رحيم العراق
10-15-2006, 12:24 PM
بعد أن رأيت احد الأخوة ممن ينتسب أو ينسب نفسه الى احد الأديان ويشن هجوما ليس بدافع الحوار البناء وضعت بحثا ليفهم من يريد أن يفهم كيف هي نظرة الأسلام المحمدي الأصيل ومذهب اهل البيت عليهم السلام كمختصر لدفع بعض الشبهات التي يسوقها هذا الأخ وغيره سائلا الباري أن يتقبل انه هو السميع البصير
تصريحات بوش الاخيرة حينما ربط الاسلام بالشوفينية بلا تحديد واضح من ان التصريح تعميم ام تخصيص، ام انه تصريح يرتبط بالتاريخ او العقيدة.
وعلى كل حال فنحن نود ان نبين ان الاسلام دين كبقية الاديان نتعتقد على الاقل كمسلمين انه دين الله الخالق المدبر للكون العالم الذي اراد لهذه البشرية ان تتبع النبي محمد (ص) وانه القدر على ان ينفذ ارادته في الكون والحياة متى اراد ومتى شاء.
والمتتبع للتاريخ ان الرسول جاء بالكتاب المنزل عليه من ربه وهو الدستور الذييقوم عليه الاسلام وهو منهج المسلمين، وقد وردت الكثير من الايات التي تناولت نظرةالاسلام تجاه اهل الكتاب من اليهود
والنصارى والصابئة وسائر الاديان من اهل الكتابونحن بدورنا اتحفنا بحثنا المتواضع ببعضها مع بيان تفسيرها الموجز معتمدين على احدثالتفاسير وهو تفسير الميزان للعلامة محمد حسين الطباطبائي الحكيم.
ومن الجدير بالذكر ان المسلمين لم يدخلوا في حروب مع النصارى طيلة حياة الرسولمحمد (ص) وكذلك فانهم لم يدخلوها زمن الخليفة الراشد الامام علي عليه السلام وعلىهذا الاساس لاينبغي تحميل الاسلام والمسلمين وبالخصوص الرسول(ص) والامام علي عليهالسلام ومن الجدير بالذكر ان هذين القائدين هم يمثلون مدرسة اهل البيت التي تعاملتمع اهل الكتاب بالحسنى حيث وضع الرسول (ص) اللبنات الاساسية لتنظيم العلاقة بينالمسلمين وبقية الناس من اهل الاديان واعطيت لهم الحقوق العامة والخاصة مع بعضالواجبات التي تتلائم وطبيعة الظروف السائدة انذاك وهي تشبه الى حد كبير ما يدفعهالمسلم من الضرائب للدول ذات الطبيعة المسيحية للتعايش والانسجام مع سياساتالدول.
فاليهودي والمسيحي له حق امتلاك الارض بيعها وشرائها داخل حدود الحكم الاسلاميكما له الحق في البيع والشراء والتجارة كما له الحق في ممارسة عبادته بالاضافة الىمايتمتع به من الحقوق الاخرى كالتنقل والزواج وقد سمح الاسلام بالعلاقات الاجتماعيةبينهم وبين المسلمين بالشكل الذي يحتفظ كل بخصوصياته دون المساس بالمشاعر الدينيةوالاعتقادية والاجتماعية والناس على مختلف عقائدهم مسؤولون امام القضاء للدفاع عنحقوقهم وهذا ماردنا توضيحه بايجاز.
ويعتبر القضاء اهم الوظائف لنشر العدل بين الناس في احترام العهود والمواثيقوالقانون بحيث يضمن استقرار حكومة العدل، ولم يمارس المسلمون زمن الرسول اي نوع منالاضطهاد تجاه معتنقي بقية الاديان بل انه وجد صراعا من اجل عدم نشر العقيدةالجديدة ونوعا من الاستخفاف والدسائس رغم انفتاح الاسلام وقيادته على الناس، ورغمهذه المواقف التي تبنتها قيادات الاديان انئذ الا ان المسلمين اهتموا بمقاومة ارهابالمشركين من بني امية وعبدة الاصنام ، وكما ان الامام علي بن ابي طالب وهو الخليفةالراشد اهتم بمحاولة تحقيق الامن الداخلي للدولة فحارب الناكثين للعهود والقاسطينوالخارجين.
ولقد كانت سياسات الائمة عليهم السلام من اهل بيت العصمة هي الانفتاحوالحوار والاقناع بالكلمة تجاه معتنقي بقية الاديان ولم يستخدموا السيف.
وقد دعا الرسول الاكرم محمد (ص) قيصر الروم وملك كسرى الى الدخول في الاسلامبالرسائل لابالسيف من اجل نشر ماراد الله نشره.
وقد بين الرسول الكريم ان عقيدةالاسلام هي عقيدة الاعتراف بالسل والانبياء الذين تقدموه فهو يعترف بنبوة موسى عليهالسلام وبنبوة عيسى عليه السلام وبنبوة يحيى عليه السلام ولايفرق بين احد منهم وانالتطور التاريخي للانسان والحياة اقتضت الارادة الالهية له ان يتطور باتجاه الاسلامالذي يمثل الامتداد الطبيعي لديانة يحيى وموسى وعيسى عليهم السلام.
وكما ذكرنا فان امر القضاء لهو اهم الامور التي تحقق العدل وحق الانسان لذلك عرفعن النبي صلى الله عليه وسلم بانه قبل القضاء حتى في حق نفسه ذلك من امر الذي طلبالاقتصاص من رسول الله(ص) فكشف (ص) ظهره للمشكي ليقتص منه فقبل هذا المشتكي ظهررسول الله بدل ان يقتص منه لما راى من عدالته وخلقه العظيم وكذلك ماحدث في خلافةالخليفة الراشد الامام علي عليه السلام من امر اليهودي الذي ادعى ان الدرع درعهوليس درع الامام فقبل دعوته وطلب الحكم بالشهادة وهي من شروط القضاء وهكذا فانالاسلام روج ومعنى جسدته القيادة الحكيمة المتمثلة بالنبي محمد (ص) وخليفته الراشدامير المؤمنين علي عليه السلام ولو تفحصنا تاريخ ائمة اهل البيت وماكان منهم مناحترام اهل الاديان والتناظر والحوار السلمي معهم فهناك الكثير من الروايات التيتفيد هذا المعنى ولم يختار الائمة عليهم السيف في حق اهل العقائد ولكنهم وقفوامناظرين ومحاججين لبيان الحقيقة ودعوة الناس الى الحق من دون قهر او جبر.
وانك حين تتحقق من سلامة مذهب الاسلام فانك ترى ان اهل الاديان من الذين يعيشونفي بلاد المسلمين فانهم يعيشون بسلام وامان مع المسلمين وخير مثال على ذلك حياة اهلالاديان في بلاد العراق وايران وسوريا ولبنان وغيرها من البلدان الاسلامية.
ونحن ندعو الرئيس الامريكي بوش الابن الى ان يلتقي برجال الدين ممن نثق بسلامةمنطقهم وفهمهم للدين والتاريخ الذين يستوجب العصر الذي نعيشه ان يتقارب الرجالالقادة السياسيين والدينيين ليحفظوا دماء الناس على مختلف اديانهم وليعيشوا بسلاموعدل وسعادة.
كما ندعو البابا بنديكتوس الى دعوة رجال الدين الذين نثق بهموالذين يعبرون عن حقيقة الاسلام وجوهره وفكره الصافي الذي لايدعو الى العنف ويدعوالى التسامح.
فلقد علمنا ان البابا قد خرج عنه مايدعو الى الضبابية في فهم الدين والتاريخويحتاج الى لقاءات مهمة مع القادة الدينيين والمفكرين وهو في نفس الوقت يحتاج الىدعوات سلمية للقاء بالمسلمين في بلدانهم لنشر الاخوة الانسانية من اجل نبذ العنفالمتبادل وتحقيق التعايش السلمي الذي لابد منه للتنعم بالحياة والاستفادة منثرواتها بالطرق السلمية واتلتعاون الاقتصادي وتبادل المنفعة وتحقيق الحرية الشخصيةفي العادات والتقاليد داخا المجتمعات وكل حسب طبيعته وتفكيره ونمط سلوكيته ومن دوناعتداء على الحقوق الشخصية واحترام الانسان بما يحقق له رضاه وراحته وهناءه. وساورد الملابسات التي نتجت عن تلك التصريات وردود الافعال ليسنى القاء الضوء على مستقبلالعمل من اجل السلام.
نحن نعتقد بان السيف لايكون دائما عيبا فلقد استعملهالقائد اسكندر المقدوني وكذلك استخمه بعض الانبياء كسليمان وداوود ولكن هل استخدموهفي الباطل ام لاجل رفع الظلم وتحقيق العدالة بوجه المعتدين وهكذا فلقد استخدمهالامام علي عليه السلام ضد الارهابيين المتصيدين والطامعين وهكذا استخدمه الرسول (ص) ضد الارهابيين الذين حرموه من حرية الاعتقاد ومنعوه من حرية التعبير لنشرثقافته الجديدة التي تدعو الى نشر مفاهيم العدل والسعي الى تحقيق السعادة بتحريرالعبيد وتحرير المراة ومنع وئدها ورعاية حقوق الاطفال والمعوقين وضمان حقوق العاملوالفلاح والاجير وصندوق مساعدة الفقراء والمحتاجين بسن الضرائب للميسورين من التجارواصحاب المهن وارباب العمل وتوزيع الثروة بشكل عادل من دون تراكم من خلال ماشرعهالاسلام من نظام المواريث وحقوق الازواج والافراد وتنظيم الحق العام الى غير ذلكمما لايتسع المجال لذكرها ودفعا للاطالة والملل.
والان يعلم الرئيس بوش وكذلك البابا بنديكتوس ان امريكا والدول التي يسودهاالدين المسيحي تشن حروبا بالسيف ضد الارهابيين افليس في نفسها انها تدافع عن نفسهاضد الارهاب لحماية شعوبها من سيف الارهاب فالسيف يقابل السيف وشتان بين سيف العدلوسيف الظلم، والحسن عليه السلام حمل السيف للدفاع عن الانسان ومشروعه الانساني بوجهسيوف الظلم التي تجمعت لقتله وقتل اصحابه فلا كل سيف يرمز للارهاب ولا كل سيف يرمزالى الحق فالحق والباطل في سجا ل منذ ان خلق الله الانسان ومنذ ان نشا الصراع بينقابيل وهابيل ابني ادم وحواء ولازال الصراع بين بني ادم . صراع بين القابيليينوالهابيليين، وبين اليزيديين والحسينيين وسيستمر هذا الصراع حتى يتحقق الاملالمنشود التي تطلع اليه البشرية وهو انصياعها الى المصلح العالمي الذي يشتاق اليهكل الضعفاء من بني ادم، ولابد للعالم ان يتعاون في سبيل الحق والعدل والسلام ضدالارهاب اليومي الذي يجري على ارض البسيطة وتراق فيه دماء الكثير من الابرياء.
لو تصفحت القران بالتدريج لوجت انه يتناول النظرة الى اهل الكتاب باحترام وتمييزبين الغث والسمين وثم يتناول اوضاع الكفار والمشركين ويدعوهم الى الحوار من اجلالحق ويدعوهم الى السلام ولكنهم اختاروا السيف بوجه النبي الذي اضطر للدفاع عن حركةالمستضعفين من اجل الحق والعدل وسلام الاحرار واخيرا تناول القران احوال المنافقينوحذر منهم.
لذا فاننا سنستعرض بعض الايات التي تناولت الامور العقائدية والسلوكية لاهلالكتاب وهو ماركز عليه القران في فصوله الاولى من الاجزاء العشرة تقريبا وهو عبارةعن بحث مبسط سريع ارجو ان يفي بالغرض الذي من اجله قام البحث في هذه الفترة التييحاول البعض ان يصعد من الجفاء ويوسع الهوة بين الناس على مختلف عقائدهم عسى انيكون هذا البحث عاملا مساعدا لوئد الفتنة بين الناس وساحاول الايجاز ببيانالاستنتاجات المفيدة نحو هذا الاتجاه.
بحثقراني
اهلالكتابفيالقران
نظرةالاسلامالىاهلالكتاب
انالذين امنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من امن بالله واليوم الاخر وعمل صالحافلهم اجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الميزان في تفسير القران – سورة 1 البقرة الاية 62.
المحصلة :
الذين امنوا... وهم الذين امنوا بالرسول محمد (ص)، والذين هادوا والنصارى والصابئين الذين يتصفون بهذه الصفات لهم تلك الميزاتالمذكورة وفق الكتاب الكريم وهو القران المنزل على النبي محمد (ص) والذي يمثلالدستور المعبر عن قوانين ورؤية ونظرة وفلسفة الاسلام.
اقول: وهذه الصفات هيالايمان والعمل الصالح.
راجع الاية 69 من سورة 5 المائدة: ان الذين امنوا والذينهادوا والصابؤون والنصارى من امن بالله واليوم الاخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون .
فان حاجوك فقل اسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين اوتوا الكتابوالاميين ااسلمتم فان اسلموا فقد اهتدوا وان تولوا فانما عليك البلاغ والله بصيربالعباد . سورة 3 من ال عمران والتفسير المعتمد في بحثنا هو الميزان... باعتباره مناحدث التفاسير... والذي سمعته ان العلامة السيد ابو القاسم الخوئي رحمه الله كان قدال على نفسه تكملة تفسيره البيان لكنه اثر ان يستمر في تدريسه لان الميزان للعلامةالسيد محمد حسين الطباطبائي الحكيم قد سد الفراغ الذي كان يحتاجه عصره لمثله فتوقفعن تفسير سورة الفاتحة ولقد حرمنا حقيقة اثراء العلامة الخوئي في اكمال التفسيرلعظمة قلمه في الوقت الذي اتحفنا بثراء قلم الطباطبائي قدس سرهماالشريف.
اقول:وهي اشارة الى مبدا الحوار وحرية الاختيار.
قل يا اهل الكتابتعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم الا نعبد الا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذبعضنا بعضا اربابا من دون الله فان تولوا فقولوا اشهدوا بانا مسلمون . سورة 3 من العمران الاية 64.
قوله تعالى: قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، الخطاب لعامة أهل الكتاب، و الدعوة في قوله: تعالوا إلى كلمة «الخ» بالحقيقةإنما هي إلى الاجتماع على معنى الكلمة بالعمل به، و إنما تنسب إلى الكلمة لتدل علىكونها دائرة بألسنتهم كقولنا اتفقت كلمة القوم على كذا فيفيد معنى الإذعان والاعتراف و النشر و الإشاعة.
فالمعنى: تعالوا نأخذ بهذه الكلمة متعاونينمتعاضدين في نشرها و العمل بما توجبه.
