المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العقل الكردي ؟؟؟؟؟؟؟؟


..{ Shepheяd }..
05-29-2007, 07:29 AM
مقدمة


يقول كارل ماركس ( لكل نمط من المعيشة نمط من التفكير ) والعكس صحيح إن لكل شعب خاصيته الفكرية والثقافية المتكونة من تعامله مع محيطه وبيئته، والتي تشكل بدورها المفاهيم والقيم التي تؤثر في سلوكه ونمط معيشته .

فمثلاً : كان أهل الصحراء يعبدون إله القمر ( سين ) لشدة الحر في بلادهم، وكانوا سدنة للماء لشح المياه عندهم، وقد أثروا الكسل على العمل تأثراً بالمناخ الحار، أما الشعوب الجبلية فقد عبدوا إله الشمس ( ميترا ) لبرودة الطقس في بلادهم، وكانوا سدنة للنار التي كانت حاجة لاستمرار حياتهم، وقد آثروا العمل على الكسل تأثراً بمناخهم البارد، ومن هذا نرى أن نمط المعيشة المختلف شكل التمايز الفكري الذي خلف بدوره سلوك ومفاهيم متباينة انعكست على الجانب الاجتماعي والاقتصادي، كما أدى هذا التمايز فيما بعد إلى غزو الشعوب بعضها .

فمنذ فجر التاريخ كانت الشعوب والقبائل عندما تغزوا بعضها تحطم الرموز الفكرية للمغلوبين، والتي كانت تتمثل آنذاك بتماثيل الآلهة والرقم المكتوبة، أو كانت تسرقها لتنسبها لها، فمثلاً : نرى تماثيل محطمة في الحضارة الآشورية عثر على رؤوسها في حضارة ميديا أو رقماً أثرياً مكتوباً بلغة ميديا تم العثور عليه في اليونان .
فالشعوب لا تتحطم إلا إذا تحطمت ثقافاتها وقومية الشعوب هي ثقافاتها والأمم المهزومة دائماً تقلد الأمم الغالبة كما قال ابن خلدون، فينعكس هذا على مفاهيمها ومن ثم على أسلوب معيشتها ليعطي نمط التفكير نمط مختلف من المعيشة حتى يذوب المغلوب في الغالب وهذا ما سيحصل للكرد إذا تخلوا عن خاصيتهم الثقافية .

قراءة تمهيدية للموضوع :

عندما يفحص طبيب نفساني مريضه يلجأ إلى استرجاع ذاكرة هذا المريض ليبحث من خلالها عن نقطة ضعفه وكشفها له ليشفى، ونقطة ضعف الإنسان الكردي كانت منذ إطفائهم ناره المقدسة، فأغشت العتمة عقله وأصبحت مطرقة الحداد تهوي في الظلام دون فائدة، لتبقى براعم الفكر تلك الأدمغة الشابة غذاءً لأفاعي أزدهاك المتجدد بفنائها، وليبقى ذلك ( الكردي ) باحثاً عن قرينه ليصارع الأقدار فيه هرباً من الواقع، ويمر نيروز ويأتي غيره وبراعم الفكر محنطة على شجرة المعرفة تنتظر النور لتزهر، وتمر الأجيال تبحث عن من يعيد لها ذاكرة النار لتستعيد بصيرتها، تلك النار المقدسة التي تناقلتها أيدي الغزاة إلى أثينا لتنير الألومبياد احتفالاً بسقوط الشرق ثم لتنطفئ فيما بعد على يد سدنة الماء بعد أن تقاعس سدنة النار عن حمايتها .


محنة العقل الكردي :

ابتدأت محنة العقل الكردي منذ أن دخل الإسكندر كردستان حارقاً المكاتب بعد ترجمتها متذرعاً بتوحيد الثقافة العالمية ليخرج فيما بعد بثقافته الهيلينية، وما أن لملم الكرد ما تبقى من رماد الاسكندر حتى دخلهم الإسلام السياسي بقوم أحبوا الموت حاملين سيوفهم ليدخلوا الجنة بدماء الشعوب بعد أن كبلت السياسة عقولهم بالعقيدة، وقد استطاعت هذه السيوف أن تحطم الدولة الساسانية المترهلة، وليصبح الكردي فيما بعد أسير العقيدة وأداة لمستثمريها، وما أن انتهت الخلافة حتى أصبح الكرد تحت وصاية الأنظمة الشمولية المختلفة بشبقها القومي وخلفيتها الدينية، ولكي يخرج العقل الكردي من محنته لابد له من استرجاع ذاكرته المفقودة لاستخلاص ذاته باحثاً عن أسباب محنته في تاريخ الآخرين معه ليسترشد تلك الذات ليخرج عن أثنيته ليصنع تاريخه الفكري من جديد لتستعيد كردستان مفهومها ( فكراً، شعباً، أرضاً ) في هذا العالم الجديد .

نظرة تاريخية لمحنة العقل الكردي :

الإسلام السياسي والكرد :

ظهر الإسلام في فترة ساد فيها التعصب الديني بين المسيحيين الغربيين والنصارى الشرقيين إثر انقسام الكنيسة، وبين المانويين المتأثرين بالنصرانية والزردشتيين إثر إعدامهم لماني، وقد أدى هذا المناخ التعصبي إلى نزوح المانوية والنصرانية إلى الجزيرة العربية بعد أن هيمنت المسيحية والزرداشتية على السلطة في روما وفارس، وكانت الجزيرة آنذاك ملاذاً لأحبار المانوية والنصرانية واليهود، وقد ساعدت هذه الأديان في تطوير الحركة الفكرية، مما مهد الساحة الفكرية للدين الإسلامي وكان الدين الإسلامي في عهده رؤية وسطية لهذا الصراعات انطلقت من العرب المستعربين في قريش لتعم الجزيرة العربية، ولتتوحد لغات قبائلها ذو الأصل الحميري في لهجة قريش الدينية وهي من لغة المسند ( الأنبار ) واستطاع الإسلام أن يوحد القبائل العربية وأن يشكل مرجعيتها الفكرية واللغوية ليكون خاصيتها الثقافية والقومية، مما سهل خروج الجزيرة العربية من هيمنة روما وفارس اللتان أنهكتهما الحروب والفتن الدينية والطائفية ليزحف فيما بعد لإنهاء أكبر إمبراطوريتي في العالم بمساعدة النصرانية والمانوية ومن هنا نرى أن الإسلام هو الذي شكل مفهوم الأمة العربية التي شكلت فيما بعد عالمها الإسلامي بالإسلام السياسي .

