المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شاعر المهجر ينادي يادجلة الخير للجواهري


طائر العشق
04-11-2008, 05:28 AM
‏ يقول الجواهري :
حيّيتُ سفْحكِ عن بعدٍ، فحيّيني يا دجلة الخير، يا أمَّ البساتينِ
حيّيْتُ سفحكِ ظمآناً ألوذُ به لوْذَ الحمائم بين الماءِ والطينِ
يا دجلةَ الخير يا نبْعاً أفارقُهُ على الكراهةِ بين الحين والحينِ
إنّي وردْتُ عيون الماءِ صافيةً نبْعاً فنبْعاً، فما كانت لترويني
وأنت يا قارباً تلْوي الرياحُ بهِ ليَّ النسائمِ أطرافَ الأفانينِ(1)
وددْتُ ذاك الشراع الرّخصَ لو كفني(2) يُحاكُ منه، غداة البيْنِ، يطويني
يا دجلة الخير: قد هانت مطامحُنا حتى لأَدنى طِماحٍ غيرُ مضمونِ
أتضمنين مقيلاً لي سواسيةً بين الحشائشْ أو بين الرياحينِ
خِلْواً من الهمِّ إلا همَّ خافقةٍ بين الجوانح أعنيها وتعْنيني
تهزّني فأجاريها فتدفعُني كالريح تُعْجلُ في دفع الطواحينِ
* * *
يا دجلة الخير: يا أطياف ساحرةٍ يا خمر خابيةٍ في ظلّ عُرجونِ(3)
يا سكْتَةَ الموتِ، يا أطيافَ ساحرةٍ يا خنْجَر الغدر، يا أغصان زيتونِ
يا أمّ بغدادَ، من ظَرْفٍ ومن غَنجٍ متى التبغْددُ حتى في الدهاقينِ(4)
يا أمّ تلك التي من (ألف ليلتها) للآنَ يعبقُ عطرٌ في التلاحينِ
يا مُسْتجمَّ (النواسيّ) الذي لبستْ(5) به الحضارة ثوباً وشْيَ (هارون)(6)
الغاسلِ الهمّ في ثغرٍ وفي حَببٍ والمُلْبسِ العقْلَ أزياءَ المجانينِ
والسّاحبِ الزقّ يأباهُ ويُكرِههُ(7) والمُنْفقِ اليوْمَ يُفْدَى بالثلاثينِ(8)
والرّاهنِ السّابريَّ الخزّ في قَدحٍ(9) والمُلهمِ الفن من لهوٍ أفانينِ
والمُسمعِ الدّهرَ والدنيا وساكنَها قرْعَ النواقيسِ في عيد الشّعانينِ(10)
* * *
يا دجلةَ الخير: ما يُغْليكِ من حَنقٍ يُغلي فؤادي، وما يُشجيكِ يُشجيني
ما إن تزالُ سياطُ البغْى ناقعةً في مائكِ الطُهرِ بين الحين والحينِ
ووالغاتٌ خيولُ البغْيِ مُصبحةً على القُرى - آمناتٍ - والدهاقينِ
يا دجْلَة الخير: أدري بالذي طَفحتْ به مجاريك من فوقٍ إلى دُونِ
أدري على أيّ قيثارٍ قد انفجرتْ أنغامُكِ السمّرُ عن أناتِ محزونِ
أدري بأنك من ألفٍ مَضَتْ هَدراً للآنَ تهزْينَ من حكمِ السلاطين
تَهزين أنْ لم تَزَلْ في الشرق شاردةً(11) من النواويس أرواحُ الفراعينِ(12)
تهزين من خِصْب جنّاتٍ مُنثرةٍ على الضفافِ ومن بُؤسِ الملايينِ
تهزيْنَ من عُتقاءٍ يوم ملحمةٍ(13) أضفوْا دروع مطاعيمٍ مطاعينِ
الضارعين لأقدارٍ تحِلُّ بهمْ كما تلوّى ببطن الحوت ذو النونِ
يروْن سود الرزايا في حقيقتها ويفزعون إلى حدْسٍ وتخمينِ
والخائفين اجتداع الفقر مالهمو والمُفضلينَ عليه جَدْعَ عِرْنينِ(14)
واللائذين بدعوى الصبر مَجْبنةً مستعصمين بحبْلٍ منه موهونِ
والصبرُ ما انفكّ مرداةً لمحتربٍ(15) ومستميتٍ، ومنجاةً لمسكينِ
يا دجلةَ الخير: والدنيا مفارقةٌ وأيّ شرٍّ بخيرٍ غيرُ مقرونِ
وأيُّ خيْرٍ بلا شرٍّ يُلقّحهُ طهْرُ الملائكِ من رجْسِ الشياطينِ
يا دجلةَ الخير: كم من كنْز موهبةٍ لديْكِ في (القُمْقُمِ) المسحور مخزون
لعلّ يوماً عصُوفاً جارفاً عرساً آت فترضيك عقبان وتُرضيني
يا دجلةَ الخير: إن الشعر هدهدةٌ للسمع، ما بين ترخيمٍ وتنوين
عفْواً يردّد في رَفْهٍ وفي عَللٍ لحن الحياة رخيّاً غَيْرَ ملحونِ
يا دجلة الخير: كان الشعر مُذْ رسمتْ كفّ الطبيعةِ لوْحاً (سفرَ تكوينِ)
يا دجلة الخير: لم نصحبْ لمسْكنةٍ لكنْ لنلْمِسَ أوجاعَ المساكينِ
هذى الخلائقُ أسفارٌ مُجسّدةٌ المُلهمونَ عليها كالعناوينِ
إذا دجا الخطْبُ شعَت في ضمائرهم أضواءُ حرْفٍ بليل البؤسِ مرهونِ
دَيْنٌ لزامٌ، ومحسودٌ بِنِعمتهِ من راح منهم خليصاً غير مديونِ
* * *
يا دجلةَ الخير: هلا بعض عارفةٍ(16) تُسدى إليَّ على بُعدٍ فَتجْزيني
يا دجلةَ الخير: منّيني بعاطفةٍ وألهميني سُلواناً يُسلّيني
يا دجلةَ الخير: من كلّ الاُلى خبروا بلوايَ لم أُلْفِ حتّى مَنْ يُواسيني
يا دجلةَ الخير: خلِّي الموج مُرتفعاً طيفاً يمرُّ وإن بعْضَ الأحايينِ
وحمّليه بحيثُ الثلجُ يغمُرني دفْءَ (الكوانينِ) أو عطر (التشارين)(17)
يا دجلةَ الخير: يا مَن ظلَّ طائفُها عن كلّ ما جلت الأحلامُ يُلهيني
لو تعلمين بأطيافي ووحشتها وددّتِ مثلي لو أنّ النوْمَ يجفوني
يا دجلةَ الخير: خلّيني وما قَسمت لي المقاديرَ من لدْغِ الثعابينِ
-
(1) الأفانين والأفنان: الأغصان.
(2) الرّخص: الناعم.
(3) الخابية: وعاء من الفخار يُعتّق فيه الشراب. العرجون: عذْق النخل إذا يبس واعوجّ.
(4) التبغدد: تقليد أهل بغداد ومحاكاتهم في عاداتهم وتحضّرهم.
الدهاقين: جمع دهقان: رئيس المدينة أو القرية (فارسية معرّبة).
(5) النواسي: أبو نواس.
(6) هارون: هارون الرشيد.
(7) الزق: وعاء من الجلد يتخذ للماء والخمر.
(8) بالثلاثين أي بالثلاثين يوما مجموع أيام الشهر.
(9) في هذا البيت إشارة إلى قول أبي نواس من قصيدة له وقد رهن ثيابه الثمينة كلها ومن بينها خلع العباسيين عليه.
(10) عيد الشعانين: من أعياد النصارى.
(11) تهزيْن: تهزئين (بتسهيل الهمزة).
(12) النواويس: التوابيت.
(13) العتقاء: من يؤسرون ثم يطلق سراحهم.
(14) جدع عرنين: يقال جُدع عرنينه أي قُطع أنفه.
(15) مرداة: مهلكة.
(16) العارفة: الفضل والإحسان.
(17) الكوانين: جمع كانون وهو الموقد

