المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لوركا.. هل قتله نصفُهُ الشعري؟


bint Dijlh
09-02-2006, 05:28 PM
لوركا.. هل قتله نصفُهُ الشعري؟


محمد علي شمس الدين

ثمّة شعراء يعاد إنتاج سيرتهم وحياتهم بعد موتهم, وبصورة مستمرة, من أمثال المتنبي وديك الجنّ, المعرّي وجبران, في العربيّة, ومن أمثال لوتر يامون ورمبو في الفرنسية, ولوركا في الإسبانية, والسبب يعود إلى غنى هذه الحياة, واكتنافها بالأسرار, ما يجعلها موضوعًا للأسئلة المفتوحة, والاكتشاف المستمر.


من ألف عام حتى اليوم, على سبيل المثال, لاتزال تطرح الأسئلة حول المتنبي.. من هو? ابن مَنْ هو? ما أسرار مغامراته وأشعاره? هل قتله شعره? أم سلوكه السياسي وفكره الشيعي أو القرمطي? وما الذي كان يبتغيه هذا الرجل النادر في السيرة العربية? وهو القائل, وكأنه عرف ما كان يجول في خلد الناس, فأراد أن يزيدهم عمى وغموضًا:

يقولون لي ما أنت في كل بلدةٍ وما تبتغي? ما أبتغي جَلَّ أن يُسمى
وعلى الرغم من عشرات الافتراضات حول المتنبي وأسراره وأغراضه, يبقى بمنزلة عاصفة الشعر والكبرياء الغامض, العاصفة مثل كُتَلٍ من نار, في سماءِ العربيّة والعالم.

مع فارق اللغة والجوهر الشعري, المكان والزمان, يظهر لنا شاعر إسبانيا فدريكو جارسيا لوركا, المقتول غيلة على يد الفاشيست الكتائب الإسبان في العام 1936, في مطلع الحرب الأهليّة الإسبانية, لوركا ذو القبر الضائع والجروح المنجّمة على الصدر.. يظهر لنا بدوره, من خلال سيرته وأشعاره وموته الفاجع, شخصًا قابلاً للاكتشاف, وإعادة الاكتشاف, بلا انقطاع. فما يطفو على سطح السيرة والشعر من فدريكو, هو اسم الشاعر ومقتله. وربما كان هذا الجزء, تبعًا لافتراضات مفتوحة حوله للباحثين والدارسين, هو الجزء الصغير الظاهر للعيان, مثلما يظهر من جبل الجليد الفائض في المحيط, رأسه أو ذؤابته, في حين أن جسمه الضخم الخطير مطموس ومخبّأ تحت الماء.

من آخر ما قرأت حول سيرة هذا الشاعر, ومواهبه الكثيرة, فصل بعنوان (فدريكو جارسيا لوركا موسيقيًا), للباحث العراقي المقيم في ألمانيا ولندن وسواهما, من أماكن أخرى متنقلاً ومغتربًا, علي الشوك, في كتابه العجيب الممتع (أسرار الموسيقى). والسؤال المفاجئ الذي يطرحه علي الشوك في فصله هذا هو: هل قَتَلَ جارسيا لوركا نصفهُ الشعري? وهل كان في الإمكان أن ينجيه من القتل نصفه الموسيقي الذي لم يكن غالبًا عليه, بل كان يعيش في كنف الشاعر, وفي ظله, في حين كانت تسطع أشعّة الشاعر وسطوته?

بمعنى آخر: هل لو كان لوركا الموهوب موسيقيًا موهبة فذّة, لا تقلّ عن موهبته في الشعر, رجّح الموسيقى على الشعر في شخصيّته, وغلّب الموسيقى على الشاعر, كان سينجو من القتل غيلة, لأنّ الشعر فضّاح وإعلاني, في حين أن الموسيقى لغة سريّة وغامضة?
فإذا كان في إمكان الشاعر أن يصرخ: (تعالوا انظروا الدماء في الشوارع).. ويعلن من خلال ذلك عن موقعه وانتمائه.. فأي موسيقى بإمكانها مثل هذا الإعلان?
إذن, وبالخلاصة والافتراض, لو كان لوركا انتمى للموسيقى لا للشعر, لكان نجا.
حسنًا.

هذا هو الافتراض الذي يفترضه علي الشوك, وهو افتراض فنتازي في أحسن أحواله, فالرجل المؤلف صاحب مزاج خاص في الكتابة والافتراضات. ولعلها واحدة من جوانب قراءاتنا لَهُ.

وفي اعتقادنا أنّ ما كُتِبَ قد كُتِبَ.. وأن لوركا سيقتل, في تلك الزاوية المظلمة من تلك الليلة الشتائية على يد القتلة الفاشست إياهم, في العام 1936, وأن دمه سيطلّ على التراب ذاته, وقبره سيضيع, لا لأنه كان شاعرًا, ولو كان موسيقيًا لنجا, ولا لأنه لو لم يكن لا هذا ولا ذاك لنجا, بل لأنه هو اختار موته, وصيغة هذا الموت, بموقفه وانتمائه.

ذلك أنه, (في العام 1936 ذاته, وبعد مرور خمسة أيام على عيد ميلاده الثامن والثلاثين, نشرت جريدة (أل سول) الإسبانية حوارًا مطوّلاً بين فدريكو جارسيا لوركا والرسام الكاريكاتيري الشهير لويس باجاريا. في هذا الحوار, تطرق الرجلان إلى عدد كبير من المواضيع, من الشعر إلى السياسة, ومن مصارعة الثيران إلى أغاني الغَجَر, وأعرب لوركا مرّة أخرى عن اعتقاده بأنّ على الفنّان في الظروف الراهنة (وهي ظروف الحرب الأهلية في إسبانيا) أن يكافح من أجل العدالة الإنسانية والاجتماعية.. عليه أن يتخلى عن باقة الزهور ويخوض حتى الخصر في الوحل, لكي يكون في عَوْنِ أولئك الذين يتطلعون إلى الزهور)..

وشجب النزعة القومية واعتبر (غزو غرناطة العربيّة على يد الكاثوليك الإسبان, في العام 1492 لحظة شؤم, بالرغم من أنهم يقولون عكس ذلك في المدارس. لقد فقدنا حضارة جديرة بالإعجاب, شعرًا وعلم فلك وعمارة, وكياسة لا مثيل لها في العالم, لنسلمها إلى مواطنين بوساء جبناء وضيّقي الأفق يمثلون أسوأ بورجوازية في إسبانيا).