وضع كردستان عند دخول الإسلام السياسي :

أما كردستان التي أنهكتها حروب روما وفارس، فقد ساعد سلمان الفارسي الإسلام في دخوله إليها اعتماداً على مفهوم ( المخلص ) في الفكر الزرادشتي، وقد آمن بعض الأكراد بالإسلام كامتداد لزرداشتيتهم مما أثار صراعاً وحروباً بين الأكراد المسلمين والأكراد المحافظين على زردشتيتهم وقد استمر هذا الصراع مئات السنين إلى أن ساد الإسلام كردستان ولم يستطيع الأكراد أن يضيفوا خاصيتهم على الفكر الجديد أسوة بالشعوب الأخرى التي تشيعت وذلك لقربهم من مركز القرار، وقد أقام الإسلام السياسي تحولات فكرية وثقافية واجتماعية جذرية عند الأكراد إثر استبدال مفاهيمهم بالمفاهيم الإسلامية، وقد شكل هذا التغيير فجوة بين سيكولوجيا الإنسان الكردي وعقله الجديد، وهناك رسالة من خالد بن الوليد إلى ملوك الفارس يقول فيها :

أما بعد الحمد لله الذي حل نظامكم ووهن كيدكم وفرق كلمتكم، ولو لم نفعل ذلك كان شر لكم فأدخلوا في أمرنا ندعكم ونجوزكم وأرضكم إلى غيركم، وإلا كان ذلك وأنتم كارهون على أيدي قوم يحبون الموت كما تحبون الحياة . (ابن خلدون ـ الجزء الثاني ـ ص81 ـ فتح ماوراء السيرة)

وهناك رقيماً قديماً تمت قراءته في هذا الشأن يقول :

تهدمت معابد هرمز وأخمدت النيران
واختفى أكبر الزعماء، وانسحب الأكراد إلى حدود شهرزور
ووقعت النساء والفتيات في الأسر، قتل الأبطال في الكمائن
وظل قانون زرادشت لا حول ولا قوة، ولم يعد لهرمز الشفقة لأي شخص

معاناة الأكراد في الإسلام السياسي

كان الأكراد قبل الإسلام فرساناً للشرق وفي بداية دخولهم إليه أطلق عليهم العرب من قريش ( الأعاجم ) ثم أصبحوا ( موالي ) .

الموالي من هم :

الموالي هم كل من أسلم من غير العرب وكانوا مواطنين من الدرجة الثانية إذا حرمت عليهم السياسة لأن الإمامة في قريش والسيادة للعرب، وقد عانى الموالي من الظلم والعنصرية، وقد حرم على الموالي الزواج من النساء العربيات وحرم عليهم أيضا ركوب الخيل في الحروب، وكان الموالي في الإسلام وقودا للحرب وعمالاً للزراعة والصناعة التي تكابر عنها العرب، لاعتمادهم على حديث :
( السكة والمحراث ما دخلت دار قوم إلا ودخل الذل ) .

وكانت البلاد المفتوحة توزع أراضيها على الفاتحين العرب وكان سكانها يعملون لديهم فإن لم يستطيعوا دفع الخراج كانوا يدفعون بأولادهم عبيدا ثمناً لما عليهم فامتلك السادة العرب آلاف العبيد، ويروي أحد الخلفاء امتلك عشرة آلاف جارية، أما أحكام من يقعون بالأسر إثر مقاومتهم للفتح فالخليفة أو من ينوب عنه مخير بين أربعة أمور : 1- القتل . 2- الاسترقاق . 3- الفداء . 4- المن عليه بغير الفداء فإن أسلم سقط الفداء وكان الخليفة على خياره في الأمور الثلاث المتبقية .
وكان يسمى المولود من غير عربية بالهجين وكان يتعير بأمه من الأصيل .
ومما كتب عن معاملة الموالي، يروى أن نافعة بن جبير بن مطعم قدم رجلاً من الموالي يصلي به فلامه العرب في ذلك أشد اللوم، فقال : إنما أردت أن أتواضع إلى الله بالصلاة خلفه، وكان نافع بن جبير هذا إذا مرت به جنازة قال من هذا فإن قالوا قريشي، قال : واه قوماه، وإن قالوا عربي، قال : واه بلوتاه، وإن قال موالي، قال : هذا مال الله يأخذ من يشاء ويدع من يشاء .
هذا ما عاناه الأكراد الموالي في الإسلام السياسي .

مؤثرات الإسلام السياسي على العقل الكردي :

إن ما عاناه الأكراد في الإسلام السياسي هو القهر والاضطهاد، مما أدى إلى استسلامهم فأخذوا يدافعون عنه كما يدافع العبد عن سيده بحق أو بدونه تدفعهم المغالات في بحثهم عن مكان لهم في الآخر بعد أن فقدوا ذاتهم .

وهذه فتوة للشيخ ابن صلاح الشهرزوري وهو كردي الأصل بتحريم الفلسفة والمنطق:

"الفلسفة أس ُ للسفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة، ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المطهرة، المؤيدة بالحجج الظاهرة والبراهين الباهرة، ومن تلبس تعلمها، قارنه الخذلان والحرمان، واستحوذ عليه الشيطان، وأي فن أخزى من فن يعمي صاحبه ويظلم قلبه عن نبوة نبينا محمد ( ص ) كلما ذكره الذاكرون وكلما غفل عن ذكره غافل مع انتشار آياته المستبينة ومعجزاته المستنيرة، حتى انتدب العلماء لاستقصائها فجمعوا منها ألف معجزة وعددناها مقصرين إذا هي فوق ذلك بأضعاف لا تحصى" .

