المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : باجي دولت، .امرأة جسدت الموروث الشعبي التركماني..



ೋ ياقوتـــة دجــلة ೋ
05-23-2008, 05:23 PM
باجي دولت، امرأة جسدت الموروث الشعبي التركماني..


عن نصرت مردان ـ جنيف بتصرف


http://www.mesopotamia4374.com/adad2/bajedawlat_bestanden/image002.jpg


كان الجميع ينادونها بـ (باجي دولت) احتراما، أي ( الأخت دولت).
كانت تقيم في المنزل رقم 29 بمحلة (بكلر ـ كركوك) لوحدها.
بعد فقدانها لأولادها الثلاثة في الحرب العالمية الأولى،
ولربما من الخطأ القول هنا أنها كانت وحيدة.
ذلك لأن بيتها كان دائما مليئا بالزوار،
وخاصة فتيات الحي اللائي كن يأنسن لحديثها الخلاب ولمعرفتها بشؤون الحياة.
وكن يتحاورن معهن ويسألنها في فضول لا ينتهي
عن كل ما يتعلق من تقاليد شاعت أيام زمان،
وبادت مع الزمن.
.
.
.
.


.
.
.
كانت باجي دولت مغرمة بالأمثال وتعتبرها حكمة نطق بها الأوائل نتيجة خبرة حياتية. فإذا رأت خصلة شعر محدثتها منهمرة على عينيها
،كانت تبتسم وتقول، هذا يعني أن ثمة ضيف في طريقة إليكم.
وكانت تحرص على أن تودع من تحب بأن تصب إناءا من الماء خلفه كي يعود ثانية.
وكانت وهي تفعل ذلك لم تكن تنسى أن تقول،
نودع من نحب بالماء أما من لا نحب فيجب أن نقذف حسب عادتنا خلفه حجارة،
كي لا يعود ثانية.


لكنها ما تلبث أن تقول مستدركة،
لكنني لم أفعل ذلك قط، لسبب بسيط هو أن من لا أحبه لا يدخل هذا البيت.


كانت باجي دولت تحذر زوارها من نساء وبنات الجيران
من النظر إلى المرآة في الليل،
لأن مثل هذا العمل يؤدي إلى التغرب،


أما الذي يزرع حفنة من الحنطة في بيته فان ذلك سيؤدي عند اخضرار حبة الحنطة لانتقالهم إلى حي،
لن يرتاحوا فيه.








وحينما كانت إحداهن تعطس أثناء حديثا،
تعلق دولت باجي ( هاهو شاهد من الحق، لا تتعجلوا في اتخاذ القرار)..
أما إذا عطست مرتين متتاليتين، فأن ذلك فأل حسن.
وكانت تفسر طنين الأذن وهي تنظر إلى جليساتها: ( ثمة من يعاتبنا).
.
.
.
وفي عرف باجي دولت، فأن حكة باطن الكف تعني ( ثمة مال مقبل)
وهنا يجب تقبيل الكف ثلاث مرات.
ولا ينتهي تفسيراتها عند هذا الحد بل في عرفها،
يجب عدم إرسال أي شيء ابيض اللون وخاصة في المساء، إلى بيت الجيران
لأن ذلك يسبب ضررا لأهله.



وفي الحالات القصوى يجب إضافة أي شيء ذو لون اسود على كل من ما لونه ابيض، ليزال الشؤم بذلك.


فكانت مثلا تلطخ البيض الذي قد تحتاج إليه جارة من جارتها بأن تشطب عليه عدة خطوط سوداء أو تضع في إناء الحليب قليلا من سواد الفحم.
عند إساءة أحد من الجيران إليها لم تكن تقابل الإساءة بالكلام الجارح،
بل كانت تصعد إلى سطح بيتها بهدوء وترفع ( راية العباس)!!





حاملة الحب والحزن


بذاكرتي الطفولية أتذكرها بملابسها السوداء
التي كانت تلبسها حزنا على أولادها الثلاثة الذين قتلوا في الحرب منذ عقود،
ولم يراها أحد من أهل المحلة تلبس ملابس أخرى.
كانت تبدو وكأنها ذاكرة حية تسير على هدى ما قاله الأسلاف،
دون أن تجد في ذلك أي تناقض.
محاولة بذلك تطويع حياتها على ما قالوه أو ما سمعته منهم في زمن ما.
فالدجال سيظهر في آخر الزمان حيث يلفظ حماره بلحا وعنبا،
وستظهر للصبية الذي يتبعونه قرونا تطول بحيث تحول في نهاية الأمر بينهم وبين دخولهم المنزل لشدة طولها.