هل هذه الأفكار وما يشبهها, ما قتل جارسيا لوركا?
نسأل ونجيب: نعم, على الأرجح. لكنْ أنّى لنا أن ننسى لوركا الشاعر ولوركا الموسيقي ولوركا المسرحي? ربما قُتِلَ الآلافُ من الإسبان في الحرب الأهلية على المتاريس أو في الشوارع أو الحقول من أجل هذه الأفكار.. لكنّ لوركا هو لوركا من بينهم جميعًا.
هو أجمل قتيل على الأرض الإسبانية, بل أجمل قتيل في العالم.

كان مسكونًا بالروح المبدع (الدونده) تلك التي قال عنها باجانيني (يحسب بها كل إنسان ولم يعرفها فيلسوف). نشوة على غرار (الله حي) لدى المسلمين وفيفا ديوس عند المسيحيين. تجريد صادق للكون, صاف صفاء الحدائق السبع.

لوركا بقيّة نسل الدم الأندلسي العميق. وشعره, كما يرى د.بدرو فوتابت (دائمًا يبحث عن الرحم والمنشأ) غرناطة والأندلس.
لوركا الموسيقي وقع في لوركا الشاعر. وحين كان يعزف على البيانو أو القيثارة بأصابع كهربائية (كما قيل في عزفه) ويشاركه في وضع الألحان والعزف الموسيقي الإسباني العظيم مانويل دي فايا, فإنما يكون سعى ووقع على من يشبهه في الموسيقى.
كان يقول (أنا موسيقي في المقام الأوّل), ويعني أنه شاعر.. ذلك أن الشعر موسيقى, والموسيقى شعر.

كشكول العراقي
09-02-2006, 07:37 PM
((أن يكافح من أجل العدالة الإنسانية والاجتماعية.. عليه أن يتخلى عن باقة الزهور ويخوض حتى الخصر في الوحل, لكي يكون في عَوْنِ أولئك الذين يتطلعون إلى الزهور))..

يالها من كلمات هذه ويالها من فلسفه كامله وجميله و منمقه و بسيطه تلك التي ذكرها الرائع لوركا
تضحيه و ثوره و تألف مع الاخرين
بساطه و طيبه و تعاون وانسانيه
يالهم من عضام الذي يبقون على مشارف التأريخ انهم من تفخر الانسانية بهم
شكراً بنت دجله على هذا الابداع
تحياتي و سلامي للجميع

حنين العراق
09-03-2006, 09:21 AM
الله عليكي يا عزيزتي دائما تعطينا فاضل المواضيع
تحياتي

Mus6afa
09-03-2006, 01:29 PM
شكرا على الموضوع الجميل

ذيب بغداد
09-03-2006, 06:03 PM
شكرا عالموضوع

Guevara17
09-04-2006, 10:51 AM
فيديريكو غارثيا لوركا
Federico García Lorca
(1898-1936)
لوركا في نيويورك ينظم مرثية الإنسان

http://www.alimbaratur.com/All_Pages/Sheta2_3alami_Stuff/Sheta2_21/Federico_Garcia_Lorca_Big.jpg