" وأما المنطق فهو مدخل الفلسفة، ومدخل الشر شر وليس الاشتغال به مما أباحه الشرع ولا استجاب به أحداً من الصحابة التابعين والأئمة المجتهدين والسلف الصالح .. فالواجب على السلطان أن يدفع عن المسلمين شر هؤلاء المباشيم ويخرجهم عن المدارس ويبعدهم ويعاقب على الاشتغال بفنهم ويعرض من ظهر عنه اعتقاد عقائد الفلسفة على السيف أو الإسلام" .

لقد أستطاع الإسلام السياسي، أن يهيمن على العقل الكردي ليهب نفسه مجاناً للآخرين ولم يستطع الكرد إيجاد ذاتهم في أوج قوتهم في الدولة الاسلامية، كأبا مسلم الخرساني صاحب الدعوى الإبراهيمية الذي أسقط الدولة الأموية، وصلاح الدين الأيوبي بحروبه مع الصليبيين، فالإمامة في قريش والسيادة للعرب والولاء للخليفة، وكل من يخرج عن هذا فهو شعوبي كافر وبهذا استطاع الإسلام السياسي أن يحطم ثقافات ومفاهيم الشعوب لتعريبها تذرعاً بالدين .

الإسلام السياسي والتعريب :

انطلق الإسلام السياسي من الجزيرة العربية يحمل قرآناً عربياً وحكماً عربياً في حروبه المقدسة ضد الشعوب الكافرة، واستطاع الإسلام السياسي أن ينقل لغته العربية المقدسة لتطفي على الآرامية والقبطية والأمازيغية، ودخلت القبائل العربية المسلمة لتحرير الشعوب وناب كردستان في ذلك تحرير الأهواز وطرد أهلها الكفرة ( الكرد الفيليين ) لتستقر قبيلة بني كعب وكذلك تحرير الموصل لتستقر بني ربيعة وتحرير بوطان لتكون لابن عمر وتحرير آمد لتستقر بني بكر وتحرير حران لتستقر بني قيس، ولم يكتف الإسلام السياسي بتحرير الجغرافيا فقد أستطاع أن يحرر العقل الكردي بعد إحراق كل المخطوطات الأعجمية وبعد أن فرضت اللغة العربية للمداولة الثقافية لمحي الثقافة الكردية الكافرة، لقد استسلم الكرد للثقافة العربية الإسلامية رغم عدم معرفتهم لتلك اللغة، و دون فهم لطروحاتها، وذلك خوفاً من سيف الارتداد المسلط على رقاب الزنادقة الأعاجم الشعوبيين، ولكن الكرد استطاعوا أن يحافظوا على لغتهم وقسم من ثقافتهم عن طريق الأدب المحكي (دنج بيج ـ dengbêj) وهذا ما تبقى من ثقافتنا مع ما تم اكتشافه لاحقاً من ( الأفيستا ) بعد أن حررنا الإسلام السياسي من ذاتنا الكافرة ومازال الأكراد يعانون من تعريب مناطقهم والتغيير الديمغرافي لها، وما زالت الثقافة الكردية محاربة بنفس الأسلوب، ومازال سيف الارتداد على رؤوس المهتمين بوطنيتهم لمجرد مطالبتهم بالحقوق الثقافية والسياسية للكرد، ومازالت العلمانية القومية ترى أن ابتعاد الأكراد عن الإسلام إلى ثقافتهم تمرد لا يخدم مصالحها في صهرهم قومياً، أن تكبيل العقل الكردي بالمفاهيم والطقوس كان لأجل تعريبهم واستخدامهم وقد استند التعريب على حديث للرسول العربي ( أحبوا العربية لثلاث : لأنني عربي والقرآن عربي ولغة أهل الجنة عربية ) .

يقول مصطفى جحا : ( لكل شعب حق في أن يصنع تاريخه، وإذا نفرض على الناس باسم الإسلام نهجاً، أو نمط عيش، أو نظاماً، فإنما نكون قد أسقطنا هؤلاء الناس في بؤرة العقيدة، وأما القول بأن الفلسفة التي تتفيئ العلوم البحتة في ظلالها هي فلسفة معادية للتصور الإسلامي، على الأخص، إنما هو الكبت عينه والظلم عينه والجهالة التي ما بعدها جهالة، والافتراء على الناس والحقيقة ) .

وما زال الإسلام السياسي في كل العالم الإسلامي يستخدم لاستغلال الشعب لتحقيق مصالح ثقافية وسلطوية واقتصادية ونفوذ قومي للآخرين كما هو الحال في أفغانستان، ومازال الشرق المتخلف سجين الحكايات ينتظر المخلص، لتنتهي سياسة سلب الوجود .

تأثير اتفاقية ( سايكس ـ بيكو ) على الكرد :

بعد انهيار الخلافة الإسلامية إثر اتفاقية سايكس ـ بيكو وتقسيمها إلى دول، كانت شعوب هذه الدول غير مهيئة للديمقراطية لافتقادها للمجتمع المدني، فحلت الشمولية القومية وبسهولة مكان الشمولية الدينية، وقد خلف هذا التغيير صراعاً بين الدول وفي داخلها قومياً ودينياً، وهكذا بقيت الأقليات في تلك الدول كما السابق ( موالي ) للقوميات والأديان السائدة ومنفساً لحلمها القومي والطائفي الذي لم تحققه تلك الاتفاقية، وقد أضعف هذا المناخ الشمولي ( الروح الوطنية ) في الدول التي تقاسمت كردستان لعدم احترام الفكر الشمولي لمفهوم (الوطنية ) ليكون الشعب الكردي فيها شعب بلا أرض وكأن الكرد قد نزلوا عليهم من القمر، فهم يقبلون باتفاقية ( سايكس ـ بيكو ) في سلبها الكردستان ويرفضونها لأنها لم تحقق حلمهم القومي .