رياحين
04-11-2008, 08:27 AM
بحث راائع ....

تحياتي وشكري لك اخي طائر العشق
دمت مبدعا ...

شوق بغداد
04-11-2008, 05:50 PM
موضوع بغاية الروعه
وبحث جميل جدا
مشكور على هذا المجهود
يعطيك الف عافيه
تقبل مودتي

ابن الرافدين الحبيبين
04-12-2008, 12:48 AM
بحث جميل وفي مقة الرقي والابداع
تقبل تحياتي سيدي الفاضل
ومشكور على البحث الرائع
أخاك
ابن الرافدين الحبيبين

طائر العشق
04-12-2008, 12:48 AM
اميراتي وهمسات القوافي واميرات الحروف شكرا للمرور وشكرا للعذوبة الكلمات وشكرا للعبارات الرقيقة واجادة التعبير شكرا جزيلا واقف عاجز عن الامتنان لكن رياحين الخير واشواق بغداد شكرا جزيلا

لمحة امل
04-25-2008, 10:33 PM
انها من القصائد القريبه الى قلبي للشاعر الجواهري احسنت الاختيار

طائر العشق
04-26-2008, 02:39 AM
تشعرني بالامل بحلها وترحالها شكرا لكي يا لمحة الامل وهمسة القلوب البرئية شكرا على مرورك

بغداديه
05-10-2008, 11:29 PM
الله طبعا كلش احبهة للقصيدة احسنت الاختيار يامبدع تسلم

طائر العشق
05-11-2008, 01:46 AM
لان انتي حلوة ورقيقة وجميلة لذلك تعشقين الجمال شكرا على مرورك

҉ Fiore d'amore ҉
05-13-2008, 01:13 AM
عاشت الايادي القصيدة رائعة ومنتهى الجمال تحياتي

طائر العشق
05-13-2008, 03:22 AM
الاميرة المشرقة بمنتدى دجلة يا بلسم الكلمات وعذوبة الحروف وعطر الورود شكرا على كلماتك وشكرا على مرورك snow مشرقة دائما دمتي بود