ما بين عامي 1929 و1930, عاش فيديريكو غارثيا لوركا عشرة أشهر في نيويورك, وفكر أن يتسجل في دروس اللغة الإنكليزية, على رغم انه لم يكن يميل إليها, ولم يدرسها بالتالي, فقضى معظم وقته بين النقاد والشعراء الأسبان الموجودين في المدينة - مثل فيديريكو دي اونيس, داماسو آلونسو, انخيل دل ريو ومصارع الثيران ايناثيو سانتس مينمياس - وبين زيارة المتاحف, والذهاب الى دور السينما, والمسارح, والاستماع في الصالات الى موسيقى الجاز, فحضنت روحه الصرخة المحمومة لزنجي حي هارلم, رأى فيه طفل غرناطة الكبير تنقيلاً أو تغير الموضع لإحياء الغجر - الموريسكيين الغرناطية, التي استوقفه بؤسها, فحوله ألمها الثوراني العتيق, إلى واحد من شعراء الإنسانية.
لم تكن صرخة القهر الزنجي وحدها ما اثر في روح لوركا النقية الشفافة, ليجعل من ملك هارلم - الصورة الأخرى للغجري - الموريسكي - رمزاً لكل المضطهدين, القابعين في أسفل درجات السلم الاجتماعي, في مدينة الأسمنت وناطحات السحاب, وعالم الحضارة المادية, التي لا تُعرف لها جذور, والتي حولت انسانها الى رقم تافه, تحركه الاصابع بآلية في مكاتب الزجاج الخاوية.
لم تكن صرخة القهر الزنجي وحدها, هي ما دفعه ليسترجع صورة المضطهدين الغرناطيين - ومعهم كل الآخرين الذين خضعوا للقهر في محاكم التفتيش, وفي حملات نظافة الدم - في مجتمع لا انساني وعدو, بعد انهيار الإسلام السياسي في آخر معاقله عام 1492. لقد كانت كل تفاصيل الحياة اليومية الخاوية, التي نسجتها الحضارة المادية في الولايات المتحدة, تدفعه الى هاوية الرعب والعدم, فيطلق من خلال سقوطه وتمزف روحه الشفافة, صرخة وجع واعتراض على اغتيال الانسانية, ويملأه الحنين الى تلك الأرض الاندلسية البعيدة - القريبة, تظل حضارتها الروحانية النقيض الأجمل والأروع لمدينة الاسمنت والدخان, لمدينة الآلة المسننة المتعطشة لامتصاص عرق الانسان ودمه, ولدماء كل الحيوانات, والعودة الأولى لطهارة الغابة البكر وجمالها. ويولد من أعماق جحيم الحياة في نيويورك, ديوان عظيم, يوازي في أهميته القصائد الغجرية اللوركية - تُرجمت الى خمسين لغة بما فيها العربية - لأنه صداها الآخر والأبعد, وإن كان تعبيراً خاصاً عن مرحلة مختلفة في النتاج اللوركي الشعري النبيل, تغيرت خلالها احاسيسه ورؤاه ولغته, نتيجة لتمزق اعماقه من قساوة ومرارة التجربة الحياتية من عالم مادي حتى الجذور, معبوده المال ولا علاقة له بقيم الحياة الكبرى, وصار منسلخاً عن كل ما هو انساني, وكان منه طفل غرناطة الكبير, شاهداً على عذا الانسان الضعيف وقهره والمضطهد في مسرح الوجود, بعد ان كان تخيله العظيم, واحساسه المرهف قد دفعاه ليصور في ابيات خالدة معاناة الغجر الموريسكيين في أرض الأندلس, وقد سحقوا خلال حروب الاسترداد الاسبانية وبعدها.
يولد ديوان "شاعر في نيويورك" ثمرة للتصادم العنيف بين حضارتين نقيضتين - هذا ما يؤكده فرنسيسكو لوركا, الأخ الأصغر لمشعوذ الأندلس في كتابه "فيديريكو وعالمه - : الروحانية الغرناطية المسلمة بشكل واضح لا يقبل الجدل, وبين حضارة المادة الصرف, التي تلغي الانسان وتشيِّؤه, وتحوله الى رقم زائد أو ناقص في ميزان الربح المادي.
ان الروحانية الغرناطية تتمثل باعتراف لوركا ذاته في نثره الأول في قصر الحمراء العجيب, وحدائق الخلفاء, ونوافير المياه, وفي جمالية الأشياء الصغيرة النابضة بالحياة, وكل ذلك يبقى تعبيراً مؤثراً لابداع الانسان في ظل حضارة راقية, هدفها اغناء الانسانية, ووجد كل فرد مكانه فيها, "حضارة رائعة, نسيجها شعر وعلم فلك, فن عمارة ورقة فريدين في العالم" كما صرح فيديريكو غارثيا لوركا لجريدة "إل سول" المدريدية, في العاشر من حزيران (يونيو) قبيل اغتياله في الثامن عشر من آب (أغسطس) لعام 1936, على ايدي الفاشية.
في نيويورك, كان شيئاً ما مختلفاً في أعماقه - هو الروحانية الغرناطية - يجعل مستحيلاً تواصله مع هذا العالم المادي البارد, المشحون بالخواء والعدم, فيرفض جملة وتفصيلاً زيف مدينة عملاقة حديثة بلا روح - جعلها رمزاً لكل المدن التي يُستغل فيها الانسان - تسود فيها اللامبالاة القاتلة في مواجهة كل ما هو انساني, وتبول جموعها حول صرخة وجع, وتخدش امواتها الأرض بالأظافر, وتتلذذ هي لرؤية الدم يراق نقطة نقطة بين الدواليب المسننة لآلاتها العمياء, تدفع الانسان الى هاوية الفراغ والعدم.
اواه يا اميركا الشمالية المتوحشة! اواه يا وقحة! يا متوحشة ممدودة عند حدود الثلج
و:
اي هارلم مقنعة,
اي هارلم المهددة من حشد ثياب بلا رؤوس.
واي وول ستريت...
اواه! اي! اي! اي!
في نيويورك يطلق فيديريكو غارثيا لوركا, وهو يرثي الانسانية الذبيحة, صرخات وجع تفتت القلب, مشحونة بايحائية نادرة, يبدو معها للقارئ في بعض الاحيان ان صداها يتردد ضاجاً ومؤلماً في اعماقه, كما في أبيات القصائد. لم يحتمل فيديريكو غارثيا لوركا شراسة المدينة - الجحيم, العدائية والمرعبة, التي حددت ماديتها البشعة شراسة العلاقات بين البشر, وابتعادهم النهائي عن الطبيعة البكر, عن الانسانية, وعن أحاسيس نبيلة لا يمكن للمرء ان يعيش من دونها: الرحمة والحب والسلام: لقد حولت نيويورك انسانها الى رقم زائد أو ناقص في دفاتر مكاتب ناطحات السحاب الزجاجية, وحشرته في زاوية الغربة والفردية والضياع.
