المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إبليس.. أول رواد قصيدة النثر ...


Guevara17
09-05-2006, 10:31 PM
إبليس.. أول رواد قصيدة النثر

التمرد أولاً. وفي العصيان فطرية اللذةُ تستمر.


كل شيء ينتهي قبل نفاذ الوقت ، عدا شهوة الشعر. إنها الوحيدة التي تهدم الزمن بلغاتها المتعددة . تجرده من ثيابه ، لتصنع له من التيه ما يناسب جسده. لذلك تسقط النظريات أمام الشعر أو تتراجع. تنكمش أو تنتحر. فالشعر بخار الماء, يمكن أن ترفع عنه الأرض, ويبقى نهراً متدفقاً في صيرورته الخاصة. في عناصره التي يتشكل منها يومياً. ويضيف إليها خبراته الدائمة ، تلك التي تتوالد عنه، وبشروط المخيلة الذرية التي تؤنسن الطبيعة الصامتة وتحتكر صناعة الفن لصالح المعارف التقنية الأخرى. لا وزن للوزن في قصيدة تجتاح اليباب وتدمر أقفال كهوفه في الجسد الآن. ولا قافية إلا لعلبة السردين. إما من يبحث عن الإيقاع، فسيجده في دبكة أهل النسق الإنشائي من طوابير قصائد المهرجانات. بعد ما بات الرقص ديوان العرب وسلاح النظام العربي الرسمي، الذي وجد في الشعر التقليدي خميرة تجعل خبز الشعوب كعكاَ يقطع بسيف الخليفة. الإيقاع المطلوب هنا، معدة لاجترار النصّ فقط.
الجاهليون الذين وأدوا قصيدة النثر مع بناتهم، كانوا يخشون من حرارة رحم تلك الأنثى التي تختمر فيها كل الولادات و لكل الأزمة. لأن الإيمان بالأوثان المنجزة من الحجر، كان أقوى من الإحساس بالروح أو بسبل البحث عن آلهة للخصب فيما وراء رمل القبيلة وتخومها. لذلك كان الوأد عقاباً لتلك الحساسية. وخوفاً من امتداد ثمارها وتجليات. فكانت محاولات قطع النسل الشعري لقصيدة النثر، بالتركيز على إعدامها قروناً طويلة، لتصبح تلك القصيدة وما تزال بنت سفاح بيولوجي، وليست منتوج صراع بين طبقات اللغة وجيناتها التي ما تزال تمور فينا، ونتشكل من ترابها المدمي المكبوت! قصيدة النثر، نادت بتحرير الذاكرة وإطلاق سراحها من تلك عبودية عولمت الوطن العربي بشعر الخليل، وجعلته طقساً مقدساً، الخروج عليه جريمة، و تجاوز مناطقه إلى عوالم أخرى تحت طائلة العقاب و التجريم!! إذاً.. لم َ إزاحة استعمار شعري من هذا النوع ، لا توازي في أهميتها عن تفكيك السيطرة الاستعمارية عن تراب بلد يرضخ لسلطة الانتداب ؟ هل ما زال مصير الحرية مبهماَ في الزمان والمكان؟! أليس في الشعر مخلوقات تحلم وتتنفس ولها رغبة التحرر من قبضة أشباح الأطلال؟ أم إن النظرة إلى الشعر ما تزال تتمحور حول كينونته كحاجب على باب الحاكم، وتقتصر مهمته على أفعال السيرك فقط؟ السلطات تحاول إخفاء الشعر في جعبتها، والتعامل معه كرهينة، ونحن نريد الركض في العراء أو الطيران بعيداً عن الإيديولوجيات الحاذفة لجميع الملذات من تقويم الحياة. فالإيديولوجية الشعرية لقصيدة النثر قائمة على تدمير نفسها باستمرار. تشرح تفاصيلها، وتقدم وصفة لما بعد حركتها في عين اللغة، لا على حاجبها. والكلمة التي لا تتدفق نهراً في القصيدة، لا يحتاجها تراب الشاعر أبداً. الحاجة للماء هنا، لا تعني الامتثال لنظرية الأنابيب المستطرقة. فكل نص، مسرح لفوضى من نوع خاص. وفي تلك الفوضى ما يعكس اتساع مكر الخيال وتحديثه باستمرار.
قصيدة النثر متغطرسة بحبر شهوتها. متعالية على القيد والقيادة . ولأنها كذلك ، فهي تنأى بنفسها كل من جفت التعابير في صنابيرهم اللغوية ، فأصيبوا بتصلب شرايين المبنى والمعنى على حد سواء.
