبيل الاعتزاز بقيمة السلاح " .

ويرى محللون سياسيون رفضوا ذكر أسماءهم أن"انتشار السلاح وبكميات كبيرة قد يؤدي إلى حرب أهلية أو إلى ضغط من قبل الجماعات المسلحة للحصول على مكاسب سياسية.وهذا ينذر بعرقلة العملية السياسية في العراق."

وقال أحد منتسبي قوات الحدود (رفض الكشف عن أسمه) " ضبطنا الكثير من الشاحنات التي تقوم بتهريب السلاح في حمولات الرمل والحصى التي تنقلها من المقالع المنتشرة في بادية كربلاء والنجف وغيرهما من المناطق في الصحراء الغربية، كما عثرنا على اعتدة وأسلحة مخبأة في عدد من المقالع (المحاجر) ".

وكان لضبط هذه الكميات الكبيرة من الأسلحة من قبل القوات العراقية والقوات متعددة الجنسيات الأثر الواضح في شحة الأسلحة بين المجاميع الإرهابية.كما أدى الانتشار المكثف للقوات العراقية ومنع انتقال السلاح بين المناطق إلى ارتفاع أسعاره حيث بين (أ . ز ) وهو أحد تجار السلاح في النجف " لقد ارتفعت أسعار الأسلحة في الآونة الأخيرة بشكل ملحوظ، فوصل سعر البندقية الكلاشنيكوف إلى 150 ألف دينار بعد أن كانت 30 ألف دينار، أما القاذفة فأرتفع سعرها من 200 ألف دينار إلى 250 ألف دينار بعد أن كان سعرها 15 ألف دينار إلى 25 ألف دينار،ويتراوح سعر الـ ( بي كي سي ) بين المليونين وربع المليون إلى ثلاثة ملايين دينار إن وجدت."وتختلف هذه الأسعار من محافظة إلى أخرى.

وبحسب متعاملين في سوق السلاح وصل سعر أطلاقة البندقية (الرصاصة) إلى 450 ديناراًن كما وصل سعر القنبلة اليدوية ( الرمانة) إلى 90 ألف دينار أي ما يعادل عشرة أضعاف سعرها السابق.ومع أن القانون العراقي لا يجيز حمل السلاح لمن هم دون سن الخامسة والعشرين، إلا أن الملاحظ أن أفراد الميليشيات المسلحة تتراوح أعمار معظمهم بين 16 و 32 عاماً وهو ما يعد خرقاً صريحاً للقانون دون أن تتخذ الإجراءات القانونية بحقهم."

ويضيف إن"شحة الأسلحة وارتفاع أسعارها جعلت المسلحين يبحثون عن بدائل لتنفيذ عملياتهم، فالصاعق الذي يستخدم في تفجير أصابع الديناميت وصل سعره إلى خمسة آلاف دينار ،فكان البديل استخدام أجزاء من الألعاب النارية التي يستخدمها الأطفال ليرتفع سعرها هي الأخرى، كما بدأوا استخدام الأسلاك المعدنية الناعمة (السيم) الذي يستخدم لغسل الصحون في تصنيع العبوات الناسفة ، فارتفعت أسعاره.

ويقول المقدم فوزي محمد علي الضابط في الحرس الوطني"هناك تقارير تشير إلى أن انهيار النظام السابق أدى إلى نزول خمسة ملايين قطعة سلاح إلى الشوارع، وهي متداولة بين الأهالي الآن، ولعدم اتخاذ الحكومة موقفا صارما لاستردادها، فان الاحتمالات تشير إلى بقائها في الشارع لمدة عشر سنوات أخرى حيث تنتهي بعوامل الاستهلاك والاستخدام وغيرها."

من ناحيتها فإن مصادر في الجماعات المسلحة قالت " إن هناك أسلحة تم نقلها من مستودعات خاصة بالشرطة والجيش عن طريق المتعاونين، بالإضافة إلى كميات كبيرة من الأسلحة تم الاستيلاء عليها من مذاخر تابعة للجيش الأمير كي ."

المصادر تقول: إن الحدود العراقية مع أغلب دول الجوار غير منضبطة، وخاصة من الجانب العراقي، مما يسهل إدخال تلك الكميات إلى العراق.