في المدينة - الجحيم, يشعر لوركا بالاختناق في عالم الآلة, ويحس ان الأرض تميد تحت قدميه, وهو يقف على حافة هاوية العدم البائس والفراغ القاتل الذي احدثه غياب الانسانية, فتغيرت الوانه الاندلسية الزاهية - استبدل بالأسود والرمادي الداكن الوان الرند والياسمين - وظهرت في ابياته مفردات لم يستعملها قبلاً - يا اميركا الشمالية المتوحشة! يا وقحة - وميزت رؤاه تحولات غير معقولة, وغريبة الى حد, فصارت النجوم بقراً, وتحولت العصافير الى ثيران, وسمك الكريستال صار يشبه اقداماً صغيرة حمراً لنساء. في نيويورك ضيعت كل الموجودات هويتها الحقيقية, وبات الجو العام في مدينة التدمير الانساني يوحي بالهذيان... بات كابوساً في اليقظة وفي المنام, فغرقت فيه الفراشات (رمز الفكر) في المحابر السود, وكانت أرقام الضرب والحسابات, تطعن فيه مثل سكين, وظهرت على مسرحه حيوانات صغيرة مقطوعة الرأس, وحمامات عالقة في القناطر الصغيرة, وكل ذلك في الوقت الذي يراقب فيه المصرفي مضغط قياس السوائل والابخرة.
آي وول ستريت!
في نيويورك يبقى وول ستريت رمزاً مرعباً لانهيار الانسانية وقيمها الكبرى, وكل شيء فيه رخيص وتافه وخاو, كل شيء فيه يشترى ويباع, حتى عرق البؤساء وصحتهم, كما انه مسرح قبيح للرقص, فيه يرقص القناع الأسود بين أعمدة دم وارقام, بين اعاصير الذهب وأنين العاطلين من العمل في الظلمات (قصيدة رقصة الموت).
في المدينة المحتضرة, يشعر فيديريكو غارثيا لوركا, ابن الروحانية الغرناطية, بالقلق الروحي العميق, بالتشتت والضياع, فيصرخ بأعلى صوته مشهراً بهذه الحضارة المادية الصرفة, المجردة من الانسانية, التي حولت ابناءها الى حشود بلا رؤوس, يستيقظون في فجر أسود, يعرفون انه لا يحمل اليهم اي أمل, ويتجهون بالتالي الى الشوارع الميتة, او الى المترو, ليصلوا الى مكاتب الزجاج والاسمنت الباردة, ليغرقوا انسانيتهم في وحل الارقام والقوانين.
قهر. رفض. قلق. وحدة. غربة. ضآلة. تشوش فكر. ضياع. مرارة. غضب: هذا ما يشعر به فيديريكو غارثيا لوركا في مواجهة المدينة العدائية, مركز الثقل في سحق العالم الذي تتهدده حضارة الآلة الشيطانية, التي يشهر بزيفها وشراستها, في واحد من أروع دواوينه - قبل ان تسترجعه من جحيمه الروحانية الغرناطية, لينظم ديوان التماريت - "شاعر في نيويورك, ويسألها أين جذورها؟ أين روحها؟ في الآلة؟ في الاحصاءات (قصيدة مكتب واتهام).
احتضار. احتضار. حلم. تخمر. حلم.
هذا هو العالم يا صديقي, احتضار. احتضار.
آي عالم! هارلم! هارلم!
ليس هناك قلق يشبه عينيك المضطهدتين
ودمك الذي يرتعش في كسوف غامض...
عندما يصور غارثيا لوركا القلق في اعماق الزنوج - العينان في شعر لوركا هما مرآة الاعماق - الوجودي في نيويورك الاسمنت.
الغجر
لغجر نيويورك
أربعة أعمدة من وحل,
وإعصار ليمامات سودٍ
تتخبط في المياه الراكدة.
فجر نيويورك يئن,
في السلالم اللانهائية,
باحثاً بين الزوايا,
عن سنبل قلق مرسوم
يطل الفجر ولا أحد يتلقاه في فمه,
لأن ليس هناك صباح ولا أمل ممكن,
وقطع النقود أحيانا, كفرق نحل غاضبة,
تثقب وتلتهم أطفالا مهملين.
الأوائل الذين يغادرون منازلهم, يدركون في عظامهم,
ان ليس هناك فردوس ولا حب بلا أوراق,
يعرفون انهم يتجهون إلى وحل الأرقام والقوانين,
إلى ألعاب لا فن فيها, إلى عرق يتصبب سدى.
النور مدفون في سلاسل وضجيج,
في تحد وقح لعلم بلا جذور,
في الأحياء, هناك ناس يترنحون أرقا,
كما لو انهم خارجون للتو من سفينة دماء تغرق.
عودة إلى المدينة
نيويورك
مكتب واتهام
تحت أعداد الضرب,
هناك نقطة دم لبط,
تحت أعداد القسمة,
هناك نقطة دم لبحار,
تحت أعداد الجمع, هناك نهر دم دافئ.
نهر يأتي مغنياً
عبر مهاجع الضواحي,
وهو فضة, أسمنت أو نسمة,
في الفجر الكاذب لنيويورك.
الجبال موجودة. أعرف ذلك.
وموجود منظار للعلم.
أعرف ذلك. لكنني لم آت لأرى السماء.
أتيت أنا لأرى الدم المضطرب,
الدم الذي يحمل الآلة الى الشلالات,
والروح الى لسان الصِل.
في كل الأيام, يُذبح في نيويورك,
أربعة ملايين من البط,
خمسة ملايين خنزير,
ألف حمامة للذة المحتضرين
مليون بقرة / مليون خروف
ومليونا ديك,
تترك السماوات مهشمة.
من الأفضل ان ينتحب المرء وهو يشحذ الموسى,
او هو يقتل الكلاب
في حفلات الصيد المخادعة,
على ان يقاوم في الفجر,
قطر الحليب اللانهائية,
وقطر الورود التي يصفدها
تجار العطور.
البط والحمامات,
الخنازير والخراف,
تضع نقاط دمها,
تحت أعداد الضرب
والصيحات الرهيبة للبقرات المنتزعة الأمعاء,
تملأ الوادي ألماً,
حيث يسكر الهدسون من التريث.
أنا أتهم كل أولئك,
الذين يتجاهلون النصف الآخر,
النصف الذي لا يفتدى بالمال,
والذين يرفعون جبالهم الأسمنتية,
حيث تنبض قلوب الحيوانات الصغيرة المنسية,
وحيث نقع جميعاً في الحفلة الأخيرة للثقوب.
أني أبصق في وجهكم.
النصف الآخر يسمعني,
وهو يلتهم, يبول, يطير في نقائه,
مثل أطفال مساكن البوابين,
الذين يحملون قضباناً صغيرة قصيفة,
الى الثقوب التي تصدأ فيها القرون اللامسة للحشرات.
انه ليس الجحيم, انه الشارع.
انه ليس الموت, انـه دكـان الفـاكهـة.
هناك عالم لانهار مصدعة,
ومسافات لا تُدرك,
في القائمة الصغيرة لهذه الهرة,
التي هشمتها السيارة,
وأنا أسمع غناء دودة الأرض,
في قلب طفلات كثيرات.
صدأ, تخمر, ارض مرتعشة,
ارض آنت ذاتك السابح
في أرقام المكتب.
ما الذي سأفعله؟ أأنسـق المشـاهد؟
أأرتب الكلمات الرقيقة, التي هي في ما بعد صور,
التي هي في ما بعد قطع خشب, وبصاق دم؟
سان ايغانثيو دي لوايولا
قتل ارتباً صغيراً
وما زالت شفتاه تئنان
في أبراج الكنائس.
لا. لا. لا. اني اتهم,
اني اشهر بمؤامرة هذه المكاتب الخاوية,
التي لا تعلم في الراديو عن الاختصارات,
التي تلغي مشاريع الغابة,
واقدم ذاتي لتأكلني البقرات المنتزعة الأمعاء,
عندما تملأ صيحاتها الرهيبة الوادي,
حيـث يسـكر الهدسـون من الزيـت.

