بنت النور
09-29-2006, 01:36 PM
المقصود بمدينة البصرة القديمة هي تلك المدينة التي بناها العرب عند الفتح الإسلامي في عام أربعة عشر للهجرة ، الموافق لعام 635 للميلاد ، حيث كانت في بداية الأمر معسكراً للجنود وسكناً لعوائلهم ليسهل عليهم التوجه إلى الفتوحات ، بدل من أن يضطروا للعودة إلى عوائلهم في المناطق البعيدة من شبه الجزيرة ، لقد كانت أول مدينة بناها العرب أثناء الفتوحات الإسلامية ، وتم بنائها قبل الكوفة بحوالي ستة اشهر ، ثم بنيت الفسطاط بعد الكوفة إن هذه المدينة قد تم هجرها من قبل سكانها فيما بعد وتحولوا إلى مدينة البصرة الحديثة قبل حوالي الثلاثمائة عام وكما سنوضحه في فصول أخرى .
**الوضع الستراتيجي للبصرة:
الموقع :
موقع البصرة القديمة كان في المنطقة التي بنيت فيها مدينة الزبير الحالية ، وتتسع إلى الشمال منها حيث تم العثور على بقايا لقصور قديمة من قصور البصرة تقع إلى الشمال من مدينة الزبير . وكان هنالك نهر يمتد من شط العرب إليها ، وقد درس ذلك النهر ، كما حفر العرب عدة انهر تتصل بعضها ببعض لتروي المدينة وبساتينها من جميع جهاتها حتى أصبحت تلك الأنهار وما يحيط بها من قصور وبساتين تعتبر جنة الله على الأرض وكما سنرى .
تاريخ الموقع قبل بناء المدينة :
بنيت البصرة على أنقاض معسكر للفرس في منطقة كانت تدعى الخريبة . كما وان هنالك مدينة أثرية يعتقد بعض المؤرخين انه تم بنائها في زمن نبوخذ نصر تدعى طريدون ، وادعى آخرين إنها كانت مدينة آشورية ، حيث كان لهذه المدينة سد يحميها من ارتفاع منسوب مياه البحر ، فان صح هذا فان طريدون أو تريدون تكون جنوب مدينة الزبير قرب خور الزبير في الوقت الحاضر ، بينما يعتقد الرحالة جسني إن موقع طريدون هو قرب جبل سنام والذي يبعد عن جنوب مدينة الزبير بحوالي ثلاثة عشر ميل ، فإذا كان ذلك صحيحاً فيجب أن يكون خور الزبير والذي هو امتداد للخليج العربي يمتد إلى جبل سنام أيام الدولة البابلية (المؤلف) .
سبب اختيار موقع المدينة :
اقتضت الضرورة التي فرضتها الفتوحات الإسلامية على العرب إنشاء مدن عسكرية أو معسكرات سكنية للجنود المحاربـين لتخدم عدة جوانب ، أهمها انه اصبح من غير المنطقي على الجندي المقاتل أن يذهب لزيارة أهله في فترات معقولة لبعد المسافة ، فالمجاهد الذي قدم من اليمن أو عمان يحتاج إلى اشهر طويلة لكي يصل إلى موطنه ويحتاج إلى نفس ذلك الوقت للعودة وهذا يعني انهم سيضيعون نصف وقتهم وجهدهم في مثل هذه الأسفار الطويلة الشاقة ، مما يحرم جبهات القتال من فترات غيابهم الطويلة ، كذلك كان لا بد من إيجاد معسكرات ثابتة للتحرك منها لضرب قواعد العدو أو طرق وقوافل إمداداته ، أو شن الحملات السريعة المفاجئة عليه ، أو لصد هجمات العدو ، أو لنجدة بقية الجبهات عند الحاجة . كذلك إيجاد مقرات بعيدة على حافة الصحراء لا يجرأ العدو من الوصول إليها لمعالجة المصابين وقضاء فترة النقاهة بعيداً عن الخطوط الأمامية الخطرة والمتحركة دائماً ، كما يستطيع أن يترك بها المقاتل زوجته أو ما يحصل عليه من الغنائم كي لا تعيق حركته أثناء القتال . كل هذه الأسباب وغيرها جعلتهم يفكروا بإنشاء مثل هذه المدن .