اقول: الدعوة صريحة الى التفاهم المشتركواللقاء على اسس العقل والمنطق.
ومن اهل الكتاب من ان تامنه بقنطار يؤده اليكومنهم من ان تامنه بدينار لا يؤده اليك الا ما دمت عليه قائما ذلك بانهم قالوا ليسعلينا في الاميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون . ال عمران الاية 75.
و هناك وجه آخر و هو أن ذكر الوصف - و هو كونهم من أهل الكتاب مشعر بنوع منالتعليل، و ذلك أن صدور هذا القول و الفعل منهم - أعني قولهم: ليس علينا في الأميينسبيل، و أكلهم مال الناس بذلك لم يكن بذاك البعيد المستغرب لو كانوا أميين لأخبرعندهم من النبوة و الوحي لكنهم أهل الكتاب و عندهم الكتاب فيه حكم الله، و هميعلمون أن الكتاب لا يحكم لهم بذلك، و لا يبيح لهم مال غيرهم لأنه غيرهم فهذا الذيقالوه ثم فعلوه.
و هم أهل الكتاب منهم أغرب و أبعد، و التوبيخ و التقبيح عليهمأوجه و ألزم.
و القنطار و الدينار معروفان و المقابلة بينهما - على ما فيها منالمحسنات البديعية - و المقام مقام يذكر فيه الأمانة تفيد أنه كنى بهما عن الكثير والقليل، و المراد أن منهم من لا يخون الأمانة و إن كثرت و ثقلت قيمتها، و منهم منيخونها و إن قلت و خفت.
اقول: وهنا اشارة الى التمييز بين من يستحق الاحتراموبين من لايستحقه.
بلى من اوفى بعهده واتقى فان الله يحب المتقين. ال عمرانالاية 76.
قوله: فإن الله يحب المتقين من قبيل وضع الكبرى موضع الصغرى إيثاراللإيجاز، و التقدير فإن الله يحبه لأنه متق و الله يحب المتقين، و المراد أن كرامةالله لعباده المتقين حبه لهم لا ما زعمتموه من نفي السبيل.
فمفاد الكلام أنالكرامة الإلهية ليست بذاك المبتذل السهل التناول حتى ينالها كل من انتسب إليهانتسابا أو يحسبها كل محتال أو مختال كرامة جنسية أو قومية بل يشترط في نيلهاالوفاء بعهد الله و ميثاقه و التقوى في الدين فإذا تمت الشرائط حصلت الكرامة و هيالمحبة و الولاية الإلهية التي لا تعدو عبادة المتقين، و أثرها النصرة الإلهية، والحيوة السعيدة التي تعمر الدنيا و تصلح بال أهلها، و ترفع درجات الآخرة.
اقول: ان صفات الوفاء تليق بالمتقين ممن نال الكرامة.
ليسوا سواء من اهل الكتاب امةقائمة يتلون ايات الله اناء الليل وهم يسجدون. ال عمران الاية 113. يؤمنون باللهواليوم الاخر ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات واولئك منالصالحين 114. وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين 115.
قولهتعالى: ليسوا سواء - إلى قوله: - بالمتقين السواء مصدر أريد به معنى الوصف أي ليسوامستوين في الوصف و الحكم فإن منهم أمة قائمة يتلون آيات الله «الخ»، و من هنا يظهرأن قوله: من أهل الكتاب «الخ» في مقام التعليل يبين به وجه عدم استواء أهلالكتاب.
و قد اختلف في قوله: قائمة فقيل: أي ثابتة على أمر الله، و قيل: أيعادلة، و قيل: أي ذو أمة قائمة أي ذو طريقة مستقيمة، و الحق أن اللفظ مطلق يحتملالجميع غير أن ذكر الكتاب و ذكر أعمالهم الصالحة يعين أن المراد هو القيام علىالإيمان و الطاعة.
و الآناء جمع إنى بكسر الهمزة أو فتحها، و قيل: إنو و هوالوقت.
و المسارعة المبادرة و هي مفاعلة من السرعة قال في المجمع،: و الفرق بينالسرعة و العجلة أن السرعة هي التقدم فيما يجوز أن يتقدم فيه، و هي محمودة و ضدهاالإبطاء، و هو مذموم، و العجلة هي التقدم فيما لا ينبغي أن يتقدم فيه و هي مذمومة،و ضدها الأناة و هي محمودة، انتهى، و الظاهر أن السرعة في الأصل وصف للحركة، والعجلة وصف للمتحرك.
و الخيرات مطلق الأعمال الصالحة من عبادة أو إنفاق أو عدل أو قضاء حاجة، و هوجمع محلى باللام، و معناه الاستغراق، و يكثر إطلاقه على الخيرات المالية كما أنالخير يكثر إطلاقه على المال.
و قد عد الله سبحانه لهم جمل مهمات الصالحات، و هيالإيمان، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و المسارعة في كل خير، ثم وصفهمبأنهم صالحون فهم أهل الصراط المستقيم و زملاء النبيين و الصديقين و الشهداء لقولهتعالى: «اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم و لاالضالين»: الحمد - 7، و قوله تعالى: «فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين و الشهداء و الصالحين» الآية: النساء - 69، قيل: المراد بهؤلاء الممدوحينعبد الله بن سلام و أصحابه.
قوله تعالى: و ما يفعلوا من خير فلن يكفروه، من الكفران مقابل الشكر أي يشكرالله لهم فيرده إليهم من غير ضيعة كما قال تعالى: «و من تطوع خيرا فإن الله شاكرعليم»: البقرة - 158، و قال: «و ما تنفقوا من خير فلأنفسكم - إلى أن قال - و ماتنفقوا من خير يوف إليكم و أنتم لا تظلمون»: البقرة - 272.
اقول: توجد اشارة الىالذين يامرون بالمعروف وينهون عن المنكر وهم الصالحون.
وان من اهل الكتاب لمنيؤمن بالله وما انزل اليكم وما انزل اليهم خاشعين لله لا يشترون بايات الله ثمناقليلا اولئك لهم اجرهم عند ربهم ان الله سريع الحساب . ال عمران الاية 199.
الآيات بمنزلة تلخيص ما تقدم من بيان حال المؤمنين و المشركين و أهل الكتاب فيهذه السورة، بيان أن حال أبرار المؤمنين هو ذكر الله سبحانه، و التفكر في آياته والاستجارة بالله من عذاب النار، و سؤال المغفرة و الجنة، و أن الله استجاب لهم وسيرزقهم ما سألوه - هذه عامة حالهم - و أن الذين كفروا حالهم أنهم يتقلبون في متاعقليل ثم لهم مهاد النار فلا يقاس حال المؤمنين بحالهم، و قد استثنى منهم المتبعينللحق من أهل الكتاب فهم مع المؤمنين.
اقول: لاتخلو الامر من وجود اناس منهملايحبون الباطل.
ولله ما في السماوات وما في الارض ولقد وصينا الذين اوتواالكتاب من قبلكم واياكم ان اتقوا الله وان تكفروا فان لله ما في السماوات وما فيالارض وكان الله غنيا حميدا . سرة 4 النساء الاية 131.
و المعنى أن الله وصاكمجميعا بملازمة التقوى فاتقوه، و إن كفرتم فإنه غني عنكم و هو المالك لكل شيءالمتصرف فيه كيفما شاء و لما شاء إن يشأ أن يعبد و يتقى و لم تقوموا بذلك حق القيامفهو قادر أن يؤخركم و يقدم آخرين يقومون لما يحبه و يرتضيه، و كان الله على ذلكقديرا.
اقول: وهنا الوصية التي يحتمل الاستفادة منها من قبل البعض، وهو اهتمامخاص من الله سبحانه وتعالى يرحم به عباده.
اليوم احل لكم الطيبات وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهموالمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم اذا اتيتموهناجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي اخدان ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله وهو فيالاخرة من الخاسرين .سورة 5 المائدة الاية 5.
قوله تعالى: «اليوم أحل لكمالطيبات و طعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم و طعامكم حل لهم» إعادة ذكر حل الطيباتمع ذكره في الآية السابقة، و تصديره بقوله: «اليوم» للدلالة على الامتنان منه تعالىعلى المؤمنين بإحلال طعام أهل الكتاب و المحصنات من نسائهم للمؤمنين.
فكان نفوس المؤمنين لا تسكن عن اضطراب الريب في أمر حل طعام أهل الكتاب لهم بعدما كانوا يشاهدون التشديد التام في معاشرتهم و مخالطتهم و مساسهم و ولايتهم حتى ضمإلى حديث حل طعامهم أمر حل الطيبات بقول مطلق ففهموا منه أن طعامهم من سنخ سائرالطيبات المحللة فسكن بذلك طيش نفوسهم، و اطمأنت قلوبهم و كذلك القول في قوله: «والمحصنات من المؤمنات و المحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم». و أما قوله: «وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم و طعامكم حل لهم» فالظاهر أنه كلام واحد ذو مفادواحد، إذ من المعلوم أن قوله: «و طعامكم حل لهم» ليس في مقام تشريع حكم الحل لأهلالكتاب، و توجيه التكليف إليهم و إن قلنا بكون الكفار مكلفين بالفروع الدينيةكالأصول، فإنهم غير مؤمنين بالله و رسوله و بما جاء به رسوله و لا هم يسمعون و لاهم يقبلون، و ليس من دأب القرآن أن يوجه خطابا أو يذكر حكما إذا استظهر من المقامأن الخطاب معه يكون لغوا و التكليم معه يذهب سدى.
اللهم إلا إذا أصلح ذلك بشيء من فنون التكليم كالالتفات من خطاب الناس إلى خطابالنبي و نحو ذلك كقوله: «قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم»: آلعمران: 64 و قوله: «قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا»: إسراء: 93 إلى غير ذلك منالآيات.
و بالجملة ليس المراد بقوله: «و طعام الذين»، بيان حل طعام أهل الكتاب للمسلمينحكما مستقلا و حل طعام المسلمين لأهل الكتاب حكما مستقلا آخر، بل بيان حكم واحد وهو ثبوت الحل و ارتفاع الحرمة عن الطعام، فلا منع في البين حتى يتعلق بأحد الطرفيننظير قوله تعالى: «فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم و لاهم يحلون لهن»: الممتحنة: 10 أي لا حل في البين حتى يتعلق بأحد الطرفين.
ثم إنالطعام بحسب أصل اللغة كل ما يقتات به و يطعم لكن قيل: إن المراد به البر و سائرالحبوب ففي لسان العرب: و أهل الحجاز إذا أطلقوا اللفظ بالطعام عنوا به البرخاصة.
قال: و قال الخليل: العالي في كلام العرب أن الطعام هو البر خاصة،انتهى.
و هو الذي يظهر من كلام ابن الأثير في النهاية، و لهذا ورد في أكثرالروايات المروية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام): أن المراد بالطعام في الآية هوالبر و سائر الحبوب إلا ما في بعض الروايات مما يظهر به معنى آخر و سيجيء الكلامفيه في البحث الروائي الآتي.
و على أي حال لا يشمل هذا الحل ما لا يقبل التذكية من طعامهم كلحم الخنزير، أويقبلها من ذبائحهم لكنهم لم يذكوها كالذي لم يهل به لله، و لم يذك تذكية إسلاميةفإن الله سبحانه عد هذه المحرمات المذكورة في آيات التحريم - و هي الآي الأربع التيفي سور البقرة و المائدة و الأنعام و النحل - رجسا و فسقا و إثما كما بيناه فيمامر، و حاشاه سبحانه أن يحل ما سماه رجسا أو فسقا أو إثما امتنانا بمثل قوله «اليومأحل لكم الطيبات».
على أن هذه المحرمات بعينها واقعة قبيل هذه الآية في نفسالسورة، و ليس لأحد أن يقول في مثل المورد بالنسخ و هو ظاهر، و خاصة في مثل سورةالمائدة التي ورد فيها أنها ناسخة غير منسوخة.
قوله تعالى: «و المحصنات من المؤمنات و المحصنات من الذين أوتوا الكتاب منقبلكم»، الإتيان في متعلق الحكم بالوصف أعني ما في قوله: «الذين أوتوا الكتاب» منغير أن يقال: من اليهود و النصارى مثلا أو يقال: من أهل الكتاب، لا يخلو من إشعاربالعلية و اللسان لسان الامتنان، و المقام مقام التخفيف و التسهيل، فالمعنى: أنانمتن عليكم بالتخفيف و التسهيل في رفع حرمة الازدواج بين رجالكم و المحصنات من نساءأهل الكتاب لكونهم أقرب إليكم من سائر الطوائف غير المسلمة، و هم أوتوا الكتاب وأذعنوا بالتوحيد و الرسالة بخلاف المشركين و الوثنيين المنكرين للنبوة، و يشعر بماذكرنا أيضا تقييد قوله: «أوتوا الكتاب» بقوله: «من قبلكم» فإن فيه إشعارا واضحابالخطط و المزج و التشريك.
و كيف كان لما كانت الآية واقعة موقع الامتنان و التخفيف لم تقبل النسخ بمثلقوله تعالى: «و لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن»: البقرة: 212 و قوله تعالى: «و لاتمسكوا بعصم الكوافر»: الممتحنة: 10 و هو ظاهر.
على أن الآية الأولى واقعة في سورة البقرة، و هي أول سورة مفصلة نزلت بالمدينةقبل المائدة: و كذا الآية الثانية واقعة في سورة الممتحنة، و قد نزلت بالمدينة قبلالفتح، فهي أيضا قبل المائدة نزولا، و لا وجه لنسخ السابق للاحق مضافا إلى ما ورد: أن المائدة آخر ما نزلت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فنسخت ما قبلها، و لمينسخها شيء.
على أنك قد عرفت في الكلام على قوله تعالى: «و لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن»: الآية البقرة: 212 في الجزء الثاني من الكتاب أن الآيتين أعني آية البقرة و آيةالممتحنة أجنبيتان من الدلالة على حرمة نكاح الكتابية.
و لو قيل بدلالة آية الممتحنة بوجه على التحريم كما يدل على سبق المنع الشرعيورود آية المائدة في مقام الامتنان و التخفيف - و لا امتنان و لا تخفيف لو لم يسبقمنع - كانت آية المائدة هي الناسخة لآية الممتحنة لا بالعكس لأن النسخ شأن المتأخر،و سيأتي في البحث الروائي كلام في الآية الثانية.