حسين العراق
09-04-2006, 11:45 AM
يظلّ موضوع الموت من التيمات التي أغنت الإبداع اللوركي, بحيث إذا أراد الشاعر الإسباني فيديريكو غارثيا
أن يكتب شعراً من أجل الحياة فلا بد لذلك الشعر من أن يحمل بصمات الموت, وإذا كان غيره يبحث عنه في كتب الفلسفة والفكر، فهو يدركه في محيطه الخارجي: في أعراس بلاده وأفراحها قبل أحزانها وأتراحها, فلوركا ينتمي إلى "ثقافة الموت"

ما أعظمه مصارعاً في الساحة!
ما أعظمه جبلياً في الجبل
!ما أرقه مع السنابل
!ما أشده مع المهاميز
!ما ألطفه مع الندى!ما أبهره في المهرجان!
ما أهيبه مع آخ
ر!حراب العتمة!
بيد أنّه نام إلى الأبد
.الطحالب والأعشاب
تفتح بأصابع ثابتةزهرة جمجمته
.ودمه يسيل منشداً:
منشداً عبر المستنقعات والمروج
منزلقاً على قرون مشلولة.


شكرا مورينو العزيز , كان هذا جزءا من مقال لد.محمد عبد الرضا شياع
باحث وأستاذ جامعي عراقي في مجلة الصوت الاخر ..
شكرااا يا مبدع ..

الكون لهُ اسْرار
09-04-2006, 05:50 PM
حبي حيدر اشكرك على موضوعك الرائع ومجهودك المميز تحياتي لك رحيم العراقي غاليي هذة نبذة عن الناقد الادبي عبد الرضا شياع
الاسم:محمّد عبد الرّضا شياع.
- مكان وتاريخ الولادة: العراق 1962.
- الجنسية:عراقية.
*التّحصيل العلمي:
- دكتوراه الدّولة في الآداب: "النّقد الأدبي الحديث والمقارن" بتقدير حسن جداً(مع تنويه خاصّ من أعضاء لجنة المناقشة) - جامعة محمد الخامس- كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط - تاريخ المناقشة 29-05-2001.
- دبلوم الدّراسات العليا(السّلك الثّالث - الماجستير) في الآداب: "النّقد الأدبي الحديث والمقارن "بتقدير حسن جداً - جامعة محمد الخامس - كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط - تاريخ المناقشة23-02-1996.
-بكالوريوس آداب بتقدير جيد جداً - جامعة بغداد, كلية الآداب 1984.
*الأبحاث الأكاديمية:
-"الرّؤيا الشّعرية بين المبدع والمتلقي"- بحث لاستكمال متطلبات الحصول على "شهادة استكمال الدّروس"- "دبلوم الدّراسات المعمّقة"- بإشراف الأستاذ الدّكتور أحمد الطّريسي أعراب- جامعة محمد الخامس- كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط.
-"فيديريكو غارثيا لوركا وعبد الوهاب البياتي: دراسة في التّناص" رسالة لنيل دبلوم الدّراسات العليا(السّلك الثّالث- الماجستير) في الآداب بإشراف الأستاذ الدّكتور أحمد الطّريسي أعراب- جامعة محمد الخامس- كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط.
-"الخلفية النّصية الإسبانية والشّعر العربي المعاصر: بحث في التّفاعل النّصّيّ"- أطروحة لنيل دكتوراه الدّولة في الآداب بإشراف الأستاذة الدكتورة فاطمة طحطح- جامعة محمد الخامس- كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرّباط.
*الوظائف:
- يعمل أستاذاً جامعياً منذ عام1998 لغاية الآن 2006 في الجامعات الليبية.
- عمل رئيساً لقسم اللغة العربية من عام1999 لغاية 2001. كما عمل منسقاً للشؤون العلمية لقسمي اللغة العربية واللغات الأجنبية من عام2001 لغاية 2003.
* الدّراسات والمشاركات النّقدية:
- له العديد من الدّراسات والأبحاث النّقدية المنشورة في المجلات والدّوريات في عدد من الأقطار العربية.
- له ثلاثة كتب تحت النّشر.
- شارك في العديد من المؤتمرات والنّدوات العلمية.
- ترأس وشارك في لجان تقييم مسابقات علمية.

الكون لهُ اسْرار
09-04-2006, 06:17 PM
بنت دجلة مجهود يفرض نفسة تحياتي لك اختي

عروسة البحر
09-05-2006, 10:35 AM
ثلاثـــــ قصائــــــــد
مـــــن
ديــــــوان
" قصيــــدة الغنـــاء العميـــق "
Poema Del Canto Jondo
لشهيـــــد الكلمـــــــة
الشاعـــــــر
فبدبربكـــو غارسيــــا لوركــــا
Federico Garcia Lorca
05/60/1898 - 19/08/1936
بمناسبــــة الذكــــرى الثامنـــة بعـــد المائــــه
لميـــــلاده