كانت البصرة أول المدن التي أنشأت لهذا الغرض ، فقد أرسل بعض الجند إلى الخليفة عمر بن الخطاب انهم وجدوا منطقة أعجبتهم أثناء توغلهم في إيران تقع قرب طاسان ، فرفض الخليفة ذلك وقال لا أريد أن يكون بينكم وبيني نهر دجلة (المقصود به هنا شط العرب ، فانهم كانوا يسمونه إما دجلة أو دجلة العوراء ، والذي كان عرضه يمتد إلى اكثر من خمسة أميال في بعض المناطق – راجع ذلك في شط العرب) . ثم جاءه رجل من بني سدوس يقول : يا أمير المؤمنين أني قد مررت بأرض دون دجلة أي قبل عبور دجلة ، فيه قصر ومسالح (معسكرات) للفرس يقال له الخريبة ويدعى ايضاً البصيرة يبعد عن دجلة أربعة فراسخ ، وله خليج على البحر (يبدو أن خور الزبير كان يمتد إلى قرب البصرة القديمة تلك الأيام) فاعجب الخليفة بهذا الموقع وأمرهم باتخاذ ذلك المكان قاعدة لهم .
وهنالك رواية أخرى تختلف قليلاً وتبدو اكثر توافقاً من حيث التسلسل التاريخي وذلك بعد أن فتح سعد بن أبي وقاص مدينة الحيرة وما حولها أمره الخليفة أن يرسل عتبة بن غزوان إلى ارض الهند والمقصود بها منطقة البصرة حيث كانت الابلة (موقع البصرة الحديثة) تدعى بأرض الهند ، ويجعل للمسلمين هنالك معسكراً ، ولا يجعل بيني وبينه البحر ، فسار إليها عتبة في ثمانمائة رجل ، فلما افتتح الابلة أرسل إلى الخليفة يخبره بان المسلمين بحاجة إلى معسكر دائم هناك ووصف له موقع البصرة القديمة فاعجب به وتم سكن المدينة .
سبب التسمية :
لقد اختلف المؤرخون واللغويون بسبب تسمية المدينة بهذا الاسم ، وتقول إحدى الروايات إن العرب عندما قرروا بناء مدينة في المنطقة لتكون معسكر ثابت لجيوشهم في جنوب العراق ، تقع على حافة الصحراء وقريبة من مصادر المياه ، تم اختيارهم للمدينة والتي كانت تقع شمال مدينة الزبير الحالية ، فأعجبهم الموقع وقالوا هذه ارض بصرة ، أي ذات حصى ، فسميت بذلك ، ومما يؤيد ذلك إن المنطقة ما زالت مصدر لتجهيز الحصى اللازم للبناء في الوقت الحاضر . ويقول ابن الأعرابي وابن ألا نباري وهم من اللغويين العرب المشهورين في العصر العباسي ، البصرة هي الأرض الغليظة التي فيها حجارة صلبة قد تقطع حوافر الدواب . ويدعي محمد بن شرحبيل بن حسنة : إنما سميت البصرة لان فيها حجارة سوداء صلبة .
أما المستشرقون فقد كانت لهم بعض الآراء الأخرى ، حيث يعتقد المستشرق المعروف هاريتمان : إن هنالك مدينة قرب مدينة البصرة العربية قد بناها ألا كديون ، وهم أول العرب الساميين الذين انتقلوا من شبه الجزيرة العربية إلى العراق والذين أقاموا أول إمبراطورية في التاريخ البشري في الألف الثالث قبل الميلاد ، وكان اسم تلك المدينة تدمر أو تردم أو تردن ، وقد تحور هذا الاسم في زمن الإغريق بعد غزو الاسكندر المقدوني إلى تردون أو تريدون .