ثم المراد بالمحصنات في الآية: العفائف و هو أحد معان الإحصان، و ذلك أن قوله: «و المحصنات من المؤمنات و المحصنات من الذين أوتوا الكتاب، يدل على أن المرادبالمحصنات غير ذوات الأزواج و هو ظاهر، ثم الجمع بين المحصنات من أهل الكتاب والمؤمنات على ما مر من توضيح معناها يقضي بأن المراد بالمحصنات في الموضعين معنىواحد، و ليس هو الإحصان بمعنى الإسلام لمكان قوله: و المحصنات من الذين أوتواالكتاب، و ليس المراد بالمحصنات الحرائر فإن الامتنان المفهوم من الآية لا يلائمتخصيص الحل بالحرائر دون الإماء، فلم يبق من معاني الإحصان إلا العفة فتعين أنالمراد بالمحصنات العفائف.
و بعد ذلك كله إنما تصرح الآية بتشريع حل المحصنات منأهل الكتاب للمؤمنين من غير تقييد بدوام أو انقطاع إلا ما ذكره من اشتراط الأجر وكون التمتع بنحو الإحصان لا بنحو المسافحة و اتخاذ الأخدان، فينتج أن الذي أحلللمؤمنين منهن أن يكون على طريق النكاح عن مهر و أجر دون السفاح، من غير شرط آخر مننكاح دوام أو انقطاع، و قد تقدم في قوله تعالى: «فما استمتعتم به منهن فأتوهن»: الآية النساء: 24 في الجزء الرابع من الكتاب أن المتعة نكاح كالنكاح الدائم، وللبحث بقايا تطلب من علم الفقه.
قوله تعالى: «إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين و لا متخذي أخدان» الآيةفي مساق قوله تعالى في آيات محرمات النكاح: «و أحل لكم ما وراء ذلك أن تبتغوابأموالكم محصنين غير مسافحين»: النساء: 24. و الجملة قرينة على كون المراد بالآيةبيان حلية التزوج بالمحصنات من أهل الكتاب من غير شمول منها لملك اليمين.
اقول: وهذه اشارات لطيفة لتوليد الانسجام الاجتماعي في الطعام والنكاح.
لتجدناشد الناس عداوة للذين امنوا اليهود والذين اشركوا ولتجدن اقربهم مودة للذين امنواالذين قالوا انا نصارى ذلك بان منهم قسيسين ورهبانا وانهم لا يستكبرون. سورة 5المائدة الاية 82.
اقول: وهنا عبارات مدح للعابدين والمتواضعين.
واذا سمعوا ما انزل الى الرسول ترى اعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحقيقولون ربنا امنا فاكتبنا مع الشاهدين . سورة المائدة الاية 83.
اقول: وهذهاشارة الى العقول المتفتحة التي تتجاوب مع العقل والمنطق واحترام الحق.
وما لنالا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع ان يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين. سورةالمائدة الاية 84.
اقول: وهكذا تفعل المواعظ البالغة باهلها.
فاثابهمالله بما قالوا جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين. سورةالمائدة الاية 85.
اقول: وهكذا يحسن الخالق للمحسنين منهم.
قوله تعالى: «لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود و الذين أشركوا - إلى قوله - نصارى» لمابين سبحانه في الآيات السابقة الرذائل المشتركة بين أهل الكتاب عامة، و بعض ما يختصببعضهم كقول اليهود: «يد الله مغلولة» و قول النصارى: «إن الله هو المسيح بن مريم» ختم الآيات بما يختص به كل من الطائفين إذا قيس حالهم من المؤمنين و دينهم، و أضافإلى حالهم حال المشركين ليتم الكلام في وقع الإسلام من قلوب الأمم غير المسلمة منحيث قربهم و بعدهم من قبوله.
و يتم الكلام في أن النصارى أقرب تلك الأمم مودة للمسلمين و أسمع لدعوتهمالحقة.
و إنما عدهم الله سبحانه أقرب مودة للمسلمين لما وقع من إيمان طائفة منهمبالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما يدل عليه قوله في الآية التالية: «و إذاسمعوا ما أنزل إلى الرسول» «إلخ»، لكن لو كان إيمان طائفة تصحح هذه النسبة إلىجميعهم كان من الواجب أن تعد اليهود و المشركون كمثل النصارى و ينسب إليهما نظير مانسب إليهم لمكان إسلام طائفة من اليهود كعبد الله بن سلام و أصحابه، و إسلام عدة منمشركي العرب و هم عامة المسلمين اليوم فتخصيص النصارى بمثل قوله: «و إذا سمعوا ماأنزل» «إلخ»، دون اليهود و المشركين يدل على حسن إقبالهم على الدعوة الإسلامية وإجابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع أنهم على خيار بين أن يقيموا على دينهم ويؤدوا الجزية، و بين أن يقبلوا الإسلام، أو يحاربوا.
و هذا بخلاف المشركين فإنهملم يكن يقبل منهم إلا قبول الدعوة فكثرة المؤمنين منهم لا يدل على حسن الإجابة، علىما كابد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من جفوتهم و لقاه المسلمون من أيديهمبقسوتهم و نخوتهم.
و كذلك اليهود و إن كانوا كالنصارى في إمكان إقامتهم على دينهم و تأدية الجزيةإلى المسلمين لكنهم تمادوا في نخوتهم، و تصلبوا في عصبيتهم، و أخذوا بالمكر والمكيدة، و نقضوا عهودهم، و تربصوا الدوائر على المسلمين، و مسوهم بأمر المس وآلمه.
و هذا الذي جرى من أمر النصارى مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و الدعوةالإسلامية، و حسن إجابتهم، و كذا من أمر اليهود و المشركين في التمادي علىالاستكبار و العصبية جرى بعينه بعده (صلى الله عليه وآله وسلم) على حذو ما جرى فيعهده فما أكثر من لبى الدعوة الإسلامية من فرق النصارى خلال القرون الماضية، و ماأقل ذلك من اليهود و الوثنيين! فاحتفاظ هذه الخصيصة في هؤلاء و هؤلاء يصدق الكتابالعزيز في ما أفاده.
و من المعلوم أن قوله تعالى: «لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا» من قبيل بيانالضابط العام في صورة خطاب خاص نظير ما مر في الآيات السابقة: «ترى كثيرا منهميتولون الذين كفروا» و «ترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم».
قوله تعالى: «ذلك بأن منهم قسيسين و رهبانا و أنهم لا يستكبرون» القسيس معرب «كشيش» و الرهبان جمع الراهب و قد يكون مفردا، قال الراغب: الرهبة و الرهب مخافة معتحرز - إلى أن قال - و الترهب التعبد، و الرهبانية غلو في تحمل التعبد من فرطالرهبة، قال تعالى: «و رهبانية ابتدعوها» و الرهبان يكون واحدا و جمعا فمن جعلهواحدا جمعه على رهابين، انتهى.
علل تعالى ما ذكره من كون النصارى أقرب مودة وآنس قلوبا للذين آمنوا بخصال ثلاث يفقدها غيرهم من اليهود و المشركين، و هي أن فيهمعلماء و أن فيهم رهبانا و زهادا، و أنهم لا يستكبرون و ذلك مفتاح تهيؤهمللسعادة.
و ذلك أن سعادة حياة الدين أن تقوم بصالح العمل عن علم به، و إن شئت فقل: إنيذعن بالحق فيطبق عمله عليه فله حاجة إلى العلم ليدرك به حق الدين و هو دين الحق، ومجرد إدراك الحق لا يكفي للتهيؤ للعمل على طبقه حتى ينتزع الإنسان من نفسه الهيئةالمانعة عنه، و هو الاستكبار عن الحق بعصبية و ما يشابهها، و إذا تلبس الإنسانبالعلم النافع و النصفة في جنب الحق برفع الاستكبار تهيأ للخضوع للحق بالعمل به لكنبشرط عدم منافاة الجو لذلك فإن لموافقة الجو للعمل تأثيرا عظيما في باب الأعمال فإنالأعمال التي يعتورها عامة المجتمع و ينمو عليها أفراده، و تستقر عليهم عادتهم خلفاعن سلف لا يبقى للنفس فراغ أن تتفكر في أمرها أو تتدبر و تدبر في التخلص عنها إذاكانت ضارة مفسدة للسعادة، و كذلك الحال في الأعمال الصالحة إذا استقر التلبس بها فيمجتمع يصعب على النفس تركها، و لذا قيل: إن العادة طبيعة ثانية، و لذا كان أيضا أولفعل مخالف حرجا على النفس في الغاية و هو عند النفس دليل على الإمكان، ثم لا يزالكلما تحقق فعل زاد في سهولة التحقق و نقص بقدره من صعوبته.
فإذا تحقق الإنسان أن عملا كذا حق صالح و نزع عن نفسه أغراض العناد و اللجاجبإماتة الاستكبار و الاستعلاء على الحق كان من العون كل العون على إتيانه أن يرىإنسانا يرتكبه فتتلقى نفسه إمكان العمل.
و من هنا يظهر أن المجتمع إنما يتهيألقبول الحق إذا اشتمل على علماء يعلمونه و يعلمونه، و على رجال يقومون بالعمل بهحتى يذعن العامة بإمكان العمل و يشاهدوا حسنه، و على اعتياد عامتهم على الخضوع للحقو عدم الاستكبار عنه إذا انكشف لهم.
و لهذا علل الله سبحانه قرب النصارى من قبول الدعوة الحقة الدينية بأن فيهمقسيسين و رهبانا و أنهم لا يستكبرون ففيهم علماء لا يزالون يذكرونهم مقام الحق ومعارف الدين قولا، و فيهم زهاد يذكرونهم عظمة ربهم و أهمية سعادتهم الأخروية والدنيوية عملا، و فيهم عدم الاستكبار عن قبول الحق.
و أما اليهود فإنهم و إن كانفيهم أحبار علماء لكنهم مستكبرون لا تدعهم رذيلة العناد و الاستعلاء أن يتهيئوالقبول الحق.
و أما الذين أشركوا فإنهم يفقدون العلماء و الزهاد، و فيهم رذيلةالاستكبار.
قوله تعالى: «و إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض منالدمع» «إلخ»، فاضت العين بالدمع سال دمعها بكثرة، و من في قوله: «من الدمع» للابتداء، و في قوله: «مما» للنشوء، و في قوله: «من الحق» بيانية.
قوله تعالى: «و ما لنا لا نؤمن بالله» «إلخ»، لفظة «يدخلنا» كأنها مضمنة معنى الجعل، و لذلك عديبمع، و المعنى: يجعلنا ربنا مع القوم الصالحين مدخلا لنا فيهم.
و في هذه الأفعالو الأقوال التي حكاها الله تعالى عنهم تصديق ما ذكره عنهم أنهم أقرب مودة للذينآمنوا، و تحقيق أن فيهم العلم النافع و العمل الصالح و الخضوع للحق حيث كان فيهمقسيسون و رهبان و هم لا يستكبرون.
قوله تعالى: «فأثابهم الله» إلى آخر الآيتين، «الإثابة» المجازاة، و الآية الأولى ذكر جزائهم، و الآية الثانية فيها ذكر جزاء منخالفهم على طريق المقابلة استيفاء للأقسام.
الذين يتبعون الرسول النبي الاميالذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يامرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكرويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم اصرهم والاغلال التي كانت عليهمفالذين امنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه اولئك هم. سورة 7الاعراف الاية 157.
و قوله: «الذين يتبعون الرسول النبي الأمي» الآية بحسب ظاهرالسياق بيان لقوله: «و الذين هم بآياتنا يؤمنون» و يؤيده ما هو ظاهر الآية أن كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) رسولا نبيا أميا و يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر، ويحل لهم الطيبات و يحرم عليهم الخبائث، و يضع عنهم إصرهم و الأغلال التي كانت عليهمكل ذلك من أمارات النبوة الخاتمية و آياتها المذكورة لهم في التوراة و الإنجيل فمنالإيمان بآيات الله الذي شرطه الله تعالى لهم في كلامه: أن يؤمنوا بالآيات المذكورةلهم أمارات لنبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).
اقول: وهي اشارة الى تحرر بعضالعقول من التقليد واتباع الهوى.
قوله تعالى: «و من قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون» سورة 7 الاعراف الاية 159 و هذا من نصفة القرآن مدح من يستحق المدح، وحمد صالح أعمالهم بعد ما قرعهم بما صدر عنهم من السيئات فالمراد أنهم ليسوا جميعاعلى ما وصفنا من مخالفة الله و رسوله، و التزام الضلال و الظلم بل منهم أمة يهدونالناس بالحق و بالحق يعدلون فيما بينهم فالباء في قوله: «بالحق» للآلة و تحتملالملابسة.
اقول: وهنا مدح لاصحاب العقول امستنيرة الفاعلة.
والذين يمسكونبالكتاب واقاموا الصلاة انا لا نضيع اجر المصلحين. الاعراف الاية 170.
و الآيةأعني قوله: «و الذين يمسكون بالكتاب» الآية في نفسها عامة مستقلة لكنها بحسب دخولهافي سياق الكلام في بني إسرائيل معتنية بشأنهم، و المراد بالكتاب بهذا النظر التوراةأو هي و الإنجيل.
اقول: وهي اشارة الى الاهتمام بالصالحين منهم.
ان الذينامنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين اشركوا ان الله يفصل بينهميوم القيامة ان الله على كل شيء شهيد . سورة 22 الحج الاية 17.
المراد بالذينآمنوا بقرينة المقابلة هم الذين آمنوا بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و كتابهمالقرآن.
و الذين هادوا هم المؤمنين بموسى من قبله من الرسل الواقفون فيه وكتابهم التوراة و قد أحرقها بخت نصر ملك بابل حينما استولى عليهم في أواسط القرنالسابع قبل المسيح فافتقدوها برهة ثم جدد كتابتها لهم عزراء الكاهن في أوائل القرنالسادس قبل المسيح حينما فتح كوروش ملك إيران بابل و تخلص بنو إسرائيل من الإسارة ورجعوا إلى الأرض المقدسة.
و الصابئون ليس المراد بهم عبدة الكواكب من الوثنيةبدليل ما في الآية من المقابلة بينهم و بين الذين أشركوا بل هم - على ما قيل - قوممتوسطون بين اليهودية و المجوسية و لهم كتاب ينسبونه إلى يحيى بن زكريا النبي ويسمى الواحد منهم اليوم عند العامة «صبي» و قد تقدم لهم ذكر في ذيل قوله: «إن الذينآمنوا و الذين هادوا و النصارى و الصابئين:» البقرة: 62.
و النصارى هم المؤمنونبالمسيح عيسى بن مريم (عليهما السلام) و من قبله من الأنبياء و كتبهم المقدسةالأناجيل الأربعة للوقا و مرقس و متى و يوحنا و كتب العهد القديم على ما اعتبرته وقدسته الكنيسة لكن القرآن يذكر أن كتابهم الإنجيل النازل على عيسى (عليهالسلام).