ترجمهـــــا
عـــن
الإسبانيـــــــة
عبـــد الســــــلام مصبــــــاح



إضـــاءة

يحتفل عشاق الشعر؛ومعهم العالم، هذا الشهر بالذكرى الثامنة بعد المائة مائة بميلاد قامة شامخة في الشعر، إنخ شهيد الكلمة وعاشق الغجر
فيديريكــــو غارسيــــا لوركـــــا
فمـن هـو لوركــا؟
هو أحد أنشط أعضاء "جيل27 ". ولد في الخامس من يونيو1898 ب"فوينتي باكيروسFuente Vaqueros"؛ وهي قرية صغيرة تبعد عن غرناطة ، غرناطته، بعشرين كيلوميترات، من أب فلاح وأم مدرسة أدخلته إلى عالم المعرفة في سن مبكرة، ولم تكن تدري أنها بذلك حكمت عليه. كان والده يمتلك في تلك المنطقة الفلاحية الخصيبة أراض زراعية وضيعات...وسقط في فجر19 غشت من سنة1936 برصاصات آثمة رمته بها بنادق كتائبية حاقدة، خارج غرناطة؛ في منطقة "بيثنارViznar "تحت أشجار الزيتون؛ قرب نافورة،وهو لم يكتمل عقده الرابع.
نلقى دراسته في قريته ثم في "الميريا".أما المرحلة الثانوية فتابعها بغرناطة التي كانت أسرته قد انتقلت إليها؛ غير أنه لم يظهر اهتماما بدراسته، حيث كان همه الأكبر منصبا على القراءة الحرة وكتابة الأشعار إلى جانب العزف على البيانو، مما كان يغضب أساتذته؛ فكان ينال عقابا ظلت ذكرياته محفورة في أعماقه وفي كراسة يومياته: "إنني أعرف الكثير الكثير، لكن في المعهد كانوا يعطونني صفعات هائلة...".
وبعد نجاحه التحق بالجامعة ليدرس الأدب والفلسفة، وقد حدث لفتوره وقلة حماسته خلال هذه المرحلة أن رسب في مادة تاريخ اللغة الإسبانية، لكن الحدث لم يمر في صمت، كما يحدث مع غيره، فأساتذته استاءوا منه كثيرا،وأصدقاؤه استغربوا لما يعرفونه عنه من ذكاء حاد وذاكرة قوية يحسد عليها...أما الصحفي ج.م غانيدو فقد كتب مقالة، لنقل عنها مقالة تنبئية؛ ينبه فيها أساتذته هؤلاء إلى مكانة لوركا الأدبية، وأنه "سيأتي يوم يدرسون فيه شعره ويفسرونه من فوق منابرهم تلك...".
كان من عادة الجامعة أن تنظم، في نهاية كل سنة دراسية،رحلات استطلاعية تثقيفية لطلابها تحت إشراف أساتذة الجامعة أنفسهم، وفي إحدى تلك النهايات نظم "دومينكيث بارويطاDominguez Berueta"؛ أستاذ نظرية الأدب، رحلة إلى قشتالة والأندلس شارك فيها لوركا رفاقه، وقد كان من نتاجها كتابه الأول "انطباعات ومشاهدImpresiones y paisajes" الذي صدر في غرناطة سنة 1918 وهو في العشرين من عمره، وقد صدره بإهداء في ذكرى موت أستاذه "أنطونيو ساغوراAntonio Sagura" وإلى كافة الأصدقاء الذين رافقوه في الرحلة.
وفي سنة 1921 عقد صداقة عميقة وقوية مع موسيقار إسبانيا الكبير"مانويل دي فاياManuel de Falla"الذي تلقى على يديه دروسا في الموسيقى ساعدته على صقل موهبته الموسيقية ونمت في روحه تلك الرغبة الدفينة؛ فاستخدمها، كما ينبغي، في استيعاب وتسجيل الأغاني والألحان الشعبية؛ وبالأخص الأندلسية.
ظل هاجس خفي يعمل في نفسه، وطائر الأحلام يرفرف بأجنحته القزحية محاولا تكسير أسلاك ذاك القفص كي ينطلق بعيدا، بعيدا حيث الحب والدفء والخضرة، وحيث تتجمع كل العصافير المهاجرة حول ينابيع الضوء والمطر الأخضر...ظل هكذا زمنا إلى أن طار إلى مدريد واستقر بها، وفي سمائها لمع نجمه الأدبي وتألق.
ويوم22 مارس1920 تم عرض أولى مسرحياته "الرقية المؤذية للفراشةEl Maleficio de Mariposa" ، لكنها منيت بفشل ذريع، فبقي بعيدا عن المسرح سنوات، إلى أن عاد إليه في فترة كانت فيها إسبانيا يعيش بقوة الحديد والنار، في ظل الحكم القمعي الديكتاتوري لأحد أدعياء الأدب الفاشلين "بريمو دي ريفيراPrimo de Rivera"، فألف مسرحية "ماريانا بينيداMariana Pineda" التي استوحى موضوعها من تاريخ إسبانيا النضالي،وبالضبط من قصة فتاة كانت تسمى "مارياناMariana"، وهي أندلسية ، ومن غرناطة، أعدمت سنة1830
وإذا كانت أولى مسرحياته تعرضت للفشل وأخرسته زمنا؛ فإن ظهور ديوانه الأول " كتاب القصائدLibro de Poemas" سنة1921 بشر بميلاد شاعر جديد؛ كما كتب الناقد "أودولفو سالاثارSalazar" على صفحات جريدة "الشمسEl Sol"، ففيه تتجلى تلك الشفافية في الصور وتنوعها، والبساطة في الأسلوب وعفويته، وبعد قس الرؤى، وغنى في المعنى...إلى جانب نفس وجداني صادق مع إيقاع شبيه بأغاني القرويات وأغاني الغجر.
لقد كان للنجاح الذي حققه ديوانه الأول هذا أن تفتحت أمامه الآفاق الرحبة، وشرعت له أبوابها المنتديات والنوادي...كما انهالت عليه الدعوات ليلقي المحاضرات ويشارك في الأمسيات الشعرية، وأصبح له جمهور واسع يضم جميع طبقات الشعب: من الغجري البسيط إلى المثقف المتخصص؛ ومن جملة ما تلقى دعوة من المركز الفتي بغرناطة؛ حيث ألقى فيه محاضرة حول ديوانه الذي لم يكن قد صدر بعد"قصيدة الغناء الغجريPoena del Cante Jondo"، نظم على إثرها مهرجان كبير دام يومين؛ وكان من إشراف وتنسيق الموسيقار مانويل دي فايا.
وفي ربيع 1929 سافر إلى الولايات المتحدة مارا بباريس فلندن إلى أن وصل إلى عاصمة ناطحات السحب:نيويورك في يونيو؛ حيث عاش كطالب في جامعة كولوميا، ومن على منبرها أعاد بعض المحاضرات التي سبق
وألقاها بإسبانيا، ولحن بعض الأغاني التي استمد روحها من الموشحات الأندلسية ومن الفلامينكو إلى المغنية"أنطونيا ميرثيAntoňia Mirce"،ومن بينها :"الطحانون الأربعة" و"الحاجان الصغيران".
ولما كانت روحة التواقة دوما إلى الحرية، إلى الانطلاق، إلى التحليق بعيدا خارج أجوائها الطبيعية أحيانا، فقد تسلل مرة مبتعدا عن الجامعة، فقادته خطاه الشاردة إلى حي "هارلم"؛ الوجه المشوه والبشع لمدينة الإسفلت والحديد والورق...حيث تورق العفونة ويزهر البؤس والفقر...وحيث تتفتح عوسجات القتل المجاني، وتتأكسد التناقضات، وتتناسل وتتكاثر الخنافيس الإليكترونية في فضاءات الصخب الأسود، وحيث تتفجر أنهار الدم والعرق من أشلاء أجسام الزنوج المتآكلة، وحيث يباع اللحم القديد يثمن بخس، ويدرك الأطفال لحظة الولادة أن لا فردوس هناك ولا حب مجرد، ويعرفون أنهم إلى وحل الأرقام والقوانين العقيمة سوف يذهبون...احتك لوركا بسكان "هارلم" المضطهدين والمصلوبين دوما على أسنة الحياة،وعايش فقرهم الزنجي، ولاعب الأطفال...عاش حياتهم المريرة ورأى عذاباتهم السيزيفية اليومية، فأحس كأنه في غابة نأكل ذئابها خرفانها الوديعة، ورأى كيف تحول المادة الإنسان إلى آلة، إلى رقم، إلى لا شيئ...وكيف تقتل مدينة الورق والإسمنت والحديد إنسانية الإنسان وتمسخ روحه، طهره، براءته،
بساطته، تلقائيته...وقد كان من ثمار هذه الزيارة/الصدمة واحدة من أروع قصائد ديوانه "شاعر في نيويوركPoeta en Nueva York"،وهي قصيدة "نشيد إلى ملك هارلم Oda al Rey Harlem".
وحين زحف صيف 1930 عاد إلى وطنه بعد زيارة قصيرة إلى كوبا...وفي 24 دجنبر من نفس السنة قدمت له مسرحيته "الإسكافية العجيبة"على خشية المسرح الإسباني، ثم ألقى في"إقامة الطلبة" محاضرة حول ديوانه "شاعر في نيويورك" مع قراءة شعرية.
كما قام بجولة مسرحية على رأس فرقة تتألف من الطلبة ومن الفنانين المحترفين ، قدمت خلالها مسرحية"الكوخ"، وقد كان الغرض من هذه الجولة نقل المسرح إلى أبعد قرية، وحتى لا يبقى محتكرا من فئة قليلة.
غير أن عصفوره الداخلي اشتاق إلى نار السفر المقدسة، وحن إلى التحليق في الأجواء البعيدة، البعيدة جدا...غير الأجواء التي تعود عليها؛وهكذا ركب في"عربة من مياه سوداء"؛ وعاد في صيف 1932 إلى أمريكا، وهذه المرة إلى الجنوبية، حيث زار البرازيل، الأوروغواي، الأرجنتين...وفي عاصمة هذه الأخيرة"بوينس أيريسBuenos Aires" استغلت إحدى الفرق المسرحية الكبرى هذه الزيارة وعرضت ثلاثة من أحسن مسرحياته وهي:"عرس الدمBodas de Sangre" و"الإسكافية العجيبةLa Zapatera Prodigiosa" و"ماريانا بينيدا
Mariana Pineda"، كما أعاد المحاضرات التي سبق وألقاها في كل من إسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية.
ولكن أكبر كسب حمله معه عند العودة إلى وطنه هو ذاك التعارف المثمر والمتميز، ونلك الصداقة الحميمية التي ربطته بشاعر الشيلي العظيم "بابلو نيروداPablo Neruda" (12/07/1904 – 23/09/1973) الحائز على جائزة نوبل للأدب 1971 ، والتي سجلها كل واحد منهما بأسلوبه الخاص وطريقته المميزة الفريدة. ففي الفصل من مذكرات بابلو نيرود " أعترف أني عشتConfio que he vivido" والمعنون ب"إسبانيا في القلبEspaňa en el Corazón" نجد تسجيلا حيا لذلك اللقاء التاريخي وكأنهما صديقان منذ زمان؛ ذلك أن شهرتهما كانت السباقة، حتى أنهما بادرا جمهور الحضور بمفاجأة أخرست البعض وأدهشت البعض الآخر، وذلك من خلال الحفل ألتكريمي الذي أقامه على شرفهما "نادي القلم" في فتدق "بلاثاPlaza"، وذلك لإفشال مناورة الخصوم.
وحين اغتيل لوركا رثاه نيروذا بقصيدة غاضبة أشد الغضب، نقم فيها على كل شيء ، فقد كان موته المفاجئ وهو في تلك السن وفي أوج عطائه رمية أصابت نصالها منه الصميم.
وفيديركو غارسيا لوركاFederico Garcia Lorca شاعر ومسرحي؛ بل إنه شاعر الأساطير،وشعره فيجوهره رمزي؛ خلف مظهر الفولكلوري والشعبي،:بساطة في الأسلوب وبعد في الرؤى .أعماله تكشف عن مأساة كائن معذب. فلوركا دوما يعارض غريزيا وبصفته الإنسانية تقاليد المجتمع الهشة. من هذا التوتر تتدفق أعماله المتميزة الرمزية، وعالمه هو الليل بكل مهمشيه والمصلوبين على أرصفته. الليل المسكون بأحصنة سوداء حالمة، ليل مقمر دائما وأنثوي لكل مجدب وعقيم..
وقاموس لوركا اللغوي غني بالمفردات العربية: قصر، ياسمين، زيتون، طلح، ليمون، خرشوف، عنبر...حتى كتبه تحمل عناوين عربية: ديوان، قصيدة...
وصيـــــــة