لقد اتبعت هذه الدول ذات الطابع الشمولي القومي والديني كل سياسات القهر والصهر حتى التطهير العرقي إنهاء ( المفهوم كردستان ) فكراً، شعباً، أرضاً، فهم يمنعون عن الكرد ثقافتهم، ويقهرون الشعب باستبعاده، ويغيرون ديموغرافية الأرض، فأدت هذه السياسات الظالمة إلى تشكيل ردود الفعل في العقل الكردي لشعوره بأنه خارج النسيج الوطني، فأخذ الكرد يبحثون عن سبل فكرية سياسية لقاسم مشترك بينهم وبين الشعوب من أجل التعايش السلمي فتشكل عندهم منحيين فكريين :

1- منحى سلفي إسلامي : وهو من مخلفات الخلافة العثمانية، وهو منحى ديني ذات طابع قومي تم تفريغه فيما بعد من طابعه القومي ليحتوي الفكر القومي عند الأكراد .
منحى أممي شمولي : جاء هذا المنحى كرد فعل على الشمولية الإسلامية ويبحث هذا المنحى عن حق الكرد من خلال الأممية، تم استخدام هذا المنحى فيما بعد لصالح القومية السائدة أو للضغط عليها تماشياً مع المصلحة السياسية للأممية الدولية دون النظر إلى مصلحة الشعب الكردي في ذلك أو ذاك .

وعندما فشل المنحيين الشموليين الديني والأممي على إيجاد قاسم مشترك بين الشعب الكردي وشعوب المنطقة كان المنحى الثالث وهو :

3- المنحى القومي : وقد تشكل هذا المنحى إثر يأس الكرد من الوطنية المشوهة، ورداً على احتواء الشمولية الدينية والأممية للحق القومي الكردي، وكان هذا المنحى ذو ضعف سياسي لأن وجوده قام على ردود الأفعال إذا لم تكن هناك مرجعية فكرية تساند نضاله فانقسم إلى عدة تيارات من خلال تأثير الفكر الإيديولوجي عليه مخلفاً الصراع الداخلي الذي ألهى الكرد عن صراعهم الخارجي، واختلطت المفاهيم إثر هذا الصراع كمفهوم الوطنية والقومية ومفهوم الدولة ودفعت السلطة العقل الكردي إلى التطرف مما أعطى مجالاً ومبرراً لاتهامهم بالانفصالية وعدم الوطنية، وليأخذ القمع والاضطهاد شرعيته في التعامل معهم وقد استفادت الحركة القومية الكردية من معاناتها ويحاول النيرون الكرد الآن محاربة الفكر الشمولي عند خصومهم وفي الشارع الكردي بالديمقراطية، مع احترامهم ( للأنا ) ولمفهوم الآخر ليخرج العقل من العقيدة إلى الاعتماد ومن الشعرية والشعاراتية إلى احترام المفاهيم والتعامل بها وصناعتها .

فالمشاعر القومية والدينية والأممية مشاعر إنسانية نبيلة ولكن النظرة الشمولية من خلالها تلغي الآخر وتخلق مناخاً للدكتاتورية، وقد تتشكل الأوطان من قوميات وأديان وأفكار مختلفة وهذا لا يعطي حق التمايز بينها فالوطنية وجدت لتجسد تعايش هذه الشعوب مع بعضها من خلال احترامها للخاصية، فالكردي شريك في وطنه بحقوقه وواجباته وإلا انعدمت الوطنية عن الذين ينكرون حقه فالوطن الذي تصنف سلطته شعوبها على مزاجها دون القانون تتشوه فيه الوطنية ليكون هذا التشوه منفذاً لأعدائه .

إن التقسيم الغير ديموغرافي لاتفاقية ( سايكس ـ بيكو ) جاء ليمزق شعوب الشرق وليحقق توازناً ينعم فيه الغرب على حساب الشرق، وقد شجع الغرب الفكر الشمولي في الشرق إذا أنه حافظ على الشمولية الدينية كورقة يواجه بها الشمولية القومية والشمولية الأممية وليبقى هذا الصراع الشمولي عائقاً لتطور الشرق، وليبقى الشرقي عقلاً شعرياً عقائدياً تتضارب فيه المفاهيم القومية والدينية والايديولوجية ليبقى بعيداً عن الإبداع والاستقرار .

فكردستان التي أرادها الغرب بؤرة توتر يضغط بها على الدولة التي تقاسمتها لترضخ له، عليها أن تكون باباً للانفتاح بين الشعوب والدول لشرق جديد يخرج عن كونه السجين والسجان وذلك بالنضال من أجل احترام حقوق الشعوب وخاصيتها الثقافية لتتجسد الوطنية بعمقها الشرقي ليكون هذا العمق متهيئاَ للبحث عن عمقه الإنساني من أجل عالمية الإنسان في وطنه الكبير ( كرته الأرضية ) .

الكرد والتخلف:

إن للفكر دوراً كبيراً في تشكيل المفاهيم التي تصنع القيم، وتشكل هذه المفاهيم مفاصل للعقل تدفعه للارتقاء أو التخلف .

فمثلاً مفهوم ( الساموراي ) هو الذي طور اليابان، ومفهوم ( السوبرمان ) هو الذي طور الغرب، والمفاهيم الشمولية هي التي خلفت الشرق ليقف العقل عند المطلقات التي حجبت عنه ( المطلق ) ولتأخذ العقيدة مكان الاعتقاد ليخرج هذا العقل عن المحاكاة إلى الاستسلام، ولو نظرنا إلى ما تبقى من الميراث الفكري للأكراد لوجدنا الفلسفة الزردشتية نبع الثقافات العالمية التي أوجدت مفهوم المطلق وهو فضاء العقل وحريته، ذلك المفهوم الذي نقل العقل البشري من المحسوس إلى المجرد فكان الارتقاء الذي حمل العقل مسؤولية الحياة، كما أوجدت مفهوم ( العقل الخير ) الإنسان الكامل خليفة أهورا الذي تسعى البشرية إليه وهناك أيضاً ملاحم أذهلت الشعوب مثل : كاوا الحداد، مم وزين، وسيامند وخجي وهناك المزيد المزيد ..

إن للكرد نظرة إنسانية راقية في التعامل مع الحياة ولكنهم لم يجدوا الفرصة للتعبير عن إنسانيتهم من خلال ذاتهم لاستعباد الآخرين لهم بالعقيدة الشمولية، فلم يمنح هذا الاستعباد الثقافي الشعب الكردي أية فرصة لاسترجاع ذاته الثقافية وذلك من خلال هيمنة هذه العقيدة على عقله أو سيف الارتداد على من يخرج عنها، ليفقد الكرد مفهوم ( العقل الخير ) .