و المجوس المعروف أنهم المؤمنون بزرتشت و كتابهم المقدس «أوستا» غير أنتاريخ حياته و زمان ظهوره مبهم جدا كالمنقطع خبره و قد افتقدوا الكتاب باستيلاءإسكندر على إيران ثم جددت كتابته في زمن ملوك ساسان فأشكل بذلك الحصول على حاقمذهبهم و المسلم أنهم يثبتون لتدبير العالم مبدأين مبدأ الخير و مبدأ الشر يزدان وأهريمن أو النور و الظلمة - و يقدسون الملائكة و يتقربون إليهم من غير أن يتخذوالهم أصناما كالوثنية، و يقدسون البسائط العنصرية و خاصة النار و كانت لهم بيوتنيران بإيران و الصين و الهند و غيرها و ينهون الجميع إلى «أهورامزدا» موجدالكل.
و الذين أشركوا هم الوثنية عبدة الأصنام و أصول مذاهبهم ثلاثة: الوثنية الصابئة،و البرهمانية، و البوذية، و قد كان هناك أقوام آخرون يعبدون من الأصنام ما شاءواكما شاءوا من غير أن يبنوه على أصل منظم كعرب الحجاز و طوائف في أطراف المعمورة وقد تقدم تفصيل القول فيهم في الجزء العاشر من الكتاب.
و قوله: «إن ربك يفصلبينهم يوم القيامة» المراد به فصل القضاء فيما اختلف فيه أصحاب هذه المذاهب واختصموا فينفصل المحق منهم و يتميز من المبطل انفصالا و تميزا لا يستره ساتر و لايحجبه حاجب.
اقول: وهذه اشارة الى وجود الاختلاف في العقيدة بين الاديان وسيكونالحساب على هذا الاختلاف بين يدي الله سبحانه وتعالى.
17 September 2006
ملحق
البابا بنديكتوس يأسف لردود الفعل الغاضبة على تعليقاته إزاءالإسلام، وأوضح أن ما قاله مجرد اقتباس لا يعكس رأيه الشخصي.
أرني ما الجديدالذي جاء به محمد وعندها لن تجد إلا ما هو شرير ولاإنساني، مثل أمره نشر الدين الذينادى به بالسيف
رأي الإمبراطور البيزنطي مانويل باليولوغوس الثاني، الذيأشار إليه البابا في خطابه.
النص الكامل للرد البابوي
السبت 16 أيلول 2006تصريح أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان الكردينال تارشيزيو بيرتوني حول ردود فعلالجهات الإسلامية حيال بعض المقتطفات من خطاب البابا في جامعة ريغينسبورغ.
ردودفعل جهات إسلامية حيال بعض المقتطفات من خطاب البابا بندكتس السادس عشر في جامعةريغينسبورغ والإيضاحات التي قدمها مدير دار الصحافة التابعة للكرسي الرسولي، أود أنأضيف ما يلي:
ـ إن موقف البابا حيال الإسلام يتمثل بدون أي التباس في الوثيقةالمجمعية "في عصرنا": وثيقة Nostra Aetate (التي تناولت علاقة الكنيسة بالأديان غيرالمسيحية تحت عنوان "في زماننا" وأقرت إثر مجمع الفاتيكان الثاني في 28أكتوبر/تشرين الأول 1965):
وتنظر الكنيسة بعين الاعتبار أيضا إلى المسلمينالذين يعبدون الإله الواحد القيوم الرحيم الضابط الكل خالق السماء والأرض المكلمالبشر. ويجتهدون في أن يخضعوا بكليتهم حتى لأوامر الله الخفية كما يخضع له إبراهيمالذي يُسند إليه بطيبة خاطر الإيمان الإسلامي. ولأنهم يجلون يسوع كنبي وإن لميعترفوا به كإله ويكرمون مريم أمه العذراء كما أنهم يدعونها أحيانا بتقوى. وعلاوةعلى ذلك إنهم ينتظرون يوم الدين عندما يثيب الله كل البشر القائمين من الموت. ويعتبرون أيضا الحياة الأخلاقية ويؤدون العبادة لله لا سيما بالصلاة والزكاةوالصوم.
ولا التباس في موقف البابا من أجل الحوار الديني والثقافي المشترك. خلال لقائهمع ممثلي بعض الجاليات الإسلامية في كولونيا في 20 أغسطس 2005 قال إن الحوار بينالمسيحيين والمسلمين يجب ألا يتحول إلى خيار موسمي؛ وأضاف أن خبرات الماضي يجب أنتساعدنا على تحاشي ارتكاب الأخطاء نفسها. نريد البحث عن دروب المصالحة والعيش ضمناحترام هوية الآخر.
ـ في ما يتعلق برأي الإمبراطور البيزنطي مانويل باليولوغوسالثاني، الذي أشار إليه البابا في خطابه في ريغينسبورغ، فإن الأب الأقدس لم يشأ ولايريد بشكل مطلق تبنيه لكنه استخدمه فقط، في إطار أكاديمي ووفقا لقراءة يقظة وكاملةللنص، كي يقوم ببعض
ونقلا عن الموقع الالكتروني لمحطة البي بي سي البريطانية :
رأي الإمبراطور البيزنطي مانويل باليولوغوس الثاني، الذي أشار إليه البابافي خطابه :
"ارني ما الجديد الذي جاء به محمد وعندها لن تجد إلا ما هو شريرولاإنساني، مثل أمره نشر الدين الذي نادى به بالسيف".
النص الكامل للردالبابوي
السبت 16 أيلول 2006 تصريح أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان الكردينالتارشيزيو بيرتوني حول ردود فعل الجهات الإسلامية حيال بعض المقتطفات من خطاب البابافي جامعة ريغينسبورغ.
أمام ردود فعل جهات إسلامية حيال بعض المقتطفات من خطابالبابا بندكتس السادس عشر في جامعة ريغينسبورغ والإيضاحات التي قدمها مدير دارالصحافة التابعة للكرسي الرسولي، أود أن أضيف ما يلي:
ـ إن موقف البابا حيالالإسلام يتمثل بدون أي التباس في الوثيقة المجمعية "في عصرنا": وثيقة Nostra Aetate (التي تناولت علاقة الكنيسة بالأديان غير المسيحية تحت عنوان "في زماننا" وأقرت إثرمجمع الفاتيكان الثاني في 28 أكتوبر/تشرين الأول 1965):
وتنظر الكنيسة بعينالاعتبار أيضا إلى المسلمين الذين يعبدون الإله الواحد القيوم الرحيم الضابط الكلخالق السماء والأرض المكلم البشر. ويجتهدون في أن يخضعوا بكليتهم حتى لأوامر اللهالخفية كما يخضع له إبراهيم الذي يُسند إليه بطيبة خاطر الإيمان الإسلامي. ولأنهميجلون يسوع كنبي وإن لم يعترفوا به كإله ويكرمون مريم أمه العذراء كما أنهم يدعونهاأحيانا بتقوى. وعلاوة على ذلك إنهم ينتظرون يوم الدين عندما يثيب الله كل البشرالقائمين من الموت. ويعتبرون أيضا الحياة الأخلاقية ويؤدون العبادة لله لا سيمابالصلاة والزكاة والصوم.
ولا التباس في موقف البابا من أجل الحوار الديني والثقافي المشترك. خلال لقائهمع ممثلي بعض الجاليات الإسلامية في كولونيا في 20 أغسطس 2005 قال إن الحوار بينالمسيحيين والمسلمين يجب ألا يتحول إلى خيار موسمي؛ وأضاف أن خبرات الماضي يجب أنتساعدنا على تحاشي ارتكاب الأخطاء نفسها. نريد البحث عن دروب المصالحة والعيش ضمناحترام هوية الآخر.
ـ في ما يتعلق برأي الإمبراطور البيزنطي مانويل باليولوغوس الثاني، الذي أشارإليه البابا في خطابه في ريغينسبورغ، فإن الأب الأقدس لم يشأ ولا يريد بشكل مطلقتبنيه لكنه استخدمه فقط، في إطار أكاديمي ووفقا لقراءة يقظة وكاملة للنص، كي يقومببعض التأملات حول موضوع العلاقة بين الدين والعنف بشكل عام والوصول في نهاية المطافإلى رفض جذري وواضح للتعليل الديني للعنف من أي جهة أتى. تجدر الإشارة في هذاالسياق إلى ما قاله مؤخرا البابا بندكتس السادس عشر في خطابه لمناسبة الذكرىالعشرين للقاء الصلاة ما بين الأديان الذي شاءه السعيد الذكر البابا يوحنا بولسالثاني في أسيزي في أكتوبر 1986:"... لا يمكن نسب مظاهر العنف إلى الدين إنما إلىالحدود الثقافية التي يعيش وينمو فيها مع مرور الزمن... في الواقع، إن جميعالتقاليد الدينية الكبرى تحتوي على شهادات عن الصلة الحميمة بين العلاقة مع اللهوأخلاقية المحبة.
ـ وبالتالي إن الأب الأقدس يأسف أشد الأسف أن تكون بعض مقتطفات خطابه قد بدتمهينة لمشاعر المؤمنين المسلمين وفُسرت بطريقة مخالفة لمقاصده. ومن جهة أخرى، فإنالبابا، أمام حماسة المشاعر الدينية للمسلمين، حذر الثقافة الغربية المعلمنة كيتتحاشى احتقار الله والاستخفاف به والذي يعتبر الاستهزاء بالمقدسات حقا في الحرية.
ـ إن البابا، إذ يؤكد احترامه وتقديره للمؤمنين المسلمين، يأمل بأن يتفهمواكلماته بمعناها الصحيح كي تتقوى، بعد تخطي هذه الفترة غير السهلة، الشهادة للإلهالواحد القيوم الرحيم الضابط الكل خالق السماء والأرض المكلم البشر، والتعاونالمشترك من أجل صيانة وتعزيز العدالة الاجتماعية والخيور الأخلاقية والسلاموالحرية. انتهى . وفي الصانداي تايمز مقال معه صورة للبابا بندكت السادس عشر يشغلصفحة بكاملها، تحت عنوان "البابا في مواجهة الرسول".
"بكلمتين اثنتين - شرير ولا انساني ربطهما بالرسول محمد، اعاد البابا العلاقاتمع الاسلام الى الوراء عدة حقب، فقد ادت الكلمتان الى اشعال غضب المتشددين منالمسلمين والصدمة والاسف في اوساط المعتدلين منهم. وقد صدرت تهديدات ليس فقط ضدالبابوية، بل ضد الكاثوليك ككل، وعددهم يناهز المليار."
وتضيف الصنداي تايمز ان "اقوال البابا خلقت انقسامات كبيرة وسط الكنيسة ايضا بين الكاثوليك التقليديينوالتقدميين المعتدلين. وحتى أولئك الذين كانوا راضين عن البابا ويقولون انه لن يدخلفي مواجهة مع الجناح اللبرالي لكنيسته، غيروا نظرتهم الآن مستغربين للطريقة التيكشر فيها راتسنغر عن اسنانه العجوزة".
وتذكر الصحيفة بمحاولة المتحدث باسمالفاتيكان فريديريكو لومباردي الدفاع عن اقوال البابا بالتركيز على السياق الذيجاءت فيه، لكن "رنين الكلمات يبقى بعد غياب السياق."
وتضيف انه "من المعروف ان الثقافة الاسلامية هي التي ابقت ثراث ارسطو حيا عبرعصور الظلمات ومكنت الكاثوليك من اعادة التوفيق بين الدين والعقل على يد توماسأكيناس."
وتنقل الصنداي تايمز عن "مصدر انجليكاني رفيع" ان الاسلام "كان دين العقل قبلالمسيحية، فالرياضيات والطب تطورا في العالم الاسلامي، وان كان هناك صراع بينالعقلانية وظلامية العصور الوسطى، فعلينا الاقرار بان الاسلام في صفالعقلانية."
وقد صدرت رسالة من مؤسسة الامام علي عليه السلام في لندن، الىقداسة البابا بنديكتوس السادس عشراحتجاجا على تصريحه
قداسة البابا بنديكتوسالسادس عشر
00120 مدينة دولة الفاتيكان
أوروبا
لقد فوجئ العالمالإسلامي بموقف قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر من الإسلام وصدم صدمة تركتهمذهولا ً لا يكاد يصدّق سمعه وبصره ، ذلك أن كلامه لم يكن خطابا ً مرتجلا ًللجماهير ولا تصريحا ً للصحافة كي يعتذر عنه بأنه زلة لسان وإنما جاء خلال محاضرةفي معهد من معاهد العلم وناد ٍ من نوادي المعرفة والفكر ، سيمّا وقد ظهر على شاشةبعض الفضائيات مساء 15-9-2006 الأب جون الهاشم وهو يؤكد موقف البابا ويصرّح بوضوحأنّه موقف الفاتيكان الثابت وليس بالأمر المستجد وأن الأعتراض عليه ناشئ من سوءالفهم لكلامه .
ونحن إذ نضم صوتنا إلى أصوات المعترضين والمحتجين نعرب عندهشتنا من ضحالة ثقافة رجل يشكّل كلامه المتن العقائدي لمئات الملايين من البشروسطحية معرفته باصول الديانات وقرائته الخاطئة لمفاهيم الإسلام بالخصوص، وندعوه لاإلى الإعتذار ليدخل الأمر في دائرة المجاملات واسداء الستار على الحقائق بل إلىتصحيح موقفه عبر قراءة جديدة دقيقة شاملة لمفردات الدين الإسلامي، وأن الحوزاتالعلمية على أتمّ الأستعداد لتقديم المساعدات اللازمة لقيامه بهذه المهمّة وفتح بابالحوار العلمي الهادئ سواء بالمكاتبات المنتظمة أو اللقاءات المتبادلة ذلك أنالحوار عندنا فريضة فضلا ً عن كونه فضيلة (وانا واياكم لعلى هدى ً أو في ضلال مبين ) (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن).
مؤسسة الامام علي (ع) - لندن
21 شعبان 1427هـ
15 ايلول 2006م
انتهىالبحث.
فهرست المواضيع:
المفهوم الجدلي السياسي للدينوالتاريخ.
بحث قراني معتمد على تفسير الميزان واشارات مستنتجة على وجه العمومتفيد المعنى، اهل الكتاب في القران، نظرة الاسلام الى اهل الكتاب.
نقل عن الموقعالالكتروني لمحطة البي بي سي البريطانية رأي الإمبراطور البيزنطي مانويل باليولوغوسالثاني، الذي أشار إليه البابا في خطابه.
الصانداي تايمز مقال معه صورة للبابابندكت السادس عشر يشغل صفحة بكاملها، تحت عنوان "البابا في مواجهةالرسول".
تصريحات بوش والبابا بنديكيتس السادس عشر، وردود الافعال.