وزراعة البصل والثوم في البيت سيؤدي إلى انتقال أصحابه إلى منزل آخر لن يرتاحوا فيه.


ودهس الوسادة بالأقدام سيكون سببا في إصابة صاحبها بالصداع.


وسكب الماء الحار دون بسملة، يؤذي صغار الجن ويستوجب نقمتهم من أطفال البيت.






في الحي عند خسوف القمر الذي كانت باجي دولت تفسره على أن
( الديو ـ المارد ـ ابتلع القمر)، كان الرجال يطلقون النار،
والصبية نطرق بعود على صفائح فارغة لإخافة (الديو)
حتى يطلق سراح القمر المسكين، ليعود الينا بنوره الوضاء.




كانت باجي دولت تبدو في حياتها اليومية وعلاقتها مع نساء المحلة أشبه بموسوعة حية في كل شؤون الحياة.



رغم كبر سنها لم تتخلف قط عن المشاركة في التنزه في البساتين والحقول
( جرشمبه سور) التي كانت منتشرة بكركوك مثل بستان مار يوسف،


وملا عبدالله تبه سي ( تلة ملا عبدالله)، صونا كولي، تسين باغي وغيرها،


حيث تلمع السماورات ببريق الذهب.
وكان من الطبيعي أن يحيط الشباب بالتجمع النسائي هذا، م
تأملين المتنزهات من الفتيات بعيون ظامئة للحب، مرددين الأغاني الفولكلورية التي تكشف عن مشاعرهم :


چیختم کلیسه داغنه باختم دورتلر باغنه
گوزوم یار یرین گوردی دوندو قان چناغنه
(الترجمة العربية)
صعدت إلى جبل الكنيسة ونظرت إلى حديقة ( دورتلر)
تحولت عيوني إلى ينبوع دم لما رأت مكان الحبيبة








كالنساء الأخريات ورغم كونها طاعنة في السن،
كانت تزور المقابر في يوم عرفة : مقبرة الشيخ محي الدين ومقبرة ملا عبدالله
وعلي باشا والشهداء وسيد علاوي وبابا فتحي وغيرها.



من تقاليد صباح العيد في كركوك،
قيام ربات البيت بأعداد الطعام وقت الفطور،
حيث يتناول أهل الدار الطعام صباحا.
ومن الأكلات التقليدية صبا ح العيد : التمن والفاصوليا أو الباميه أو أكلة ( القيسي ـ المشمش). كانت باجي دولت حريصة على إعطاء ( خرجية العيد)
مهما كان المبلغ ضئيلا.



واذا تعذر عليها ذلك كانت تملأ جيوب الأطفال بالجكليت أو الكليجة أو الكرزات.




كانت النساء يبالغن في ارتداء الذهب. في مثل هذه الأيام،
كانت باجي دولت تكتفي بالنظر إليهن مع ابتسامة يحار المرء في تفسير معناها قائلة :
ـ في حياتي لم أتجمل ولم ألبس الحلي.



تقول ذلك وهي تدير نظراتها الفاحصة على النساء المتبرجات والمتحليات بالحي،
وهي ترى كل من حولها تتباهى بأقراطها ( التراجي ـ صرغا)،



ورغم زهدها في الحياة بسبب ترملها في سن الشباب
ووفاة أبنائها الثلاثة،


فقد كانت ترى ضرورة أن تتزين المرأة لزوجها حتى يبقى وفيا لها.




كما كانت توصي الصبايا من بنات الجيران،
على تحنية أقدامهن وأكفهن بالحنة ( خننا)



ولم تكن تهتم بالوشم في الوجه أو اليدين،


حيث من النادر أن يرى المرء نساء التركمان في كركوك موشوما ت الوجه أو اليد.





وكانت تروي حكايات طريفة عن سبل اختيار العروس في زمنها،
التي يجب أن تكون قبل كل شيء عفيفة ومن أسرة كريمة.
وكانت تحكي طرفا من حكايات (الخاطبات) اللائي كم يقمن بطرق الأبواب
بحجة طلب طاسة من الماء،
بينما الهدف الحقيقي هو البحث عن عروس،
فكانت الخاطبة بعد أن تشرب الماء من يد الفتاة،
تجد حجة لتقبيلها من وجنتيها للتأكد من راحة فمها.




وفي مواصفات أيام زمان التي كانت متجسدة دوما في ذاكرة باجي دولت، كانت الفتاة توصف في المجتمع التركماني،
بأن الشمس لم ترى وجهها (دلالة على العفة وعدم خروجها من البيت).