وبهذا يعود تخلف الكرد إلى الاستبعاد المزمن للآخرين إلى حرمانهم المزمن لثقافتهم ويتحمل الكرد أيضاً مسؤولية هذا التخلف لعدم رفضهم لهذا الاستعباد الذي أخذ في قلوبهم من خلال إيمانهم بثقافة الآخرين والنظر إلى ثقافتهم كماضي أسود يستوجب نسيانه ودون أن يبحثوا في معرفته .

ولن يخرج الكرد من هذا التخلف إلا إذا استرجعوا مفهوم ( العقل الخير ) خارجين عن الشمولية ومفهوم العقيدة إلى النسبية باحترامهم لمفهوم الآخر دون الاستسلام له ليتحمل الجميع مسؤولية الإنسان، فيخرج العقل من تناسخه الفكري ليكون عقلاً مفكراً يصنع المفاهيم ويطورها، ليكون الارتقاء .

يقول الباهري : "آن لنا ان نفكر بعقولنا لا بأعصابنا، وأن نتكلم بعقلنا لا بلساننا، وأن نتصرف بفعل لا بردات فعل " .

سياسة سلب الوجود وتأثيرها على سيكولوجيا الإنسان الكردي :

لابد من الوقوف أمام ما ناب الشعب الكردي بسبب هيمنة ثقافات الآخرين على ذاته الثقافية .
إن قسر الكرد للتخلي عن مفاهيمهم أدى إلى إزدواج الشخصية لديهم لعدم تطابق سيكولوجيا هذا الإنسان مع مفاهيم الآخرين المفروضة عليه، والتي حجبت مع الأيام ذاته الثقافية التي كانت تشكل مرجعيته الفكرية وأدى هذا الفقدان إلى غياب ذاكرته حتى أصبح جسداً لعقل الآخرين إثر تفريغهم لذاته فأصبح عقله ميكانيكياً متلقياً بعد أن كان ديناميكياً مبدعاً لأن البدعة ضلالة والضلالة إلى النار .

إن فقدان الكرد لثقافاتهم كان فقدان لثابتهم وناظمهم فأصبحوا متحولين لثوابت الآخرين الذين هيمنوا بثقافاتهم فتبع الكرد تلك الثقافات خوفاً وتعويضاً لما فقدوه وكانوا مغالين لها لتأكيد وجودهم من خلالها ولكن شمولية هذه الثقافات انعكست سلباً على الجميع تخلفاً وفقراً وتتحمل النخبة المزيفة المغالية لثقافات الآخرين والمتنكرة لثقافاتها وعلى امتداد تعاقبها مسؤولية ما آل إليه العقل الكردي وتتحمل النخبة المثقفة اليوم استرجاع الذاكرة الثقافية لهذا الشعب لتكون مرجعية لعقله وليتم من خلالها تحريره من العبودية والمازوشية والخروج من التناسخ الفكري إلى النسبية باحترام ( الأنا ) مع مفهوم ( الآخر ) لإيجاد جدلية الارتقاء .
يقول نعيم الرفاعي في كتابه الصحة النفسية ص 282 :

" أن ازدواج الشخصية أن يكون للشخص الواحد شخصيتان يتوالى وجودهما فيه وكل شخصية هي نظام كامل من الوظائف والخصائص المؤتلفة فإذا استعملنا كلمة النمط قلنا أن كل شخصية تمثل نمطاً يختلف عن الآخر يظهر عليه الشخص ويكون ظهور النمطين بشكل غير منتظم زماناً ومكاناً ".

الكرد والخوف من الذات :

عندما يفقد الإنسان ذاكرته يخاف من استرجاع ذاته خوفاً من خسارة حاضره إذا استرجع تلك الذات .
فالعقل الكردي يخاف على حاضره المشبع بثقافات الآخرين إذا استرجع ذاته الثقافية، فهو لم يعتاد أن يكون شريكاً الآخر بذاته، لقد اعتاد ان يكون الآخر دون ذاته، وقد أدى نكرانه هذا لذاته إلى تشكيل الدونية في داخله اتجاه الآخر مما جعله عقلاً مازوشياً مستسلماً للاضطهاد يدفعه خوفه من الآخر إلى استجداء الحق منه في كقوله : " نحن أحفاد صلاح الدين نحن سيباويه، وإسحق الموصلي وأحمد شوقي .. الخ ـ في الآخر لقد خدمناكم بإخلاص ونحن أنتم لماذا تعاملوننا وكأننا نحن " .

لقد اتبع الكردي كل السبل لكي يقبله الآخر بذاته أو دونها ولكن الآخر كان يقبل نكرانه لذاته ويرفض أيضاً المساواة به .
إن تخلى الكرد عن ذاتهم للآخر أدى إلى استسلامهم للواقع والخوف من التغيير الذي قد تسببه ذاتهم المفقودة إن ظهرت، متذرعين بالفضيلة لنكرانهم تلك الذات ولكن الواقع هو شعورهم بالدونية تجاه الآخر الذي ألغى ذاتهم الفكرية مما جعل تلك الذات ( المغيبة ) أن تضخم (الأنا) سلوكياً في تعاملهم مع بعضهم لتنعكس في صراعهم على الزعامة وفي تعاملهم السياسي وذلك تعويضاً عن مجابهة الآخر الذي حطم ذاتهم الفكرية وتجنباً لغضبه إذا استحوذوا تلك الذات وهرباً من المرجعية التي قد تشكلها الذات الثقافية المفقودة فتأخذ مكان القائد المخلص .
أما الذين ابتلعوا الذات الكردية فقد تشكلت عندهم ( الذات المتضخمة ) التي غيبت (الأنا ) الحاضر عنهم لاستعلائهم عليه واستهتارهم به فأصبح ماضيهم يجتر حاضرهم ونحن من خلفهم نجتر ماضيهم معهم ولهم، هرباً من الواقع ورضوخاً لسيادة خير لأمة خرجت للناس لكن الإنفتاح الفكري في الفترة الأخيرة ساعد الكرد في بحثهم عن ذاتهم الثقافية ليخرجوا عن الآخر وساعد الآخر بالخروج من السلفية إلى الواقعية، والتعامل مع الحاضر، وقد ينشأ هذا التبدل علاقة جدلية بين ( الأنا ) والآخر لتتكامل ( الأنا ) مع الآخر في بحثها عن الإنسان، وهناك تعريف حول تحقيق الذات في معجم ( مصطلحات العلوم الاجتماعية ) ص 373 ، يقول :
وهو المذهب الأخلاقي القائل أن أسمى خير للإنسان يكمن في تحقيق قدراته وإمكاناته إلى أقصى حد، ويتخذ هذا المذهب أحياناً أسم مذهب الكمال (Perfecionism) فيؤكد الملكات البشرية العليا . ويقصد بتحقيق الذات في علم النفس التوازن للشخصية، ويعني ذلك قبول مختلف جوانب الشخصية المندمجة في كل متواز لا يعلوا فيه جانب على آخر .