النصالكامل للرد البابوي مع توسعة.
رسالة من مؤسسة الامام علي عليه السلام في لندن،الى قداسة البابا بنديكتوس السادس عشراحتجاجا على تصريحه(الموقع الالكتروني لمؤسسةالامام علي عليه السلام
تصريحات بوش الاخيرة حينما ربط الاسلام بالشوفينية بلا تحديد واضح من ان التصريح تعميم ام تخصيص، ام انه تصريح يرتبط بالتاريخ او العقيدة.
وعلى كل حال فنحن نود ان نبين ان الاسلام دين كبقية الاديان نتعتقد على الاقل كمسلمين انه دين الله الخالق المدبر للكون العالم الذي اراد لهذه البشرية ان تتبع النبي محمد (ص) وانه القدر على ان ينفذ ارادته في الكون والحياة متى اراد ومتى شاء.
والمتتبع للتاريخ ان الرسول جاء بالكتاب المنزل عليه من ربه وهو الدستور الذييقوم عليه الاسلام وهو منهج المسلمين، وقد وردت الكثير من الايات التي تناولت نظرةالاسلام تجاه اهل الكتاب من اليهود
والنصارى والصابئة وسائر الاديان من اهل الكتابونحن بدورنا اتحفنا بحثنا المتواضع ببعضها مع بيان تفسيرها الموجز معتمدين على احدثالتفاسير وهو تفسير الميزان للعلامة محمد حسين الطباطبائي الحكيم.
ومن الجدير بالذكر ان المسلمين لم يدخلوا في حروب مع النصارى طيلة حياة الرسولمحمد (ص) وكذلك فانهم لم يدخلوها زمن الخليفة الراشد الامام علي عليه السلام وعلىهذا الاساس لاينبغي تحميل الاسلام والمسلمين وبالخصوص الرسول(ص) والامام علي عليهالسلام ومن الجدير بالذكر ان هذين القائدين هم يمثلون مدرسة اهل البيت التي تعاملتمع اهل الكتاب بالحسنى حيث وضع الرسول (ص) اللبنات الاساسية لتنظيم العلاقة بينالمسلمين وبقية الناس من اهل الاديان واعطيت لهم الحقوق العامة والخاصة مع بعضالواجبات التي تتلائم وطبيعة الظروف السائدة انذاك وهي تشبه الى حد كبير ما يدفعهالمسلم من الضرائب للدول ذات الطبيعة المسيحية للتعايش والانسجام مع سياساتالدول.
فاليهودي والمسيحي له حق امتلاك الارض بيعها وشرائها داخل حدود الحكم الاسلاميكما له الحق في البيع والشراء والتجارة كما له الحق في ممارسة عبادته بالاضافة الىمايتمتع به من الحقوق الاخرى كالتنقل والزواج وقد سمح الاسلام بالعلاقات الاجتماعيةبينهم وبين المسلمين بالشكل الذي يحتفظ كل بخصوصياته دون المساس بالمشاعر الدينيةوالاعتقادية والاجتماعية والناس على مختلف عقائدهم مسؤولون امام القضاء للدفاع عنحقوقهم وهذا ماردنا توضيحه بايجاز.
ويعتبر القضاء اهم الوظائف لنشر العدل بين الناس في احترام العهود والمواثيقوالقانون بحيث يضمن استقرار حكومة العدل، ولم يمارس المسلمون زمن الرسول اي نوع منالاضطهاد تجاه معتنقي بقية الاديان بل انه وجد صراعا من اجل عدم نشر العقيدةالجديدة ونوعا من الاستخفاف والدسائس رغم انفتاح الاسلام وقيادته على الناس، ورغمهذه المواقف التي تبنتها قيادات الاديان انئذ الا ان المسلمين اهتموا بمقاومة ارهابالمشركين من بني امية وعبدة الاصنام ، وكما ان الامام علي بن ابي طالب وهو الخليفةالراشد اهتم بمحاولة تحقيق الامن الداخلي للدولة فحارب الناكثين للعهود والقاسطينوالخارجين.
ولقد كانت سياسات الائمة عليهم السلام من اهل بيت العصمة هي الانفتاحوالحوار والاقناع بالكلمة تجاه معتنقي بقية الاديان ولم يستخدموا السيف.
وقد دعا الرسول الاكرم محمد (ص) قيصر الروم وملك كسرى الى الدخول في الاسلامبالرسائل لابالسيف من اجل نشر ماراد الله نشره.
وقد بين الرسول الكريم ان عقيدةالاسلام هي عقيدة الاعتراف بالسل والانبياء الذين تقدموه فهو يعترف بنبوة موسى عليهالسلام وبنبوة عيسى عليه السلام وبنبوة يحيى عليه السلام ولايفرق بين احد منهم وانالتطور التاريخي للانسان والحياة اقتضت الارادة الالهية له ان يتطور باتجاه الاسلامالذي يمثل الامتداد الطبيعي لديانة يحيى وموسى وعيسى عليهم السلام.
وكما ذكرنا فان امر القضاء لهو اهم الامور التي تحقق العدل وحق الانسان لذلك عرفعن النبي صلى الله عليه وسلم بانه قبل القضاء حتى في حق نفسه ذلك من امر الذي طلبالاقتصاص من رسول الله(ص) فكشف (ص) ظهره للمشكي ليقتص منه فقبل هذا المشتكي ظهررسول الله بدل ان يقتص منه لما راى من عدالته وخلقه العظيم وكذلك ماحدث في خلافةالخليفة الراشد الامام علي عليه السلام من امر اليهودي الذي ادعى ان الدرع درعهوليس درع الامام فقبل دعوته وطلب الحكم بالشهادة وهي من شروط القضاء وهكذا فانالاسلام روج ومعنى جسدته القيادة الحكيمة المتمثلة بالنبي محمد (ص) وخليفته الراشدامير المؤمنين علي عليه السلام ولو تفحصنا تاريخ ائمة اهل البيت وماكان منهم مناحترام اهل الاديان والتناظر والحوار السلمي معهم فهناك الكثير من الروايات التيتفيد هذا المعنى ولم يختار الائمة عليهم السيف في حق اهل العقائد ولكنهم وقفوامناظرين ومحاججين لبيان الحقيقة ودعوة الناس الى الحق من دون قهر او جبر.
وانك حين تتحقق من سلامة مذهب الاسلام فانك ترى ان اهل الاديان من الذين يعيشونفي بلاد المسلمين فانهم يعيشون بسلام وامان مع المسلمين وخير مثال على ذلك حياة اهلالاديان في بلاد العراق وايران وسوريا ولبنان وغيرها من البلدان الاسلامية.
ونحن ندعو الرئيس الامريكي بوش الابن الى ان يلتقي برجال الدين ممن نثق بسلامةمنطقهم وفهمهم للدين والتاريخ الذين يستوجب العصر الذي نعيشه ان يتقارب الرجالالقادة السياسيين والدينيين ليحفظوا دماء الناس على مختلف اديانهم وليعيشوا بسلاموعدل وسعادة.
كما ندعو البابا بنديكتوس الى دعوة رجال الدين الذين نثق بهموالذين يعبرون عن حقيقة الاسلام وجوهره وفكره الصافي الذي لايدعو الى العنف ويدعوالى التسامح.
فلقد علمنا ان البابا قد خرج عنه مايدعو الى الضبابية في فهم الدين والتاريخويحتاج الى لقاءات مهمة مع القادة الدينيين والمفكرين وهو في نفس الوقت يحتاج الىدعوات سلمية للقاء بالمسلمين في بلدانهم لنشر الاخوة الانسانية من اجل نبذ العنفالمتبادل وتحقيق التعايش السلمي الذي لابد منه للتنعم بالحياة والاستفادة منثرواتها بالطرق السلمية واتلتعاون الاقتصادي وتبادل المنفعة وتحقيق الحرية الشخصيةفي العادات والتقاليد داخا المجتمعات وكل حسب طبيعته وتفكيره ونمط سلوكيته ومن دوناعتداء على الحقوق الشخصية واحترام الانسان بما يحقق له رضاه وراحته وهناءه. وساورد الملابسات التي نتجت عن تلك التصريات وردود الافعال ليسنى القاء الضوء على مستقبلالعمل من اجل السلام.
نحن نعتقد بان السيف لايكون دائما عيبا فلقد استعملهالقائد اسكندر المقدوني وكذلك استخمه بعض الانبياء كسليمان وداوود ولكن هل استخدموهفي الباطل ام لاجل رفع الظلم وتحقيق العدالة بوجه المعتدين وهكذا فلقد استخدمهالامام علي عليه السلام ضد الارهابيين المتصيدين والطامعين وهكذا استخدمه الرسول (ص) ضد الارهابيين الذين حرموه من حرية الاعتقاد ومنعوه من حرية التعبير لنشرثقافته الجديدة التي تدعو الى نشر مفاهيم العدل والسعي الى تحقيق السعادة بتحريرالعبيد وتحرير المراة ومنع وئدها ورعاية حقوق الاطفال والمعوقين وضمان حقوق العاملوالفلاح والاجير وصندوق مساعدة الفقراء والمحتاجين بسن الضرائب للميسورين من التجارواصحاب المهن وارباب العمل وتوزيع الثروة بشكل عادل من دون تراكم من خلال ماشرعهالاسلام من نظام المواريث وحقوق الازواج والافراد وتنظيم الحق العام الى غير ذلكمما لايتسع المجال لذكرها ودفعا للاطالة والملل.
والان يعلم الرئيس بوش وكذلك البابا بنديكتوس ان امريكا والدول التي يسودهاالدين المسيحي تشن حروبا بالسيف ضد الارهابيين افليس في نفسها انها تدافع عن نفسهاضد الارهاب لحماية شعوبها من سيف الارهاب فالسيف يقابل السيف وشتان بين سيف العدلوسيف الظلم، والحسن عليه السلام حمل السيف للدفاع عن الانسان ومشروعه الانساني بوجهسيوف الظلم التي تجمعت لقتله وقتل اصحابه فلا كل سيف يرمز للارهاب ولا كل سيف يرمزالى الحق فالحق والباطل في سجا ل منذ ان خلق الله الانسان ومنذ ان نشا الصراع بينقابيل وهابيل ابني ادم وحواء ولازال الصراع بين بني ادم . صراع بين القابيليينوالهابيليين، وبين اليزيديين والحسينيين وسيستمر هذا الصراع حتى يتحقق الاملالمنشود التي تطلع اليه البشرية وهو انصياعها الى المصلح العالمي الذي يشتاق اليهكل الضعفاء من بني ادم، ولابد للعالم ان يتعاون في سبيل الحق والعدل والسلام ضدالارهاب اليومي الذي يجري على ارض البسيطة وتراق فيه دماء الكثير من الابرياء.
لو تصفحت القران بالتدريج لوجت انه يتناول النظرة الى اهل الكتاب باحترام وتمييزبين الغث والسمين وثم يتناول اوضاع الكفار والمشركين ويدعوهم الى الحوار من اجلالحق ويدعوهم الى السلام ولكنهم اختاروا السيف بوجه النبي الذي اضطر للدفاع عن حركةالمستضعفين من اجل الحق والعدل وسلام الاحرار واخيرا تناول القران احوال المنافقينوحذر منهم.
لذا فاننا سنستعرض بعض الايات التي تناولت الامور العقائدية والسلوكية لاهلالكتاب وهو ماركز عليه القران في فصوله الاولى من الاجزاء العشرة تقريبا وهو عبارةعن بحث مبسط سريع ارجو ان يفي بالغرض الذي من اجله قام البحث في هذه الفترة التييحاول البعض ان يصعد من الجفاء ويوسع الهوة بين الناس على مختلف عقائدهم عسى انيكون هذا البحث عاملا مساعدا لوئد الفتنة بين الناس وساحاول الايجاز ببيانالاستنتاجات المفيدة نحو هذا الاتجاه.
بحثقراني
اهلالكتابفيالقران
نظرةالاسلامالىاهلالكتاب
انالذين امنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من امن بالله واليوم الاخر وعمل صالحافلهم اجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الميزان في تفسير القران – سورة 1 البقرة الاية 62.
المحصلة :
الذين امنوا... وهم الذين امنوا بالرسول محمد (ص)، والذين هادوا والنصارى والصابئين الذين يتصفون بهذه الصفات لهم تلك الميزاتالمذكورة وفق الكتاب الكريم وهو القران المنزل على النبي محمد (ص) والذي يمثلالدستور المعبر عن قوانين ورؤية ونظرة وفلسفة الاسلام.
اقول: وهذه الصفات هيالايمان والعمل الصالح.
راجع الاية 69 من سورة 5 المائدة: ان الذين امنوا والذينهادوا والصابؤون والنصارى من امن بالله واليوم الاخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون .
فان حاجوك فقل اسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين اوتوا الكتابوالاميين ااسلمتم فان اسلموا فقد اهتدوا وان تولوا فانما عليك البلاغ والله بصيربالعباد . سورة 3 من ال عمران والتفسير المعتمد في بحثنا هو الميزان... باعتباره مناحدث التفاسير... والذي سمعته ان العلامة السيد ابو القاسم الخوئي رحمه الله كان قدال على نفسه تكملة تفسيره البيان لكنه اثر ان يستمر في تدريسه لان الميزان للعلامةالسيد محمد حسين الطباطبائي الحكيم قد سد الفراغ الذي كان يحتاجه عصره لمثله فتوقفعن تفسير سورة الفاتحة ولقد حرمنا حقيقة اثراء العلامة الخوئي في اكمال التفسيرلعظمة قلمه في الوقت الذي اتحفنا بثراء قلم الطباطبائي قدس سرهماالشريف.
اقول:وهي اشارة الى مبدا الحوار وحرية الاختيار.
قل يا اهل الكتابتعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم الا نعبد الا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذبعضنا بعضا اربابا من دون الله فان تولوا فقولوا اشهدوا بانا مسلمون . سورة 3 من العمران الاية 64.
قوله تعالى: قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، الخطاب لعامة أهل الكتاب، و الدعوة في قوله: تعالوا إلى كلمة «الخ» بالحقيقةإنما هي إلى الاجتماع على معنى الكلمة بالعمل به، و إنما تنسب إلى الكلمة لتدل علىكونها دائرة بألسنتهم كقولنا اتفقت كلمة القوم على كذا فيفيد معنى الإذعان والاعتراف و النشر و الإشاعة.
فالمعنى: تعالوا نأخذ بهذه الكلمة متعاونينمتعاضدين في نشرها و العمل بما توجبه.
اقول: الدعوة صريحة الى التفاهم المشتركواللقاء على اسس العقل والمنطق.
ومن اهل الكتاب من ان تامنه بقنطار يؤده اليكومنهم من ان تامنه بدينار لا يؤده اليك الا ما دمت عليه قائما ذلك بانهم قالوا ليسعلينا في الاميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون . ال عمران الاية 75.