كما وان اسمها في الآرامية وكما يقول المستشرق لسترانج نقلاً عن كتاب جغرافي لابن سرابيون : كانت تدعى قبل الفتح الإسلامي بصرياتا ( إن هذا الاسم لا يتعارض بل يؤيد التسمية العربية والتي تعني ارض بصرى أي ذات حصى لان الآرامية هي من عائلة اللغة العربية أو يمكن اعتبارها صيغة قديمة للغة العربية – المؤلف) .
أما في الكلدانية (وهي لغة القبائل السامية العربية التي أنشأت إمبراطورية بابل الحديثة في القرن السابع قبل الميلاد ) فان كلمة بصر تعني الجزر الضعيف وبصريا وبصيريي تعني الاقنية جمع قناة ، وباصرا تعني مجموعة الأكواخ ، وكل هذه الأمور يوافق الواقع ايضاً فان عملية المد والجزر كانت تصل إلى المنطقة بشكل ضعيف نظراً لكونها تقع على خور ضيق (يدعى بخور الزبير في الوقت الحاضر) ، يتصل بخور اكبر منه (يدعى خور عبد الله حالياً) ، يتصل بالخليج العربي ، كما وان هنالك بعض الاقنية والأنهار كانت تصل إليها في ذلك الزمان ، ولان المدينة اتخذت كمعسكر للجيش الفارسي وربما كانت كذلك أيام الكلدانيين قبلهم حيث إنها تقع على مفترق الطرق العالمية ، ومن المؤكد انهم استخدموا الأكواخ لسكن الجنود .
وفي اللغة الفارسية فان معنى كلمة بسيراه تعني نقطة التقاء الطرق ، (وبالرغم من إن هذا الرأي اعتبر ضعيفاً لقلة من نادى به إلا انه يمثل واقع المنطقة ، فالبصرة واحدة من أهم مناطق التقاء الطرق التجارية في العالم على مر العصور - المؤلف) .
أسماء البصرة :
كان للبصرة أسماء أخرى ايضاً فمن ذلك كان تدعى بالخريبة قبل الفتح الإسلامي ، وبعد بنائها سميت بأسماء كثيرة منها أم العراق ، خزانة العرب ، عين الدنيا ، ذات الوشامين ، البصرة العظمى ، البصرة الزاهرة ، الفيحاء ، قبة العلم ، كما تدعى الرعناء وذلك لتقلب الجو فيها أثناء اليوم الواحد وخاصة في فصل الربيع ، وتجمع مع الكوفة بالمصرين ، إذ أن كل من البصرة والكوفة كانتا تعتبران اعظم أمصار العالم الإسلامي بدون منازع - قبل بناء بغداد طبعاً - كما تجمع مع الكوفة ايضاً ويطلق عليهما العراقيين أو البصرتين .
المدن التي تحمل نفس الاسم :
توجد هنالك مدينة في المغرب تحمل نفس الاسم وقد اختفت من الخارطة في الوقت الحاضر ولم يبق لها من وجود إلا في كتب التاريخ ، وكانت تقع على هضبة تشرف على ناحية الغرب من وادي مدا ، قرب مدينة طنجة ، والفاتحون العرب هم من بناها ، ولم يأتي هذا التشابه في الاسم بطريق الصدفة ، بل إن البصريين الذين كانوا ضمن الفاتحين والذين كانوا يتمتعوا بمقام مرموق حسب ما يبدوا ، أطلقوا ذلك الاسم على تلك المدينة الجديدة ، تيمناً ووفاءً لمدينتهم التي فارقوها ، ولا عجب في ذلك لان البصرة تفرض محبتها لا على أهلها فقط وانما على من سكنها فترة من الزمن ايضاً . وهذا يشبه ما حدث في أمريكا بعد استعمار الأوربيين لها ، فأهالي مدينة يورك الإنكليزية يطلقون اسم مدينتهم على مدينة جديدة يدعونها نيويورك أي يورك الجديدة ، وأهالي جزيرة جرسي يطلقون اسم جزيرتهم على مدينة نيوجرسي وهكذا ، حتى أصبحت المدن الجديدة من المدن العظمى بالعالم وبقيت المدن الأصلية صغيرة غير معروفة كثيراً ، ولكن هذا لم ينطبق على البصرة ، فان عظمتها لم تسمح بمن ينافسها .