الكرد ومفهوم العبودية :

مادام الإنسان دون الكمال فقد تشكل في داخله الإحساس بالنقص، وهذا الإحساس انعكس في النفس البشرية إلى دوافع سلبية ودوافع إيجابية فالدوافع الإيجابية دفعت الإنسان إلى الارتقاء من خلال بحثه عن الكمال لاستدراك النقص، أما الدوافع السلبية تشكلت من خلال سيطرة الإحساس بالنقص على العقل البشري مما جعل الاستسلام يأخذ مكان الإرادة في الحياة وفي المقاومة التي تحث العقل للارتقاء إلى الكمال، فالإنسان لا يكون عبداً إلا إذا كان لديه في داخله استعداد لهذه العبودية، ويحدث هذا عندما يضعف الإنسان أمام بحثه عن كماله إثر سيطرة الإحساس بالنقص عليه، ليشعر بالدونية تجاه ذاته والآخرين .

ومادام الإنسان دون الكمال فقد تشكلت في داخله ( العبودية ) و ( الحرية ) فهو يختار مسلكه في الحياة بينها، فإن اختار الحرية ستزول عبوديته، وإن أختار العبودية سيفقد حريته، لأن الإنسان لم يصل إلى مطلقه في العبودية ولا في الحرية، فهو يعيش النسبية بينهما، فقد تشكل الحرية 70 % عنده وما تبقى للعبودية، والصراع دائم بين الحرية والعبودية داخل الإنسان ومع الآخرين، وهناك أنواع للعبودية وما يهمنا، هو وضع الكرد من مفهوم العبودية، يتعرض الكرد إلى نوعين من العبودية :
1- العبودية المباشرة : التي جاءت عن حرمانهم من التعبير عن إنسانيتهم من خلال ثقافتهم ورؤيتهم للحياة، أسوة بالشعوب الأخرى، وذلك من خلال الصهر والقمع والاضطهاد التاريخي لهم من أجل استغلالهم واستخدامهم، وطمعاً في حقهم .

2- العبودية الغير مباشرة : ( العبودية الفكرية ) وهي من أشرس أنواع العبودية إذ تجعل الإنسان عبداً دون أن يشعر بعبوديته، من خلال هيمنة الفكر والعقيدة على تفكيره وعلى مفاهيمه، فعندما يفقد الإنسان المحاكاة والتمييز بين الخطأ والصواب لاستسلامه للحقائق على أنها ( الحق ) وينعدم مطلق تفكيره، عندها يوثن الإنسان عقله ليكون عبداً للفكرة التي تكرس بدورها مفاهيمها لتكون كالسلاسل تقيد عقله وتمنعه من التفكير ليكون عقلاً ميكانيكياً متلقياً بعد أن طغت فيه العقيدة على الاعتقاد ليستسلم للحقائق وليخرج عن مسؤولية الحياة في الارتقاء من خلال ( الأنا ) لانعدام دوره في التفكير والتعبير والإبداع ليكون أداة للذين أراحوه عن هذا ليصبح عبداً للفكرة ومن ثم عبداً غير مباشر لصاحبها .

اما الذين فقدوا إحساسهم بالنقص لشعورهم بامتلاك الكمال وهم دونه، فهم يعيشون حرية مزيفة، ويدفعهم هذا الشعور المزيف إلى التمايز والاستعلاء وإلى استعباد الآخرين تعويضاً لما هم عليه، هم أكثر عبودية من عبيدهم لعدم شعورهم بتلك العبودية وهذا ما عليه مستعبدي الكرد، فالسيادة ليست بالاستعباد بل بسيادة الإنسان على نفسه، ليتحمل العقل مسؤولية الإنسان، ذلك الإنسان الذي أراده الله حراً طليقاً ليكون خليفته على الأرض . وهناك مثال غربي يقول : " أن تكون سيداً في جهنم خير من أن تكون عبداً في الجنة " .

المؤسساتية والعقل الكردي :

عاش الكرد مأساتهم التاريخية ولم تستطع آمالهم ولا آلامهم التي كابدوها أن تجمعهم بعد فقدانهم لثقافتهم وتبنيهم لثقافات الآخرين، وقد أدى هذا الوضع إلى أثنيتهم لتبعيتهم لتلك الثقافات، مما أضعف شعورهم الجمعي تجاه قضيتهم، لما خلفته تلك الثقافات من مفاهيم وقيم متباينة وجامدة في العقل الكردي، لتنعكس في سلوكهم وتعاملهم مع بعضهم ومع الآخرين .