وكان بيت العروس يصرفون ثمن المهر حتى آخر فلس فيه لإعداد بيت الزوجية.
قبل الزواج بثلاثة أيام كان يتم إعداد ليلة الحنة.
حيث كانت الحنة تعد داخل إناء في بيت إحدى صديقات العروس.
وكانت نساء الحي يتوجهن إلى بيت العروس بالحنة.
كانت العروس تجلس على كرسي بينما تقوم إحدى النساء بوضع الحنة على يدها وقدميها.
وعندما كانت اليد تحنى كفها الأيسر.
لم تكن تعطيها إلى أية امرأة لأن ذلك قد يؤدي إلى إصابتها بالعقم.



وكان يتم وضع قطعة ذهب في داخلها،


ولم تكن العروس تفتح كفها إلا وضع فيها تلك القطعة.







تسألها صبية متوردة الوجنات :
ـ باجي دولت ألم تبكي أولادك ؟
ترد عليه بوقار :
ـ بكائي كان بكاء أم، أي بكاء( جواني) لا مكان للدموع فيه. بكاء الأمهات ليس دائما بدموع منهمرة، فالدموع أحيانا قد تكون كاذبة. أما بكاء الصادق فهو بكاء القلب الذي يرافق الأمهات حتى القبر. وقانا الله من بكاء الأمهات.


ثم تستمر بالحديث وهي تغوص في بحر الذكريات والأيام الخوالي :
ـ حفيدي (شكر) كان اشقرا، طويل القامة كشجرة سرو. لم تر عين أجمل منه حينما كان يلبس ( زبون جكت ـ الصايه والزبون) كان له مقهى في ( جرت ميداني). ابتلى بشرب الخمرة لعنها الله وبالتدخين. في يوم بينما هو متمدد في الفراش على السطح وهو يدخن، أخذته الغفوة وسقطت السيكارة اللعينة من بين أصابعه على فراشه. رأيته يحترق كالشمعة.
ـ كيف تحملت هذا الألم يا باجي دولت ؟
ـ يا بنيتي الأولاد أمانة الرب في يد الأم، وهو يسترجعها عندما يشاء.
ـ لكن والدي قال لي أنهم أطلقوا عليك أثناء الحرب لقب
( صاج قالديران ـ حاملة الصاج) !
يظهر ظل ابتسامة على وجهها المتغضن :
ـ في الجبهة كنت أهيء النار من الأعشاب والحطب لإعداد الطعام. وفي الأوقات الاعتيادية كانت النار تظل مشتعلة طوال اليوم. أما في حالة هجوم العدو فكنا ننسحب. وقبل الانسحاب كنت أملأ ( الصاج) بالتراب وأضع فوقه الحطب المشتعل حتى لا يستفيد منه العدو، وخاصة في أيام البرد القارس.




::57::

علاء المالكي
05-23-2008, 05:44 PM
شكرا لكي ياقوته دجلة على المعلومات الرائعة ..باجي دولت امراة عظيم سجلت بتاريخ التركمان ..

R O M A N T i K
05-23-2008, 05:46 PM
نورتي المنتدى بوجودكي
عاشت الايادي ياقوتة على الموضوع الراقي ان شاءالله الكل تستفيد

eline saglik yakuta cok guzel
sagygilarimla

مراد التركماني
05-23-2008, 09:28 PM
شكراً ياياقوتة
فعلاً هذه ألامثال لحد يومنا هذا ينكال

♥ M!ss CuTe ♥
05-23-2008, 10:00 PM
عاشت الايادي البديعه لما نقلت لنا من التراث التركماني البديع

حقيقتا اتحفتيني بالامثال والحكايه الرائعه

تـــ ح ـــياتي غاليتي

النظرة الاولى
05-23-2008, 11:39 PM
عاشت ايدج عالمعلومة المفيدة عزيزتي ياقوتة

صدك موضوع شيق عن تراث التركمان وشخصيات التركمان

تقبلي تواجدي

هلاوي
05-26-2008, 11:58 PM
شكرا عالمعلومات الحلوةمنكم عالشخصيات التركمانية

اميرة كركوك
05-27-2008, 01:54 AM
موضوع جدا رائع و معظم هاي المعتقدات ماشية لحد هسة

عاشت ايدج حياتي موضوع حلو جدا و راااااااااااااااااائع

ೋ ياقوتـــة دجــلة ೋ
07-09-2008, 02:28 PM
شكرا على قراءتكم الموضوع وردودكم الحلوة