حِيــنَ أَمُــوت ،
اِدْفِنُونِــي مَــعَ قِيثَارَتِــي
تَحْــتَ الرِّمَـــال .

حِيــنَ أَمُــوت ،
بَيْــنَ الْبُرْتُقَـــالِ
وَالنَّعْنَـــاع .

حِيــنَ أَمُــوت ،
اِدْفِنُونِــي إِنْ شِئْتُــم
ِــي دَوَّارَةِ الْهَــوَاء .

حِيــنَ أَمُــوت .

MEMENTO


Cuando yo me muera ,
enterradme con mi guitarra
bajo la arena .

Cuando yo me muera ,
entre los naranjos
y la hierbabuena .

Cuando yo me muera ,
enterradme sí queréis
en una veleta .
Cuando yo me muera

آه!...


تَتْــرُكُ الصَّرْخَــةُ فِـي الرِّيــحِ
ظِــلاٌّ لأَشْجَــارِ السَّــرْوِ .

( دَعُونِــي فِـي هَـذَا الْحَقْــلِ
أَبْكِــــي)

كُــلُّ شَــيء فِـي الْعَالَــمِ مَكْسُــورٌ .
لَـمْ يَبْــقَ سِــوَى الصَّمْــت .

( دَعُونِــي فِـي هَـذَا الْحَقْــلِ
أَبْكِــــي)

الأُفُــقُ بِــلاَ نُــورٍ
لَسَعَتْــهُ النِّيــرَان .

( لَقَــدْ قُلْــتُ لَكُــم ْ
دَعُونِــي فِـي هَـذَا الْحَقْــلِ
أَبْكِــــي)


! A Y !


El grito deja en el viento
una sombra de ciprés .

(Dejame en este campo
llorando)

Todo se ha roto en el mundo .
No queda más que el silencio .