فإن قارنا بين كردي ذو شمولية دينية وآخر ذو شمولية إيديولوجية وآخر ذو شمولية قومية وبحثنا عن قاسم مشترك بينهم لوجدناه معدوماً، وذلك بسبب عقدة العقيدة التي ألغت مفهوم الآخر في عقولهم، لابتعادهم عن النسبية التي تشكل العقل الحر، الذي يتشكل قاسمه المشترك بالديمقراطية،وهنا نتساءل هل يمكن أن تتشكل الديمقراطية بين هذه الشموليات ؟ طبعاً لا، علماً أن الديمقراطية ومفهوم المجتمع المدني المؤسساتي متلازمان، يكمل أحدهما الآخر، إذ لايمكن أن يكون المجتمع المدني المؤسساتي دون ديمقراطية، ولا يمكن أن تكون الديمقراطية دون مناخ المجتمع المدني، هذا المناخ الذي تقف المفاهيم الشمولية عائقاً أمام وجوده .

إن خضوع الكرد ومنذ القدم إلى ( دولة الحاكم ) الشمولية الصانعة لمؤسساتها بما يلائم مصلحة الحاكم والحكم، لم تهيئ للكرد المناخ الملائم لتشكيل مؤسساتهم، ولم يسعى الكرد لإيجاد هذه المؤسسات لضعفهم ولتبعيتهم الثقافية، فالدول في الشرق لم تصنعها المؤسسات، بل هي صنعت مؤسساتها، وبما يتلاءم مع مصلحتها، فأنخرط الكرد عبر تاريخهم في تلك المؤسسات لخدمة ( دولة الحاكم ) ، دون ذاتهم مرغمين، ولم يستطيعوا أن يكونوا مؤسساتهم لهيمنة الآخرين عليهم سلطوياً وفكرياً، ومنعهم من إيجاد كيان سلطوي وثقافي يساعدهم على تكوين تلك المؤسسات، فنرى الكرد اليوم يتجاوزون تفهمهم ( للفكر ) المؤسساتي إلى التحدث عنه في طرحهم للديمقراطية وللمجتمع المدني، وهنا نتساءل هل يستطيع الكرد أن يتخلوا عن المفاهيم المتخلفة المتشكلة عن فكر الآخرين، والمتعارضة مع الفكر المؤسساتي ؟ وهل يستطيعون أن يرسخوا الفكر المؤسساتي بمفاهيمه العصرية كقناعة في عقولهم ؟ ( فالفكر ) هو من يرسخ المفاهيم والقيم والسلوك، وهو يهيئ المناخ ( للكلمة ) حتى يكون ( الفعل ) سهلاً من خلال العمل الجماعي .

فالمجتمع الكردي لن يتطور من مجتمع أهلي ذو طابع قبلي إلى مجتمع مدني مؤسساتي إلا إذا غير وطور مفاهيمه .

فالمفاهيم والعرف والقيم هي بحد ذاتها ( قانون ) وهي القاسم المشترك الذي يجب أن يتطور لتقوم عليه المؤسسات، فالمفاهيم التي يحملها الكرد من ثقافات الآخرين أصبحت عبئاً عليهم، وأصبحت حاجزاً بينهم وبين الديمقراطية وبين المجتمع المدني المؤسساتي وبين الحداثة وبين وجودهم .


تأثر غياب الفكر الكردي على السياسة :

لقد شكل الفكر الشمولي عند الأكراد عقدة العقيدة التي أخرجت عقله عن النسبية ليكون أداة لاستغلال الآخرين، فإن آمن الكردي بفكرة نذر نفسه لأجلها دون ذاته، بالرغم إن الميثولوجيا الكردية تطرح الإنسان كغاية والفكر كوسيلة، لقد تخلى الإنسان الكردي عن الاعتقاد ليلتزم العقيدة الشمولية لتكون غايته وليكون هو وسيلتها فأصبحت تلك العقيدة التي آمن بها فيما بعد كتمثال التمر يعبد ثم يؤكل .
فمن عبده : هو الأكراد الذين تحول الفكر لديهم إلى عقيدة تمسكوا بها على حساب ماضيهم الثقافي وحاضرهم السياسي فدفعوا جغرافيتهم ثمناً لها، إثر دفاعهم عن ( خلافة ) الآخرين .
أما من أكلوه، فهم الذين أصبحت كردستان بين أسنانهم، اولئك الذين استغلوا الفكر بالسياسة لأجل مصالحهم بعد أن باعوا ( الخلافة ) ليأكلوا لحم أخاهم وهو حي وهذا لا يعني أن تعطي السياسة أحقيتها على الفكر بل على العقيدة المغلقة التي جمدت الفكر، لأن الفكر من إبداع الإنسان ووسيلته للارتقاء إلى إنسانيته، فالسياسة وسيلة الفكرو الفكر وسيلة للوصول إلى الإنسان (الغاية ) .

فمنذ أن ظهرت السياسة كانت وسيلة لتطبيق الفكر الباحث في ارتقائه عن الإنسان ويعيش الآن الكرد في فوضى سياسية لأن السياسة المتحركة لم تجد ثقافة كردية تدور في جاذبيتها فأصبحوا ما بين مؤثرات العقائد الشمولية وحداثة الآخرين، مما جعل تلك المؤثرات الثقافية تدور حول سياستهم يبدلونها حسب الظروف والحاجة لأنها لم تعوض الفراغ الذي تشكل عن غياب ثقافتهم ففقدت سياستهم ثابتها وناظمها وقد خلف هذا الواقع العبثية والتبعية :

1- العبثية : أثارت صراعاً داخلياً فيما بينهم لعدم وجود مرجعية فكرية لهم فأصبح الحزب غاية في سياستهم بعد أن أصبح مفهوم القائد المخلص بديلاً عن المرجعية الفكرية .
2-التبعة : لقد أصبحت العقيدة عند الكرد وسيلة لحجب ثقافتهم والهيمنة عليهم حتى أصبحوا أداة للذين كرسوا هذه الأفكار الشمولية في عقولهم فانعكس ذلك ضرراً عليهم وعلى الذين خالفوا هذه الثقافات .

ومن هنا نرى أن السياسة الكردية المتحركة دون محورها الفكري لم تستطع ان توحد الكرد لا بل شكلت اختلافاتهم مما أدى إلى ( الصفر السياسي ) لعدم وجود المرجعية الفكرية لحل هذه الخلافات ذات المنشأ الفكري المستورد والسياسي التابع، ولكن نواة ثورة ثقافية ظهرت في كردستان لتنشر الوعي القومي الذي أحرج السياسة لتبتعد ولتخرج من الصفر السياسي إلى التفعيل السياسي وكان أثرها على القضية الكردية واضحاً، بعد أن تحول الاختلاف إلى خلاف باستبدال الصراع الأخوي إلى التنافس بالنموذج .