و هناك وجه آخر و هو أن ذكر الوصف - و هو كونهم من أهل الكتاب مشعر بنوع منالتعليل، و ذلك أن صدور هذا القول و الفعل منهم - أعني قولهم: ليس علينا في الأميينسبيل، و أكلهم مال الناس بذلك لم يكن بذاك البعيد المستغرب لو كانوا أميين لأخبرعندهم من النبوة و الوحي لكنهم أهل الكتاب و عندهم الكتاب فيه حكم الله، و هميعلمون أن الكتاب لا يحكم لهم بذلك، و لا يبيح لهم مال غيرهم لأنه غيرهم فهذا الذيقالوه ثم فعلوه.
و هم أهل الكتاب منهم أغرب و أبعد، و التوبيخ و التقبيح عليهمأوجه و ألزم.
و القنطار و الدينار معروفان و المقابلة بينهما - على ما فيها منالمحسنات البديعية - و المقام مقام يذكر فيه الأمانة تفيد أنه كنى بهما عن الكثير والقليل، و المراد أن منهم من لا يخون الأمانة و إن كثرت و ثقلت قيمتها، و منهم منيخونها و إن قلت و خفت.
اقول: وهنا اشارة الى التمييز بين من يستحق الاحتراموبين من لايستحقه.
بلى من اوفى بعهده واتقى فان الله يحب المتقين. ال عمرانالاية 76.
قوله: فإن الله يحب المتقين من قبيل وضع الكبرى موضع الصغرى إيثاراللإيجاز، و التقدير فإن الله يحبه لأنه متق و الله يحب المتقين، و المراد أن كرامةالله لعباده المتقين حبه لهم لا ما زعمتموه من نفي السبيل.
فمفاد الكلام أنالكرامة الإلهية ليست بذاك المبتذل السهل التناول حتى ينالها كل من انتسب إليهانتسابا أو يحسبها كل محتال أو مختال كرامة جنسية أو قومية بل يشترط في نيلهاالوفاء بعهد الله و ميثاقه و التقوى في الدين فإذا تمت الشرائط حصلت الكرامة و هيالمحبة و الولاية الإلهية التي لا تعدو عبادة المتقين، و أثرها النصرة الإلهية، والحيوة السعيدة التي تعمر الدنيا و تصلح بال أهلها، و ترفع درجات الآخرة.
اقول: ان صفات الوفاء تليق بالمتقين ممن نال الكرامة.
ليسوا سواء من اهل الكتاب امةقائمة يتلون ايات الله اناء الليل وهم يسجدون. ال عمران الاية 113. يؤمنون باللهواليوم الاخر ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات واولئك منالصالحين 114. وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين 115.
قولهتعالى: ليسوا سواء - إلى قوله: - بالمتقين السواء مصدر أريد به معنى الوصف أي ليسوامستوين في الوصف و الحكم فإن منهم أمة قائمة يتلون آيات الله «الخ»، و من هنا يظهرأن قوله: من أهل الكتاب «الخ» في مقام التعليل يبين به وجه عدم استواء أهلالكتاب.
و قد اختلف في قوله: قائمة فقيل: أي ثابتة على أمر الله، و قيل: أيعادلة، و قيل: أي ذو أمة قائمة أي ذو طريقة مستقيمة، و الحق أن اللفظ مطلق يحتملالجميع غير أن ذكر الكتاب و ذكر أعمالهم الصالحة يعين أن المراد هو القيام علىالإيمان و الطاعة.
و الآناء جمع إنى بكسر الهمزة أو فتحها، و قيل: إنو و هوالوقت.
و المسارعة المبادرة و هي مفاعلة من السرعة قال في المجمع،: و الفرق بينالسرعة و العجلة أن السرعة هي التقدم فيما يجوز أن يتقدم فيه، و هي محمودة و ضدهاالإبطاء، و هو مذموم، و العجلة هي التقدم فيما لا ينبغي أن يتقدم فيه و هي مذمومة،و ضدها الأناة و هي محمودة، انتهى، و الظاهر أن السرعة في الأصل وصف للحركة، والعجلة وصف للمتحرك.
و الخيرات مطلق الأعمال الصالحة من عبادة أو إنفاق أو عدل أو قضاء حاجة، و هوجمع محلى باللام، و معناه الاستغراق، و يكثر إطلاقه على الخيرات المالية كما أنالخير يكثر إطلاقه على المال.
و قد عد الله سبحانه لهم جمل مهمات الصالحات، و هيالإيمان، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و المسارعة في كل خير، ثم وصفهمبأنهم صالحون فهم أهل الصراط المستقيم و زملاء النبيين و الصديقين و الشهداء لقولهتعالى: «اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم و لاالضالين»: الحمد - 7، و قوله تعالى: «فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين و الشهداء و الصالحين» الآية: النساء - 69، قيل: المراد بهؤلاء الممدوحينعبد الله بن سلام و أصحابه.
قوله تعالى: و ما يفعلوا من خير فلن يكفروه، من الكفران مقابل الشكر أي يشكرالله لهم فيرده إليهم من غير ضيعة كما قال تعالى: «و من تطوع خيرا فإن الله شاكرعليم»: البقرة - 158، و قال: «و ما تنفقوا من خير فلأنفسكم - إلى أن قال - و ماتنفقوا من خير يوف إليكم و أنتم لا تظلمون»: البقرة - 272.
اقول: توجد اشارة الىالذين يامرون بالمعروف وينهون عن المنكر وهم الصالحون.
وان من اهل الكتاب لمنيؤمن بالله وما انزل اليكم وما انزل اليهم خاشعين لله لا يشترون بايات الله ثمناقليلا اولئك لهم اجرهم عند ربهم ان الله سريع الحساب . ال عمران الاية 199.
الآيات بمنزلة تلخيص ما تقدم من بيان حال المؤمنين و المشركين و أهل الكتاب فيهذه السورة، بيان أن حال أبرار المؤمنين هو ذكر الله سبحانه، و التفكر في آياته والاستجارة بالله من عذاب النار، و سؤال المغفرة و الجنة، و أن الله استجاب لهم وسيرزقهم ما سألوه - هذه عامة حالهم - و أن الذين كفروا حالهم أنهم يتقلبون في متاعقليل ثم لهم مهاد النار فلا يقاس حال المؤمنين بحالهم، و قد استثنى منهم المتبعينللحق من أهل الكتاب فهم مع المؤمنين.
اقول: لاتخلو الامر من وجود اناس منهملايحبون الباطل.
ولله ما في السماوات وما في الارض ولقد وصينا الذين اوتواالكتاب من قبلكم واياكم ان اتقوا الله وان تكفروا فان لله ما في السماوات وما فيالارض وكان الله غنيا حميدا . سرة 4 النساء الاية 131.
و المعنى أن الله وصاكمجميعا بملازمة التقوى فاتقوه، و إن كفرتم فإنه غني عنكم و هو المالك لكل شيءالمتصرف فيه كيفما شاء و لما شاء إن يشأ أن يعبد و يتقى و لم تقوموا بذلك حق القيامفهو قادر أن يؤخركم و يقدم آخرين يقومون لما يحبه و يرتضيه، و كان الله على ذلكقديرا.
اقول: وهنا الوصية التي يحتمل الاستفادة منها من قبل البعض، وهو اهتمامخاص من الله سبحانه وتعالى يرحم به عباده.
اليوم احل لكم الطيبات وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهموالمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم اذا اتيتموهناجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي اخدان ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله وهو فيالاخرة من الخاسرين .سورة 5 المائدة الاية 5.
قوله تعالى: «اليوم أحل لكمالطيبات و طعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم و طعامكم حل لهم» إعادة ذكر حل الطيباتمع ذكره في الآية السابقة، و تصديره بقوله: «اليوم» للدلالة على الامتنان منه تعالىعلى المؤمنين بإحلال طعام أهل الكتاب و المحصنات من نسائهم للمؤمنين.
فكان نفوس المؤمنين لا تسكن عن اضطراب الريب في أمر حل طعام أهل الكتاب لهم بعدما كانوا يشاهدون التشديد التام في معاشرتهم و مخالطتهم و مساسهم و ولايتهم حتى ضمإلى حديث حل طعامهم أمر حل الطيبات بقول مطلق ففهموا منه أن طعامهم من سنخ سائرالطيبات المحللة فسكن بذلك طيش نفوسهم، و اطمأنت قلوبهم و كذلك القول في قوله: «والمحصنات من المؤمنات و المحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم». و أما قوله: «وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم و طعامكم حل لهم» فالظاهر أنه كلام واحد ذو مفادواحد، إذ من المعلوم أن قوله: «و طعامكم حل لهم» ليس في مقام تشريع حكم الحل لأهلالكتاب، و توجيه التكليف إليهم و إن قلنا بكون الكفار مكلفين بالفروع الدينيةكالأصول، فإنهم غير مؤمنين بالله و رسوله و بما جاء به رسوله و لا هم يسمعون و لاهم يقبلون، و ليس من دأب القرآن أن يوجه خطابا أو يذكر حكما إذا استظهر من المقامأن الخطاب معه يكون لغوا و التكليم معه يذهب سدى.
اللهم إلا إذا أصلح ذلك بشيء من فنون التكليم كالالتفات من خطاب الناس إلى خطابالنبي و نحو ذلك كقوله: «قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم»: آلعمران: 64 و قوله: «قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا»: إسراء: 93 إلى غير ذلك منالآيات.
و بالجملة ليس المراد بقوله: «و طعام الذين»، بيان حل طعام أهل الكتاب للمسلمينحكما مستقلا و حل طعام المسلمين لأهل الكتاب حكما مستقلا آخر، بل بيان حكم واحد وهو ثبوت الحل و ارتفاع الحرمة عن الطعام، فلا منع في البين حتى يتعلق بأحد الطرفيننظير قوله تعالى: «فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم و لاهم يحلون لهن»: الممتحنة: 10 أي لا حل في البين حتى يتعلق بأحد الطرفين.
ثم إنالطعام بحسب أصل اللغة كل ما يقتات به و يطعم لكن قيل: إن المراد به البر و سائرالحبوب ففي لسان العرب: و أهل الحجاز إذا أطلقوا اللفظ بالطعام عنوا به البرخاصة.
قال: و قال الخليل: العالي في كلام العرب أن الطعام هو البر خاصة،انتهى.
و هو الذي يظهر من كلام ابن الأثير في النهاية، و لهذا ورد في أكثرالروايات المروية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام): أن المراد بالطعام في الآية هوالبر و سائر الحبوب إلا ما في بعض الروايات مما يظهر به معنى آخر و سيجيء الكلامفيه في البحث الروائي الآتي.
و على أي حال لا يشمل هذا الحل ما لا يقبل التذكية من طعامهم كلحم الخنزير، أويقبلها من ذبائحهم لكنهم لم يذكوها كالذي لم يهل به لله، و لم يذك تذكية إسلاميةفإن الله سبحانه عد هذه المحرمات المذكورة في آيات التحريم - و هي الآي الأربع التيفي سور البقرة و المائدة و الأنعام و النحل - رجسا و فسقا و إثما كما بيناه فيمامر، و حاشاه سبحانه أن يحل ما سماه رجسا أو فسقا أو إثما امتنانا بمثل قوله «اليومأحل لكم الطيبات».
على أن هذه المحرمات بعينها واقعة قبيل هذه الآية في نفسالسورة، و ليس لأحد أن يقول في مثل المورد بالنسخ و هو ظاهر، و خاصة في مثل سورةالمائدة التي ورد فيها أنها ناسخة غير منسوخة.
قوله تعالى: «و المحصنات من المؤمنات و المحصنات من الذين أوتوا الكتاب منقبلكم»، الإتيان في متعلق الحكم بالوصف أعني ما في قوله: «الذين أوتوا الكتاب» منغير أن يقال: من اليهود و النصارى مثلا أو يقال: من أهل الكتاب، لا يخلو من إشعاربالعلية و اللسان لسان الامتنان، و المقام مقام التخفيف و التسهيل، فالمعنى: أنانمتن عليكم بالتخفيف و التسهيل في رفع حرمة الازدواج بين رجالكم و المحصنات من نساءأهل الكتاب لكونهم أقرب إليكم من سائر الطوائف غير المسلمة، و هم أوتوا الكتاب وأذعنوا بالتوحيد و الرسالة بخلاف المشركين و الوثنيين المنكرين للنبوة، و يشعر بماذكرنا أيضا تقييد قوله: «أوتوا الكتاب» بقوله: «من قبلكم» فإن فيه إشعارا واضحابالخطط و المزج و التشريك.
و كيف كان لما كانت الآية واقعة موقع الامتنان و التخفيف لم تقبل النسخ بمثلقوله تعالى: «و لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن»: البقرة: 212 و قوله تعالى: «و لاتمسكوا بعصم الكوافر»: الممتحنة: 10 و هو ظاهر.
على أن الآية الأولى واقعة في سورة البقرة، و هي أول سورة مفصلة نزلت بالمدينةقبل المائدة: و كذا الآية الثانية واقعة في سورة الممتحنة، و قد نزلت بالمدينة قبلالفتح، فهي أيضا قبل المائدة نزولا، و لا وجه لنسخ السابق للاحق مضافا إلى ما ورد: أن المائدة آخر ما نزلت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فنسخت ما قبلها، و لمينسخها شيء.
على أنك قد عرفت في الكلام على قوله تعالى: «و لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن»: الآية البقرة: 212 في الجزء الثاني من الكتاب أن الآيتين أعني آية البقرة و آيةالممتحنة أجنبيتان من الدلالة على حرمة نكاح الكتابية.
و لو قيل بدلالة آية الممتحنة بوجه على التحريم كما يدل على سبق المنع الشرعيورود آية المائدة في مقام الامتنان و التخفيف - و لا امتنان و لا تخفيف لو لم يسبقمنع - كانت آية المائدة هي الناسخة لآية الممتحنة لا بالعكس لأن النسخ شأن المتأخر،و سيأتي في البحث الروائي كلام في الآية الثانية.
ثم المراد بالمحصنات في الآية: العفائف و هو أحد معان الإحصان، و ذلك أن قوله: «و المحصنات من المؤمنات و المحصنات من الذين أوتوا الكتاب، يدل على أن المرادبالمحصنات غير ذوات الأزواج و هو ظاهر، ثم الجمع بين المحصنات من أهل الكتاب والمؤمنات على ما مر من توضيح معناها يقضي بأن المراد بالمحصنات في الموضعين معنىواحد، و ليس هو الإحصان بمعنى الإسلام لمكان قوله: و المحصنات من الذين أوتواالكتاب، و ليس المراد بالمحصنات الحرائر فإن الامتنان المفهوم من الآية لا يلائمتخصيص الحل بالحرائر دون الإماء، فلم يبق من معاني الإحصان إلا العفة فتعين أنالمراد بالمحصنات العفائف.