(Dejame en este campo
llorando)

El horizonte sin luz
está mordido de hoguera .

(Ya os dicho que me dejéis
en este campo
llorando)



شبيليـــــة

اِشْبِيلْيَـة
بُـرْجٌ يَعُـجُّ بِرُمَـاةٍ مَاهِرِيـن.

اِشْبِيلْيَـةُ مَوْطِـنُ الْجِـرَاح
قُرْطُبَـةُ أَرْضُ الْمَمَـات.

مَدِينَـةٌ
تَتَرَصَّـدُ إِيقَاعَـاتٍ مَدِيـدَة
وَتَطْوِيهَـا كَمَتَاهَـاتٍ،
كَسِيقَـانِ دَالِيَـةٍ مُلْتَهِبَـة.

اِشْبِيلْيَـةُ مَوْطِـنُ الْجِـرَاح

تَحْـتَ قُبَّـةِ السَّمَـاء
فَـوْقَ سَهْلِهَـا النَّقِـي
تُطْلِـقُ الْمَجْـرَى الدَّائِـمَ
لِنَهْرِهَـا الْمُسْتَمِـر.

قُرْطُبَـةُ أَرْضُ الْمَمَـات.

وَمَجْنُونَـةٌ بِالأُفُـق
تُمْـزِجُ فِـي نَبِيدِهَـا
مَـرَارَةَ دُونْ خْـوَان
وَعَظَمَـةَ دْيُونِسِيـس.

اِشْبِيلْيَـةُ مَوْطِـنُ الْجِـرَاح
قُرْطُبَـةُ أَرْضُ الْمَمَـات.

SEVILLA

Sevilla es una torre
llene de arqueros finos.

Sevilla para herir,
Córdoba para morir.

Una ciudad que acecha
largos ritmos,
y los enrosca
como laberintos.
Como tallos de parra encendeda.

Sevilla para herir,

Bajo el arco del cielo,
sobre su llano limpio.
dispara la constante
saeta de un rio.

Córdoba para morir.

Y loca de horizonte,
mezcla en su vino
lo amargora de Don Juan,
y lo perfecto de Dionisio.

Sevilla para herir,
Córdoba para morir.

ارجوانة البصره
09-05-2006, 02:32 PM
شكرا حبيبتي على هذا التقرير

حنين العراق
09-06-2006, 07:00 AM
ما اروع ان اقرأ لك يا شاعري الثوري
واي الكلمات التي تحب ان اقدمها لك
فكل كلماتي لا تساوي شيء يا لوركا الحبيب

شكرا الك يا غالية
تحياتي

Guevara17
09-06-2006, 07:20 AM
الرائعة المبدعة نورا

شكراااااا لك على التقرير الرائع والجميل والقصائد الروعة باللغتين العربية والاسبانية لافضل شعراء الكون اطلاقا .. لوركا من لا يعرفه لا يعرف الشعر

عروسة البحر
09-06-2006, 10:26 AM
شكرا لكم على المرور
تحياتي

الورده السامه
09-10-2006, 04:51 AM
اشكرج اختي الغاليه

تحياااااااااااااااتي

عروسة البحر
09-12-2006, 07:05 PM
شكرا ورده على المرور
تحياتي

عاشقة دجلة / المسسبي
09-13-2006, 05:54 PM
مشكوووووووووووووووووووووورة حيل اني مجنت اعرفه للوركا هسة يللة عرفته عاشت ايدج

عاشقة دجلة / المسسبي
09-13-2006, 06:42 PM
مشكووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووو ووور موضوع رائع بداعة عاشت ايدك

حنين العراق
09-14-2006, 09:20 AM
لا ادري اروع كتاباتك هي عن لوكا
تحياتي

عروسة البحر
09-14-2006, 12:19 PM
شكرا لمروركِ
تحياتي لكِ

ೋ ياقوتـــة دجــلة ೋ
09-15-2006, 10:34 AM
تَتْــرُكُ الصَّرْخَــةُ فِـي الرِّيــحِ
ظِــلاٌّ لأَشْجَــارِ السَّــرْوِ .

( دَعُونِــي فِـي هَـذَا الْحَقْــلِ
أَبْكِــــي)

كُــلُّ شَــيء فِـي الْعَالَــمِ مَكْسُــورٌ .
لَـمْ يَبْــقَ سِــوَى الصَّمْــت .

( دَعُونِــي فِـي هَـذَا الْحَقْــلِ
أَبْكِــــي)

الأُفُــقُ بِــلاَ نُــورٍ
لَسَعَتْــهُ النِّيــرَان .

( لَقَــدْ قُلْــتُ لَكُــم ْ
دَعُونِــي فِـي هَـذَا الْحَقْــلِ
أَبْكِــــي)



الله فعلا شاعر عظيم شكرا عالمعلومات الحلوة عاشت الايادي

عروسة البحر
09-15-2006, 12:02 PM
شكرا على المرور
تحياتي

دمعة طفله
09-22-2006, 09:53 PM
نــورا

سلمتي ما ننحرم منك

دمتي بخير http://www.z3lan7.com/vb/images/smilies/Co0oL/schmoll.gif

مثنى بغداد
09-24-2006, 03:06 AM
حلوه ياورا تحياتي يامبدعه تقرير رائع
موري اني ماعرفها ههههههههههههههههههه

عروسة البحر
09-29-2006, 02:04 AM
شكرا لكم على المرور
تحياتي

شجــن العراق
10-20-2006, 06:30 PM
حِيــنَ أَمُــوت ،
بَيْــنَ الْبُرْتُقَـــالِ
وَالنَّعْنَـــاع .


الله ,, احسنتي اختي الكريمة

واجدتي النقل ....

تحياتي لكي

عروسة البحر
10-21-2006, 01:46 PM
شكرا شجونه على المرور الرائع
تسلمين
تحياتي

زينة مطر
10-21-2006, 07:18 PM
ما اجمل هذا الشعر

شكرا يا نورة لانكي عرفتيني على هذا الفنان الجميل

اختك

زينة

عروسة البحر
10-22-2006, 12:51 PM
مشكووره على مرورج
تحياتي

ziyad_zayona_ZZR3
11-03-2006, 12:10 AM
اشت الايادي كلمات جميله جداا وروعه في التعبيرتحياتي لكي ودمتي بخيرررررر