أما مدينة بُصرى التاريخية فإنها تقع في بلاد الشام ، وكذلك كانت توجد قرية قرب بغداد تدعى بُصرى ويبدو أن هذه القرية قد زالت من الوجود ايضاً [المؤلف] .
كيف تم بناء البصرة :
عندما اتخذ عتبة بن غزوان منطقة الخريبة معسكراً اخذ الخليفة يرسل العرب إلى البصر تباعاً لتسكنها ، فلما كثروا هناك بنى فيها عتبة سبعة دساكر (مفردها دسكرة) وتعني القرية الكبيرة من اللبن (الطابوق أو الطوب الغير محروق) ، ويبدو إن اكثر البيوت تم بنائها بالقصب أول الأمر ثم تحولوا إلى اللبن وذلك لسرعة احتراق القصب . وكان ذلك سنة أربع عشرة للهجرة وذلك قبل بناء الكوفة بستة اشهر . وقد تم بناء المسجد ودار الإمارة ثم بعد ذلك قام ببناء السجن وحمام الأمراء حيث تم البناء بالقصب أول الأمر ، وكان أول بيت بني فيها هو دار نافع بن الحارث ثم دار الصحابي معقل بن يسار المزني والذي أطلق اسمه على أحد أهم انهار البصرة فيما بعد وهو نهر معقل أو نهر المعقل كما يدعى اليوم وكما سنرى فيما بعد (راجع انهار البصرة) ، وقد أدرك العرب إن ارض البصرة تصلح لزراعة النخيل فاكثروا من زراعة النخيل فيها حتى اشتهرت فيما بعد بأنها ارض النخيل .
ومن طريف ما يروى إن زياد ابن أبيه عندما ولي على البصرة قام ببناء دار الإمارة باللبن بعدما كان بالقصب ، فلما تولى الحجاج بن يوسف الثقفي إمارة البصرة بالإضافة إلى الكوفة ، أمر بهدم دار الإمارة فيها وقال أريد أن ابنيه بالآجر وذلك لانه أراد أن يزيل ذكر زياد حسد منه ، فقال له أحدهم بعد أن تم الهدم : انك ستنفق كثيراً من المال على بناءه ويبقى اسم زياد عليه ، فأحس بخطاه وترك القصر دون بناء حتى زمان الخليفة سليمان بن عبد الملك الذي أمر بإعادة بنائه بالآجر والجص ، ولكن دار الإمارة تم هدمه من جديد ليضاف إلى بناء المسجد وذلك زمن الخليفة العباسي هارون الرشيد وبقيت البصرة من دون دار إمارة .
توسع المدينة :
لقد أخذت البصرة بالتوسع السريع حتى بلغت مساحتها أيام خالد بن عبد الله القسري حوالي فرسخين طولاً إلى فرسخين عرضاً (الفرسخ قياس عربي يعادل اليوم سبعة كيلومترات ونصف تقريباً) ، أي خمسة عشر كيلومتر طولاً وخمسة عشر كيلومتر عرضاً ، وقد كانت ولاية خالد بن عبد الله القسري للبصرة عام واحد وستون للهجرة ، أي إن ذلك التوسع حصل خلال اقل من خمسون عاماً . لقد استمرت المدينة بالتوسع في جميع الاتجاهات ، وكانت تحفر الأنهار التي توصل الماء إليها وتروي البساتين وتستخدم في النقل ايضاً حتى بلغ عدد الانهار فيها كما تبينه إحدى الإحصائيات إلى عشرون ألف نهر ، وما هذا إلا دليل على سعة المدينة ومجدها .