و بعد ذلك كله إنما تصرح الآية بتشريع حل المحصنات منأهل الكتاب للمؤمنين من غير تقييد بدوام أو انقطاع إلا ما ذكره من اشتراط الأجر وكون التمتع بنحو الإحصان لا بنحو المسافحة و اتخاذ الأخدان، فينتج أن الذي أحلللمؤمنين منهن أن يكون على طريق النكاح عن مهر و أجر دون السفاح، من غير شرط آخر مننكاح دوام أو انقطاع، و قد تقدم في قوله تعالى: «فما استمتعتم به منهن فأتوهن»: الآية النساء: 24 في الجزء الرابع من الكتاب أن المتعة نكاح كالنكاح الدائم، وللبحث بقايا تطلب من علم الفقه.
قوله تعالى: «إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين و لا متخذي أخدان» الآيةفي مساق قوله تعالى في آيات محرمات النكاح: «و أحل لكم ما وراء ذلك أن تبتغوابأموالكم محصنين غير مسافحين»: النساء: 24. و الجملة قرينة على كون المراد بالآيةبيان حلية التزوج بالمحصنات من أهل الكتاب من غير شمول منها لملك اليمين.
اقول: وهذه اشارات لطيفة لتوليد الانسجام الاجتماعي في الطعام والنكاح.
لتجدناشد الناس عداوة للذين امنوا اليهود والذين اشركوا ولتجدن اقربهم مودة للذين امنواالذين قالوا انا نصارى ذلك بان منهم قسيسين ورهبانا وانهم لا يستكبرون. سورة 5المائدة الاية 82.
اقول: وهنا عبارات مدح للعابدين والمتواضعين.
واذا سمعوا ما انزل الى الرسول ترى اعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحقيقولون ربنا امنا فاكتبنا مع الشاهدين . سورة المائدة الاية 83.
اقول: وهذهاشارة الى العقول المتفتحة التي تتجاوب مع العقل والمنطق واحترام الحق.
وما لنالا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع ان يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين. سورةالمائدة الاية 84.
اقول: وهكذا تفعل المواعظ البالغة باهلها.
فاثابهمالله بما قالوا جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين. سورةالمائدة الاية 85.
اقول: وهكذا يحسن الخالق للمحسنين منهم.
قوله تعالى: «لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود و الذين أشركوا - إلى قوله - نصارى» لمابين سبحانه في الآيات السابقة الرذائل المشتركة بين أهل الكتاب عامة، و بعض ما يختصببعضهم كقول اليهود: «يد الله مغلولة» و قول النصارى: «إن الله هو المسيح بن مريم» ختم الآيات بما يختص به كل من الطائفين إذا قيس حالهم من المؤمنين و دينهم، و أضافإلى حالهم حال المشركين ليتم الكلام في وقع الإسلام من قلوب الأمم غير المسلمة منحيث قربهم و بعدهم من قبوله.
و يتم الكلام في أن النصارى أقرب تلك الأمم مودة للمسلمين و أسمع لدعوتهمالحقة.
و إنما عدهم الله سبحانه أقرب مودة للمسلمين لما وقع من إيمان طائفة منهمبالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما يدل عليه قوله في الآية التالية: «و إذاسمعوا ما أنزل إلى الرسول» «إلخ»، لكن لو كان إيمان طائفة تصحح هذه النسبة إلىجميعهم كان من الواجب أن تعد اليهود و المشركون كمثل النصارى و ينسب إليهما نظير مانسب إليهم لمكان إسلام طائفة من اليهود كعبد الله بن سلام و أصحابه، و إسلام عدة منمشركي العرب و هم عامة المسلمين اليوم فتخصيص النصارى بمثل قوله: «و إذا سمعوا ماأنزل» «إلخ»، دون اليهود و المشركين يدل على حسن إقبالهم على الدعوة الإسلامية وإجابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع أنهم على خيار بين أن يقيموا على دينهم ويؤدوا الجزية، و بين أن يقبلوا الإسلام، أو يحاربوا.
و هذا بخلاف المشركين فإنهملم يكن يقبل منهم إلا قبول الدعوة فكثرة المؤمنين منهم لا يدل على حسن الإجابة، علىما كابد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من جفوتهم و لقاه المسلمون من أيديهمبقسوتهم و نخوتهم.
و كذلك اليهود و إن كانوا كالنصارى في إمكان إقامتهم على دينهم و تأدية الجزيةإلى المسلمين لكنهم تمادوا في نخوتهم، و تصلبوا في عصبيتهم، و أخذوا بالمكر والمكيدة، و نقضوا عهودهم، و تربصوا الدوائر على المسلمين، و مسوهم بأمر المس وآلمه.
و هذا الذي جرى من أمر النصارى مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و الدعوةالإسلامية، و حسن إجابتهم، و كذا من أمر اليهود و المشركين في التمادي علىالاستكبار و العصبية جرى بعينه بعده (صلى الله عليه وآله وسلم) على حذو ما جرى فيعهده فما أكثر من لبى الدعوة الإسلامية من فرق النصارى خلال القرون الماضية، و ماأقل ذلك من اليهود و الوثنيين! فاحتفاظ هذه الخصيصة في هؤلاء و هؤلاء يصدق الكتابالعزيز في ما أفاده.
و من المعلوم أن قوله تعالى: «لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا» من قبيل بيانالضابط العام في صورة خطاب خاص نظير ما مر في الآيات السابقة: «ترى كثيرا منهميتولون الذين كفروا» و «ترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم».
قوله تعالى: «ذلك بأن منهم قسيسين و رهبانا و أنهم لا يستكبرون» القسيس معرب «كشيش» و الرهبان جمع الراهب و قد يكون مفردا، قال الراغب: الرهبة و الرهب مخافة معتحرز - إلى أن قال - و الترهب التعبد، و الرهبانية غلو في تحمل التعبد من فرطالرهبة، قال تعالى: «و رهبانية ابتدعوها» و الرهبان يكون واحدا و جمعا فمن جعلهواحدا جمعه على رهابين، انتهى.
علل تعالى ما ذكره من كون النصارى أقرب مودة وآنس قلوبا للذين آمنوا بخصال ثلاث يفقدها غيرهم من اليهود و المشركين، و هي أن فيهمعلماء و أن فيهم رهبانا و زهادا، و أنهم لا يستكبرون و ذلك مفتاح تهيؤهمللسعادة.
و ذلك أن سعادة حياة الدين أن تقوم بصالح العمل عن علم به، و إن شئت فقل: إنيذعن بالحق فيطبق عمله عليه فله حاجة إلى العلم ليدرك به حق الدين و هو دين الحق، ومجرد إدراك الحق لا يكفي للتهيؤ للعمل على طبقه حتى ينتزع الإنسان من نفسه الهيئةالمانعة عنه، و هو الاستكبار عن الحق بعصبية و ما يشابهها، و إذا تلبس الإنسانبالعلم النافع و النصفة في جنب الحق برفع الاستكبار تهيأ للخضوع للحق بالعمل به لكنبشرط عدم منافاة الجو لذلك فإن لموافقة الجو للعمل تأثيرا عظيما في باب الأعمال فإنالأعمال التي يعتورها عامة المجتمع و ينمو عليها أفراده، و تستقر عليهم عادتهم خلفاعن سلف لا يبقى للنفس فراغ أن تتفكر في أمرها أو تتدبر و تدبر في التخلص عنها إذاكانت ضارة مفسدة للسعادة، و كذلك الحال في الأعمال الصالحة إذا استقر التلبس بها فيمجتمع يصعب على النفس تركها، و لذا قيل: إن العادة طبيعة ثانية، و لذا كان أيضا أولفعل مخالف حرجا على النفس في الغاية و هو عند النفس دليل على الإمكان، ثم لا يزالكلما تحقق فعل زاد في سهولة التحقق و نقص بقدره من صعوبته.
فإذا تحقق الإنسان أن عملا كذا حق صالح و نزع عن نفسه أغراض العناد و اللجاجبإماتة الاستكبار و الاستعلاء على الحق كان من العون كل العون على إتيانه أن يرىإنسانا يرتكبه فتتلقى نفسه إمكان العمل.
و من هنا يظهر أن المجتمع إنما يتهيألقبول الحق إذا اشتمل على علماء يعلمونه و يعلمونه، و على رجال يقومون بالعمل بهحتى يذعن العامة بإمكان العمل و يشاهدوا حسنه، و على اعتياد عامتهم على الخضوع للحقو عدم الاستكبار عنه إذا انكشف لهم.
و لهذا علل الله سبحانه قرب النصارى من قبول الدعوة الحقة الدينية بأن فيهمقسيسين و رهبانا و أنهم لا يستكبرون ففيهم علماء لا يزالون يذكرونهم مقام الحق ومعارف الدين قولا، و فيهم زهاد يذكرونهم عظمة ربهم و أهمية سعادتهم الأخروية والدنيوية عملا، و فيهم عدم الاستكبار عن قبول الحق.
و أما اليهود فإنهم و إن كانفيهم أحبار علماء لكنهم مستكبرون لا تدعهم رذيلة العناد و الاستعلاء أن يتهيئوالقبول الحق.
و أما الذين أشركوا فإنهم يفقدون العلماء و الزهاد، و فيهم رذيلةالاستكبار.
قوله تعالى: «و إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض منالدمع» «إلخ»، فاضت العين بالدمع سال دمعها بكثرة، و من في قوله: «من الدمع» للابتداء، و في قوله: «مما» للنشوء، و في قوله: «من الحق» بيانية.
قوله تعالى: «و ما لنا لا نؤمن بالله» «إلخ»، لفظة «يدخلنا» كأنها مضمنة معنى الجعل، و لذلك عديبمع، و المعنى: يجعلنا ربنا مع القوم الصالحين مدخلا لنا فيهم.
و في هذه الأفعالو الأقوال التي حكاها الله تعالى عنهم تصديق ما ذكره عنهم أنهم أقرب مودة للذينآمنوا، و تحقيق أن فيهم العلم النافع و العمل الصالح و الخضوع للحق حيث كان فيهمقسيسون و رهبان و هم لا يستكبرون.
قوله تعالى: «فأثابهم الله» إلى آخر الآيتين، «الإثابة» المجازاة، و الآية الأولى ذكر جزائهم، و الآية الثانية فيها ذكر جزاء منخالفهم على طريق المقابلة استيفاء للأقسام.
الذين يتبعون الرسول النبي الاميالذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يامرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكرويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم اصرهم والاغلال التي كانت عليهمفالذين امنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه اولئك هم. سورة 7الاعراف الاية 157.
و قوله: «الذين يتبعون الرسول النبي الأمي» الآية بحسب ظاهرالسياق بيان لقوله: «و الذين هم بآياتنا يؤمنون» و يؤيده ما هو ظاهر الآية أن كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) رسولا نبيا أميا و يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر، ويحل لهم الطيبات و يحرم عليهم الخبائث، و يضع عنهم إصرهم و الأغلال التي كانت عليهمكل ذلك من أمارات النبوة الخاتمية و آياتها المذكورة لهم في التوراة و الإنجيل فمنالإيمان بآيات الله الذي شرطه الله تعالى لهم في كلامه: أن يؤمنوا بالآيات المذكورةلهم أمارات لنبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).
اقول: وهي اشارة الى تحرر بعضالعقول من التقليد واتباع الهوى.
قوله تعالى: «و من قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون» سورة 7 الاعراف الاية 159 و هذا من نصفة القرآن مدح من يستحق المدح، وحمد صالح أعمالهم بعد ما قرعهم بما صدر عنهم من السيئات فالمراد أنهم ليسوا جميعاعلى ما وصفنا من مخالفة الله و رسوله، و التزام الضلال و الظلم بل منهم أمة يهدونالناس بالحق و بالحق يعدلون فيما بينهم فالباء في قوله: «بالحق» للآلة و تحتملالملابسة.
اقول: وهنا مدح لاصحاب العقول امستنيرة الفاعلة.
والذين يمسكونبالكتاب واقاموا الصلاة انا لا نضيع اجر المصلحين. الاعراف الاية 170.
و الآيةأعني قوله: «و الذين يمسكون بالكتاب» الآية في نفسها عامة مستقلة لكنها بحسب دخولهافي سياق الكلام في بني إسرائيل معتنية بشأنهم، و المراد بالكتاب بهذا النظر التوراةأو هي و الإنجيل.
اقول: وهي اشارة الى الاهتمام بالصالحين منهم.
ان الذينامنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين اشركوا ان الله يفصل بينهميوم القيامة ان الله على كل شيء شهيد . سورة 22 الحج الاية 17.
المراد بالذينآمنوا بقرينة المقابلة هم الذين آمنوا بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و كتابهمالقرآن.
و الذين هادوا هم المؤمنين بموسى من قبله من الرسل الواقفون فيه وكتابهم التوراة و قد أحرقها بخت نصر ملك بابل حينما استولى عليهم في أواسط القرنالسابع قبل المسيح فافتقدوها برهة ثم جدد كتابتها لهم عزراء الكاهن في أوائل القرنالسادس قبل المسيح حينما فتح كوروش ملك إيران بابل و تخلص بنو إسرائيل من الإسارة ورجعوا إلى الأرض المقدسة.
و الصابئون ليس المراد بهم عبدة الكواكب من الوثنيةبدليل ما في الآية من المقابلة بينهم و بين الذين أشركوا بل هم - على ما قيل - قوممتوسطون بين اليهودية و المجوسية و لهم كتاب ينسبونه إلى يحيى بن زكريا النبي ويسمى الواحد منهم اليوم عند العامة «صبي» و قد تقدم لهم ذكر في ذيل قوله: «إن الذينآمنوا و الذين هادوا و النصارى و الصابئين:» البقرة: 62.
و النصارى هم المؤمنونبالمسيح عيسى بن مريم (عليهما السلام) و من قبله من الأنبياء و كتبهم المقدسةالأناجيل الأربعة للوقا و مرقس و متى و يوحنا و كتب العهد القديم على ما اعتبرته وقدسته الكنيسة لكن القرآن يذكر أن كتابهم الإنجيل النازل على عيسى (عليهالسلام).