لقد كانت القضية الكردية حتى أواخر القرن الماضي بؤرة توتر يضغط بها الجانب الاستراتيجي على الجانب الإقليمي ليضمن ولائه، وليكون التوازن الإقليمي الاستراتيجي على حساب القضية الكردية .
ولكن بعد الحرب الباردة ونتيجة للحل الاستراتيجي الناتج عن هيمنة القطب الواحد تشكل خلاف استراتيجي إقليمي لمطالبة الدول الإقليمية بشراكة استراتيجية ليكون لها دوراً إقليمياً استراتيجياً، وقد حرك هذا الخلاف الإقليمي الاستراتيجي التنافس بين الجانبين على القضية الكردية، وقد ساعدت التبدلات الفكرية والاجتماعية والسياسية للشعب الكردي لتأخذ قضيته الفرصة التي قد تهيئ له مكاناً إقليمياً أو شراكة إقليمية في التوازن الاستراتيجي الجديد .

لقد تحول التوازن الاقليمي الاستراتيجي لاستثمار القضية الكردية إلى صراع استراتيجي لمصلحتها، وذلك بفضل التحولات الإيجابية للشعب الكردي التي شكلت الوعي العام الذي انعكس بدوره على السياسة لتتحول من الصفر السياسي المدعوم إقليمياً إلى التفعيل السياسي، وتسعى النخبة الكردية الآن إلى تغيير الخطاب السياسي الفكري ليكون خطاباً فكرياً سياسياً لنأخذ لبرامج السياسية مكان الشعارات وليأخذ الاعتقاد مكان العقيدة .

ـ وخلاصة طرحنا أن الطبيب الذي يعالج بالمسكنات وبمخفضات الحرارة لا يشفي مريضه ولابد من النفاذ إلى أسباب المرض لا إلى عوارضه فحسب، فأسباب ومحنة العقل الكردي هي أثنيته بعد ان تخلى الكرد عن ميراثهم الفكري ليكونوا أداة لمن هيمنوا عليم بالقوة ( فكرياً ) وفقدت كردستان مفهومها ( كفكر وشعب وأرض ) ويسعى أعداء شعبنا ومنذ القديم ان نكون شعباً دون أرض، ويتحمل مثقفي هذه الأمة مسؤولية إعادة المفهوم لكردستان ( فكراُ، شعباً، أرضاً ) بأن يستنبطوا من الميثولوجيا ذاكرتهم المعرفية المفقودة وأن يزيحوا الشوائب عنها، لقد تراكم على الميثولوجيا الكردية أطناناً من الطمي الفكري وخرافات العوام ذات الدور المفسد للحقيقة في التاريخ الفكري وما شوهته النخبة المزيفة التي لائمت الفكر لمصالحها لذا كان لابد هنا من توفر ( أركيلوجيين ) فكريين وفلاسفة وحكماء يقتصر دورهم على فك طلاسم كهوف الفكر التي طمرها الرعاع والعوام وأصحاب المصالح والأعداء، وبالتالي تنتقيها وتوضيبها بعد إزالة الشوائب والزوائد عنها، وإعادة صياغتها لتلقى تكريمها في متاحف الفكر الأصيل للبشرية لنحظى ببداية الطريق إلى المفهوم ( كردستان ) ألا وهو (الفكر) الذي يحرر الشعب ليستعيد حقوقه في الأرض، فمحنة العقل الكردي كانت في فقدان كردستان لمفهومها بسياسة سلب الوجود .

وتأثراً بالزردشتية أقول "في البدء كانت الفكرة" فالفكر هو الذي ينظم المجتمع ويطور الاقتصاد وهو الذي يصنع الأمم، فأوربا لم تتجاوز ظلماتها إلا بعد تخلصها من هيمنة الكنيسة سياسياً، لتتبنى فكرها اليوناني القديم في تسيير شؤونها، فكل شعب له رؤاه الفكرية في تعامله مع الحياة والتي تتناسب مع سيكولوجيته .
فنحن الكرد لسنا بحاجة إلى ما يشابه الثورة الفرنسية أو البلشفية، نحن بحاجة إلى ثورة ثقافية إنسانية توصلنا ( للعقل الخير ) الذي دعا إليه زرادشت، وذلك لإيجاد مجتمع حضاري وديمقراطي ذو بعد إنساني يميز نخبته ويحترمها، وبهذا تلتقي جذورنا بأوراقنا فيكون الثمر .

مع جزيل الشكر والتقدير

لؤلؤة العراق
05-30-2007, 04:44 PM
مشكور اخي عالمواضيع


دمت بخير

..{ Shepheяd }..
06-03-2007, 05:10 AM
العفوووووو اختي لؤلؤة العراق ودمت في أمان الله

ساسوكي شايل سيفه
06-08-2007, 11:54 AM
مشكور اخويه على الموضوع

..{ Shepheяd }..
08-13-2007, 08:57 AM
العفووو أخي العزيز وشكراً ع المشاركة

سيوفي البغدادي
08-30-2007, 07:51 PM
مشكور على الموضوع

عاشق الرومانسية
09-01-2007, 12:30 AM
مشكور حبي على الموضوع

دس خوش

..{ Shepheяd }..
10-27-2007, 04:21 PM
زور سوباس


اشكركَ اخي الرومانسي على الطلة الرائعة

مودتي وحبي

..{ Shepheяd }..
10-27-2007, 04:25 PM
العفووو اخي سيوفي

اشكرك على مرور شخصكَ الكريم

تحياتي لكَ من القلب

ديـــــروكـــــ
12-12-2007, 08:36 PM
شكرا انجل اوف كوردستان على هذا موضوع المتميز بس اسفة والله ماكدرت اقرء كله
مع تحياتي ::4::

..{ Shepheяd }..
12-16-2007, 08:00 AM
مرورك يسعدني اختي الغالية

شكراً لكِ

تحياتي القلبية