**الوضع البشري للبصرة القديمة
*عندما بدأت الفتوحات الإسلامية تتوسع خارج العراق باتجاه الشرق اصبح من غير العملي على المقاتلين العرب أن يعودوا لزيارة عوائلهم في مناطق سكناهم الأصلية ، والتي قد يحتاج المقاتل إلى اشهر طويلة حتى يصل أليها ، واشهر أخرى مضنية للعودة إلى جبهات القتال من جديد . هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى كان لا بد من وجود معسكر دائم تسير منه الحملات إلى المناطق المختلفة أو تقديم النجدات السريعة لبعض الحملات التي تكون بحاجة إلى ذلك . وكان للخليفة عمر رأي ثاقب في هذا المجال لانه كان يشعر إن سبب القتال بين العرب هو لقلة موارد أرضهم التي لا تسع الجميع ، حيث قال مخاطباً القبائل بما معناه : إن جزيرة العرب ليست لكم بدار قرار ، فتفسحوا في البلاد المفتوحة . ولصعوبة عيش العرب في المدن المفتوحة والتي كان من الصعب على البدوي من العيش فيها لعدم ملاءمتها مع طبيعته ، وما تؤثره على صحته ومعنوياته . لذا تم قرار القيادة العليا للمسلمين ببناء مدن حلى حافة الصحراء لتكون اكثر ملائمة للمقاتلين القادمين من الصحراء ، ولا يفصل بينها وبـين شبه الجزيرة حاجز مائي ، حتى يتم لهم الانسحاب منها بسهولة عندما تضطرهم الظروف العسكرية لذلك ، وعليه فقد تم اختيار موقع البصرة في جنوب العراق ، والكوفة في وسطه ، ثم الفسطاط في مصر فيما بعد ذلك .
تشير بعض الإحصائيات إلى أن عدد المقاتلين المسجلين بلغ أيام زياد بن أبيه (حوالي سنة خمسة وأربعون للهجرة أي بعد بناء البصرة بثلاثين عاماً فقط) ثمانون ألف مقاتل وعدد أولادهم حوالي المائة والعشرون شخصاً أي إن المجموع يبلغ مائتي ألف ، بينما كانت نفوس الكوفة في نفس الفترة يبلغ ستون ألف مقاتل وأولادهم ثمانون ألف . ويبدوا انهم لم يحصوا عدد النساء والبنات وذلك لان الإحصاء كان يشمل الذين يأخذوا العطاء فقط ، وعلى الأرجح إن النساء لم تكن تتمتع بالعطاء أيام الدولة الأموية ، فإذا اعتبرنا إن عدد الإناث يساوي عدد الذكور فان العدد سيرتفع إلى أربعمائة ألف شخص ، وإذا أضفنا إلى هذا عدد العبيد والغلمان والجواري والأعاجم وأهل البلاد الأصليين الذين يقوموا بالنشاطات الخدمية التي تحتاجها المدينة والذين كانوا محرومين من العطاء ، فان الرقم لا بد وان يرتفع إلى ما بين سبعمائة وبين ثمانمائة ألف . إن هذا الرقم يمثل سكان البصرة بعد ثلاثون سنة من بنائها فقط ، ولكن المدينة أخذت بالتوسع ونفوسها بالازدياد بشكل مطرد ، فقد قدر بعضهم إن الذين قتلوا من سكان المدينة عند اجتياح الزنج لها أثناء ثورة الزنج في العصر العباسي بأكثر من مليون نسمة ، وان السبايا من النساء زاد عن نصف مليون امرأة بحيث كان نصيب الزنجي الواحد من عشرة إلى ثلاثين امرأة ، فان صح هذا الرقم فلا بد وان نفوسها في ذلك الوقت كان يزيد على المليونين نسمة ، ويبين هذا ما بلغته المدينة من عدد النفوس وما يعكسه من عظمتها ومجدها ، فالقسطنطينية التي تعتبر ثاني أهم المدن التي ظهرت في التاريخ بعد بغداد لم يكن يتجاوز عدد سكانها المليون نسمة على اكبر التقديرات .