و المجوس المعروف أنهم المؤمنون بزرتشت و كتابهم المقدس «أوستا» غير أنتاريخ حياته و زمان ظهوره مبهم جدا كالمنقطع خبره و قد افتقدوا الكتاب باستيلاءإسكندر على إيران ثم جددت كتابته في زمن ملوك ساسان فأشكل بذلك الحصول على حاقمذهبهم و المسلم أنهم يثبتون لتدبير العالم مبدأين مبدأ الخير و مبدأ الشر يزدان وأهريمن أو النور و الظلمة - و يقدسون الملائكة و يتقربون إليهم من غير أن يتخذوالهم أصناما كالوثنية، و يقدسون البسائط العنصرية و خاصة النار و كانت لهم بيوتنيران بإيران و الصين و الهند و غيرها و ينهون الجميع إلى «أهورامزدا» موجدالكل.
و الذين أشركوا هم الوثنية عبدة الأصنام و أصول مذاهبهم ثلاثة: الوثنية الصابئة،و البرهمانية، و البوذية، و قد كان هناك أقوام آخرون يعبدون من الأصنام ما شاءواكما شاءوا من غير أن يبنوه على أصل منظم كعرب الحجاز و طوائف في أطراف المعمورة وقد تقدم تفصيل القول فيهم في الجزء العاشر من الكتاب.
و قوله: «إن ربك يفصلبينهم يوم القيامة» المراد به فصل القضاء فيما اختلف فيه أصحاب هذه المذاهب واختصموا فينفصل المحق منهم و يتميز من المبطل انفصالا و تميزا لا يستره ساتر و لايحجبه حاجب.
اقول: وهذه اشارة الى وجود الاختلاف في العقيدة بين الاديان وسيكونالحساب على هذا الاختلاف بين يدي الله سبحانه وتعالى.
17 September 2006
ملحق
البابا بنديكتوس يأسف لردود الفعل الغاضبة على تعليقاته إزاءالإسلام، وأوضح أن ما قاله مجرد اقتباس لا يعكس رأيه الشخصي.
أرني ما الجديدالذي جاء به محمد وعندها لن تجد إلا ما هو شرير ولاإنساني، مثل أمره نشر الدين الذينادى به بالسيف
رأي الإمبراطور البيزنطي مانويل باليولوغوس الثاني، الذيأشار إليه البابا في خطابه.
النص الكامل للرد البابوي
السبت 16 أيلول 2006تصريح أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان الكردينال تارشيزيو بيرتوني حول ردود فعلالجهات الإسلامية حيال بعض المقتطفات من خطاب البابا في جامعة ريغينسبورغ.
ردودفعل جهات إسلامية حيال بعض المقتطفات من خطاب البابا بندكتس السادس عشر في جامعةريغينسبورغ والإيضاحات التي قدمها مدير دار الصحافة التابعة للكرسي الرسولي، أود أنأضيف ما يلي:
ـ إن موقف البابا حيال الإسلام يتمثل بدون أي التباس في الوثيقةالمجمعية "في عصرنا": وثيقة Nostra Aetate (التي تناولت علاقة الكنيسة بالأديان غيرالمسيحية تحت عنوان "في زماننا" وأقرت إثر مجمع الفاتيكان الثاني في 28أكتوبر/تشرين الأول 1965):
وتنظر الكنيسة بعين الاعتبار أيضا إلى المسلمينالذين يعبدون الإله الواحد القيوم الرحيم الضابط الكل خالق السماء والأرض المكلمالبشر. ويجتهدون في أن يخضعوا بكليتهم حتى لأوامر الله الخفية كما يخضع له إبراهيمالذي يُسند إليه بطيبة خاطر الإيمان الإسلامي. ولأنهم يجلون يسوع كنبي وإن لميعترفوا به كإله ويكرمون مريم أمه العذراء كما أنهم يدعونها أحيانا بتقوى. وعلاوةعلى ذلك إنهم ينتظرون يوم الدين عندما يثيب الله كل البشر القائمين من الموت. ويعتبرون أيضا الحياة الأخلاقية ويؤدون العبادة لله لا سيما بالصلاة والزكاةوالصوم.
ولا التباس في موقف البابا من أجل الحوار الديني والثقافي المشترك. خلال لقائهمع ممثلي بعض الجاليات الإسلامية في كولونيا في 20 أغسطس 2005 قال إن الحوار بينالمسيحيين والمسلمين يجب ألا يتحول إلى خيار موسمي؛ وأضاف أن خبرات الماضي يجب أنتساعدنا على تحاشي ارتكاب الأخطاء نفسها. نريد البحث عن دروب المصالحة والعيش ضمناحترام هوية الآخر.
ـ في ما يتعلق برأي الإمبراطور البيزنطي مانويل باليولوغوسالثاني، الذي أشار إليه البابا في خطابه في ريغينسبورغ، فإن الأب الأقدس لم يشأ ولايريد بشكل مطلق تبنيه لكنه استخدمه فقط، في إطار أكاديمي ووفقا لقراءة يقظة وكاملةللنص، كي يقوم ببعض
ونقلا عن الموقع الالكتروني لمحطة البي بي سي البريطانية :
رأي الإمبراطور البيزنطي مانويل باليولوغوس الثاني، الذي أشار إليه البابافي خطابه :
"ارني ما الجديد الذي جاء به محمد وعندها لن تجد إلا ما هو شريرولاإنساني، مثل أمره نشر الدين الذي نادى به بالسيف".
النص الكامل للردالبابوي
السبت 16 أيلول 2006 تصريح أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان الكردينالتارشيزيو بيرتوني حول ردود فعل الجهات الإسلامية حيال بعض المقتطفات من خطاب البابافي جامعة ريغينسبورغ.
أمام ردود فعل جهات إسلامية حيال بعض المقتطفات من خطابالبابا بندكتس السادس عشر في جامعة ريغينسبورغ والإيضاحات التي قدمها مدير دارالصحافة التابعة للكرسي الرسولي، أود أن أضيف ما يلي:
ـ إن موقف البابا حيالالإسلام يتمثل بدون أي التباس في الوثيقة المجمعية "في عصرنا": وثيقة Nostra Aetate (التي تناولت علاقة الكنيسة بالأديان غير المسيحية تحت عنوان "في زماننا" وأقرت إثرمجمع الفاتيكان الثاني في 28 أكتوبر/تشرين الأول 1965):
وتنظر الكنيسة بعينالاعتبار أيضا إلى المسلمين الذين يعبدون الإله الواحد القيوم الرحيم الضابط الكلخالق السماء والأرض المكلم البشر. ويجتهدون في أن يخضعوا بكليتهم حتى لأوامر اللهالخفية كما يخضع له إبراهيم الذي يُسند إليه بطيبة خاطر الإيمان الإسلامي. ولأنهميجلون يسوع كنبي وإن لم يعترفوا به كإله ويكرمون مريم أمه العذراء كما أنهم يدعونهاأحيانا بتقوى. وعلاوة على ذلك إنهم ينتظرون يوم الدين عندما يثيب الله كل البشرالقائمين من الموت. ويعتبرون أيضا الحياة الأخلاقية ويؤدون العبادة لله لا سيمابالصلاة والزكاة والصوم.
ولا التباس في موقف البابا من أجل الحوار الديني والثقافي المشترك. خلال لقائهمع ممثلي بعض الجاليات الإسلامية في كولونيا في 20 أغسطس 2005 قال إن الحوار بينالمسيحيين والمسلمين يجب ألا يتحول إلى خيار موسمي؛ وأضاف أن خبرات الماضي يجب أنتساعدنا على تحاشي ارتكاب الأخطاء نفسها. نريد البحث عن دروب المصالحة والعيش ضمناحترام هوية الآخر.
ـ في ما يتعلق برأي الإمبراطور البيزنطي مانويل باليولوغوس الثاني، الذي أشارإليه البابا في خطابه في ريغينسبورغ، فإن الأب الأقدس لم يشأ ولا يريد بشكل مطلقتبنيه لكنه استخدمه فقط، في إطار أكاديمي ووفقا لقراءة يقظة وكاملة للنص، كي يقومببعض التأملات حول موضوع العلاقة بين الدين والعنف بشكل عام والوصول في نهاية المطافإلى رفض جذري وواضح للتعليل الديني للعنف من أي جهة أتى. تجدر الإشارة في هذاالسياق إلى ما قاله مؤخرا البابا بندكتس السادس عشر في خطابه لمناسبة الذكرىالعشرين للقاء الصلاة ما بين الأديان الذي شاءه السعيد الذكر البابا يوحنا بولسالثاني في أسيزي في أكتوبر 1986:"... لا يمكن نسب مظاهر العنف إلى الدين إنما إلىالحدود الثقافية التي يعيش وينمو فيها مع مرور الزمن... في الواقع، إن جميعالتقاليد الدينية الكبرى تحتوي على شهادات عن الصلة الحميمة بين العلاقة مع اللهوأخلاقية المحبة.
ـ وبالتالي إن الأب الأقدس يأسف أشد الأسف أن تكون بعض مقتطفات خطابه قد بدتمهينة لمشاعر المؤمنين المسلمين وفُسرت بطريقة مخالفة لمقاصده. ومن جهة أخرى، فإنالبابا، أمام حماسة المشاعر الدينية للمسلمين، حذر الثقافة الغربية المعلمنة كيتتحاشى احتقار الله والاستخفاف به والذي يعتبر الاستهزاء بالمقدسات حقا في الحرية.
ـ إن البابا، إذ يؤكد احترامه وتقديره للمؤمنين المسلمين، يأمل بأن يتفهمواكلماته بمعناها الصحيح كي تتقوى، بعد تخطي هذه الفترة غير السهلة، الشهادة للإلهالواحد القيوم الرحيم الضابط الكل خالق السماء والأرض المكلم البشر، والتعاونالمشترك من أجل صيانة وتعزيز العدالة الاجتماعية والخيور الأخلاقية والسلاموالحرية. انتهى . وفي الصانداي تايمز مقال معه صورة للبابا بندكت السادس عشر يشغلصفحة بكاملها، تحت عنوان "البابا في مواجهة الرسول".
"بكلمتين اثنتين - شرير ولا انساني ربطهما بالرسول محمد، اعاد البابا العلاقاتمع الاسلام الى الوراء عدة حقب، فقد ادت الكلمتان الى اشعال غضب المتشددين منالمسلمين والصدمة والاسف في اوساط المعتدلين منهم. وقد صدرت تهديدات ليس فقط ضدالبابوية، بل ضد الكاثوليك ككل، وعددهم يناهز المليار."
وتضيف الصنداي تايمز ان "اقوال البابا خلقت انقسامات كبيرة وسط الكنيسة ايضا بين الكاثوليك التقليديينوالتقدميين المعتدلين. وحتى أولئك الذين كانوا راضين عن البابا ويقولون انه لن يدخلفي مواجهة مع الجناح اللبرالي لكنيسته، غيروا نظرتهم الآن مستغربين للطريقة التيكشر فيها راتسنغر عن اسنانه العجوزة".
وتذكر الصحيفة بمحاولة المتحدث باسمالفاتيكان فريديريكو لومباردي الدفاع عن اقوال البابا بالتركيز على السياق الذيجاءت فيه، لكن "رنين الكلمات يبقى بعد غياب السياق."
وتضيف انه "من المعروف ان الثقافة الاسلامية هي التي ابقت ثراث ارسطو حيا عبرعصور الظلمات ومكنت الكاثوليك من اعادة التوفيق بين الدين والعقل على يد توماسأكيناس."
وتنقل الصنداي تايمز عن "مصدر انجليكاني رفيع" ان الاسلام "كان دين العقل قبلالمسيحية، فالرياضيات والطب تطورا في العالم الاسلامي، وان كان هناك صراع بينالعقلانية وظلامية العصور الوسطى، فعلينا الاقرار بان الاسلام في صفالعقلانية."
وقد صدرت رسالة من مؤسسة الامام علي عليه السلام في لندن، الىقداسة البابا بنديكتوس السادس عشراحتجاجا على تصريحه
قداسة البابا بنديكتوسالسادس عشر
00120 مدينة دولة الفاتيكان
أوروبا
لقد فوجئ العالمالإسلامي بموقف قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر من الإسلام وصدم صدمة تركتهمذهولا ً لا يكاد يصدّق سمعه وبصره ، ذلك أن كلامه لم يكن خطابا ً مرتجلا ًللجماهير ولا تصريحا ً للصحافة كي يعتذر عنه بأنه زلة لسان وإنما جاء خلال محاضرةفي معهد من معاهد العلم وناد ٍ من نوادي المعرفة والفكر ، سيمّا وقد ظهر على شاشةبعض الفضائيات مساء 15-9-2006 الأب جون الهاشم وهو يؤكد موقف البابا ويصرّح بوضوحأنّه موقف الفاتيكان الثابت وليس بالأمر المستجد وأن الأعتراض عليه ناشئ من سوءالفهم لكلامه .
ونحن إذ نضم صوتنا إلى أصوات المعترضين والمحتجين نعرب عندهشتنا من ضحالة ثقافة رجل يشكّل كلامه المتن العقائدي لمئات الملايين من البشروسطحية معرفته باصول الديانات وقرائته الخاطئة لمفاهيم الإسلام بالخصوص، وندعوه لاإلى الإعتذار ليدخل الأمر في دائرة المجاملات واسداء الستار على الحقائق بل إلىتصحيح موقفه عبر قراءة جديدة دقيقة شاملة لمفردات الدين الإسلامي، وأن الحوزاتالعلمية على أتمّ الأستعداد لتقديم المساعدات اللازمة لقيامه بهذه المهمّة وفتح بابالحوار العلمي الهادئ سواء بالمكاتبات المنتظمة أو اللقاءات المتبادلة ذلك أنالحوار عندنا فريضة فضلا ً عن كونه فضيلة (وانا واياكم لعلى هدى ً أو في ضلال مبين ) (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن).
مؤسسة الامام علي (ع) - لندن
21 شعبان 1427هـ
15 ايلول 2006م
انتهىالبحث.
فهرست المواضيع:
المفهوم الجدلي السياسي للدينوالتاريخ.
بحث قراني معتمد على تفسير الميزان واشارات مستنتجة على وجه العمومتفيد المعنى، اهل الكتاب في القران، نظرة الاسلام الى اهل الكتاب.
نقل عن الموقعالالكتروني لمحطة البي بي سي البريطانية رأي الإمبراطور البيزنطي مانويل باليولوغوسالثاني، الذي أشار إليه البابا في خطابه.
الصانداي تايمز مقال معه صورة للبابابندكت السادس عشر يشغل صفحة بكاملها، تحت عنوان "البابا في مواجهةالرسول".
تصريحات بوش والبابا بنديكيتس السادس عشر، وردود الافعال.
النصالكامل للرد البابوي مع توسعة.
رسالة من مؤسسة الامام علي عليه السلام في لندن،الى قداسة البابا بنديكتوس السادس عشراحتجاجا على تصريحه(الموقع الالكتروني لمؤسسةالامام علي عليه السلام