المجال المغناطيسي في القصيدة التي ندافع عنها، ستلايت يلتقط كل ما في الفضاء من حركة. وكل ما في الأسرة من تناغم شهواني ما بين شذرات المذكر المهشم، وما بين ينابيع الأنوثة الناطقة بجوهرها ومجوهراتها. وكل ما في الغابات من ريح وطير وهوامش للاستنطاق الليل وما وراء الليل من تصوف وجنون وإنزياحات وتشرد بين الغام اللغة وأحلامها. فالقصائد التي لا تتفتح كزهرة عباد الشمس في عدم الشاعر وفروسيته ليلاً ، تخسر شمس النهار.
وإذا كان إبليس أول من نطق بقصيد النثر أمام الرب ، فكان رائدها الأول ، فنحن لا نعادي تجربته، لنكتب بلغة الملائكة. النقل عندنا حرام دائم، ليس كما في الغرب الذي أخذ عنا قصيدة النثر وحشد لها أساطيل النقد وأساطين البحث من علماء المختبرات اللغوية الأدبية، لترتفع كقامات الفرسان وتسود. إما التناص عندنا ، فهو من خواص المعاقين. لا وجود لشاعر يشبه أخر إلا في القبر. هكذا نطمح.
قصيدة النثر بهذا المعنى.. لعنة كاملة لمن لم يبق من رؤوسهم سوى صفيح الجماجم. وهي جسد يتمتع بإضافات تعبر عن صفات الوحي . وتستعر بنار خلود غير ذلك الخلود الذي بحث عنه جلجامش في التيه . فالشاعر يدخل المجهول، لكي لا يعثر على أثر لنفسه هناك . وتلك هي الحكمة بالضبط: أن نقاوم أزل العدم بأزلية البحث عنه . ولو كان جلجامش قد عثر على الغلام المتوحش انكيدو ، لكنا عثرنا في صحارى النصوص على توابيتنا ، فتم الدفن وانتهت مراسم التأبين.
لكنه الشعر. تلك الثروة الوحيدة التي لا تقبل الانقراض. صورة الآدمية العارية وهي تكشف عن نفسها، وتتدرب على أن تكون بخاراً لاستعمالات الكتابة بلغة الطير. نحن نملك حريتنا بقوة اللغة وسماواتها الشاسعة. ونترك للأخر حرية البقاء في الكهف . أعيننا على المختلف دائماً.
العدوان الثقافي الذي تتعرض له قصيدة النثر في مصر، كان يمكن تحويل مساره باتجاه (شعرية) شعبان عبد الرحيم ورهط آخر من مؤلفي الشعر الشعبي الذي تروج له كبريات صحف مصر. لكن شاعراً مرفوفاً مثل أحمد عبد المطي حجازي، وجد أن قيادة حرب على شعرية قصيدة النثر التي تحتل الساحة العربية، ربما وسيلة وحيدة قد تعيد صورته الباهتة، هو وسواه من المستحاثات الشعرية الأخرى إلى المشهد الثقافي، على الرغم من وجوده مسؤولاً عن مجلة ما تزال تدور في فلكه، ولا تنحاز إلا لما يعزز أهميته في ذلك الكهف الذي يجلس في نهايته.
نحن نعرف إن محاكمة الشعرية العربية، لا تتعلق بالأرواح الموزونة ولا بالعقول المقفاة. لا بأنظمة الفراهيدي ولا باللغو عن سجع الكهان أومواقف المتصوفة أو ايقاعات الطبال، بقدر ما هي تقارير ولاء للمناصب في وزارات الثقافة واتحادات الكتاب ومؤسسات التمثيل الثقافي الرسمية، بعد أن أصبح الانتماء لعالم الزمخشري يوفر حظوظاً أكثر للاستمرار بالتسمر على الكراسيّ، وفرصاً أهم من تلك التي يوفرها الانتماء للشبكة العنكبوتية.
من هنا تضامننا مع شعراء قصيدة النثر في مصر. تلك القصيدة التي أصبحت كلّية الشعر العربي أمام جزئية تماثيل المدافن.


مع تحياتي

مورينيووو,,,,وحيدرةةة

ABO ALTOF
09-05-2006, 11:52 PM
مشكور على الموضووووووع

حنين العراق
09-07-2006, 11:52 AM
شكرا الك اخي مورينو
تحياتي

عروسة البحر
09-13-2006, 12:14 AM
أن نقاوم أزل العدم بأزلية البحث عنه . ولو كان جلجامش قد عثر على الغلام المتوحش انكيدو ، لكنا عثرنا في صحارى النصوص على توابيتنا ، فتم الدفن وانتهت مراسم التأبين.

كلام رائع
مشكوووووووور مورينو
تحياتي لك