وتشير ذات المصادر إلى أن حرس الحدود العراقيين يسمحون بإدخال أي كمية من السلاح مقابل المال، كما أن هناك أسلحة يتم شراؤها من داخل العراق، وذلك من خلال بعض العراقيين الذين يعملون مع الشرطة أو الجيش، أو حتى مع القوات الأميركية.

وقال نقيب في الشرطة العراقية، رفض الكشف عن اسمه، إن هناك الكثير من قطع السلاح التي تسلم إلى عناصر وأفراد الشرطة العراقية يجري تسريبها إلى المسلحين، أو يتم بيعها في ما بعد.

وأضاف قائلا: يتقدم المتطوع للجيش أو الشرطة، وبعد أن يقضي شهرين أو ثلاثة يحصل خلالها على قرابة مليون أو أكثر من مليون دينار عراقي، وسلاح خفيف، ثم نراه ينقطع عن الدوام، ويقوم ببيع سلاحه.

كما إن البعض الآخر يقوم بتهريب السلاح إلى خارج المستودعات، بالتعاون مع جهات عليا، في الأجهزة الأمنية، وكل ذلك مقابل المال.

ويساعد الفساد الإداري المستشري في العراق على ما يبدو الباحثين عن السلاح وتجاره، إذ إن بعض عمليات بيع وشراء السلاح تتم من خلال مسؤولين رسميين، كما أكدت ذلك " مصادر عراقية مطلعة، مشيرة إلى أن الجيش الأميركي يتخوف من تسليح الأجهزة الأمنية العراقية بأسلحة ثقيلة ومتطورة، خشية تسربها إلى المقاتلين العراقيين.

يقول احد المحللين السياسيين المتابعين لهذه الظاهرة "أن التحولات السياسية في العراق أدت إلى آثار سلبية لهذه الممارسات على المجتمع العراقي، ومع ظهور الاصطفافات الطائفية والتصعيد الذي صاحبها، خاصة بعد أحداث سامراء، ارتفعت أسعار الأسلحة، بسبب الإقبال الشديد على شرائها، و لوجود مخاوف متزايدة من اندلاع فتنة طائفية أو صراع بين الأحزاب من أجل السيطرة على السلطة".

و بالرغم من التوتر الموجود في العراق اليوم، فان بعض الجماعات الطائفية لا ترغب بتسليح البعض الآخر. إذ يقول التاجر (ل _ع ) وهو شيعي انه لن يبيع أبدا وبأي سعر كان إلى من اسماهم بـ ( الوهابيين)، وهو مصطلح يشير إلى أي متطرف سني، وكذلك الطرف السني أيضا لا يبيع إلى أي شخص شيعي، هذا إلى جانب انعدام الثقة بين الطرفين، ولان عملنا "يمتاز بالسرية التامة، لأن أي معلومة تصل إلى الجيش الأميركي سنجد أنفسنا نقاد إلى المعتقل، وربما ستقتلنا قوات الاحتلال، لأنها تعتبرنا من المتعاونين مع المسلحين، حتى لو كان ذلك مقابل ثمن، لذلك ترى أن تجارة الأسلحة تتم بسرية تامة، وبعيدا عن الأعين، وننتهز الليل من أجل نقل بضائعنا."

في حين تؤكد الكثير من الدراسات النفسية والاجتماعية في العراق الى انتشار الأسلحة أثر أيضا على اهتمامات الأطفال وألعابهم حيث يقول السيد كريم حميد صاحب محلا لألعاب،لقد امتدت ثقافة التسليح والحروب إلى ألعاب الأطفال أيضاً ،فقد أصبح اهتمام الطفل في العراق هو الأسلحة القتالية مثل المسدسات والسيوف والرشاشات نتيجة ما يرونه من عنف يومي على شاشات التلفزة وفي الحياة اليومية حيث أصبح الطفل متعلقا بهذه الألعاب ليترك الألعاب الفكرية والتعليمية."

ويضيف "وما يشجعهم على ذلك هم التجار الساعون للربح فعند ملاحظتهم الإقبال الشديد على هذه الألعاب ، أصبحوا يستوردونها وبكميات كبيرة جدا".