**القبائل العربية التي سكنت البصرة عند تمصيرها :
عندما تقرر بناء البصرة أرسل الخليفة عمر بن الخطاب ما يقرب من الستون ألف شخص من القبائل المختلفة ليسكنوا المدينة لتكون قاعدة لتسيير الجيوش منها إلى المناطق الشرقية ، ولعل أهم القبائل التي سكنتها كانت :
القساملة : وهم من قبائل اليمن .
الازد : من قبائل العرب المشهورة .
بني الحندق : وهم من القبائل المتحالفة مع قبيلة بني تميم المشهورة .
بنو النجار : وهم بطن من الخزرج أنصار رسول الله (ص) في المدينة المنورة وأخواله .
بنو الليث : وهم بطن من كنانة .
بنو العنبر : حي من تميم .
بنو الاشعر : بطن من سبأ من اليمن .
بنو العنبس : بطن من بني أمية .
بنو العبس : بطن من قبائل غطفان ، وقد اشتهر منهم في الجاهلية شاعرهم وفارسهم عنترة بن شداد العبسي .
بنو العتيك : حي من قبائل الازد ، واشهر بيوتهم بيت آل الهلب بن ابي صفرة .
بنو الجوني : حي من قبائل الازد .
بنو الاسلم : بطن من خزاعة .
بنو الحارث : بطن من قبيلة مدجح .
بنو النخع : من قبائل اليمن المشهورة .
بنو الحتات : قبيلة من اليمن سكنت في ضواحي البصرة ، لهم محلة تعرف باسمهم .
بنو تميم الرباب : هناك ستة قبائل متحالفة يطلق عليهم العالبة وهم قريش وكنانة والازد وبجيلة وخثعم وقيس .
بنو الرباب : حي من أحياء تميم .
بنو إبراهيم : حي من أحياء العرب .
بنو الحصن : حي من أحياء العرب .
بنو الأنصار : وهم من الاوس والخزرج .
بنو بكر بن وائل : وهم من قبائل العرب المشهورة .
بنو بجلة : من القبائل العدنانية .
بنو باهلة : من القبائل العدنانية المعروفة ، ومنهم القائد العربي المشهور قتيبة بن مسلم الباهلي الذي احتل أواسط آسيا ودفعت له ملوك الصين الجزية .
بنو جديد : حي من أحياء اليمن .
بنو جذيمة : بطن من بطون قبيلة طي المشهورة والتي اشتهر منها حاتم الطائي .
بنو جحدر : بطن من بطون قبائل بكر بن وائل المشهورة .
بنو دارم : بطن من بطون قبيلة تميم المشهورة .
بنو هذيل : حي من أحياء القبائل المضرية .
بنو وديعة : بطن من بطون قبيلة تيم الله .
بنو زمان : بطن من بطون قبيلة تيم الله ايضاً .
بنو حيمان : بطن من بطون تميم .
بنو حرام : بطن من بطون قبيلة فزارة واشتهر منهم القاسم الحريري صاحب القامات الشهيرة بمقامات الحريري .
بنو حبش : يقال انهم بطن من بطون قريش ويقال انهم من خزاعة ويقال ايضاً انهم من كنانة ، سمّوا بهذا الاسم نسبة إلى جبل في اسفل مكة يقال له حبش .
بنو حدان : بطن من بطون قبيلة الازد .
بنو حرب : بطن من بطون الازد ايضاً .
بنو حمير : حي من أحياء اليمن يعودون إلى مملكة سبأ .
بنو حريم : بطن من بطون تميم .
بنو حنظلة : بطن من بطون تميم ايضاً .
بنو يشكر : بطن من بطون بكر بن وائل .
بنو يربوع : بطن من بطون تميم ومنهم الشاعر المشهور جرير الذي عاش في صدر الدولة الامويه .
بنو كنانة : بطن من بطون مضر وقد ادعى الجاحظ انه منهم .
بنو كندة : قبيلة مشهورة من قبائل كهلان اليمنية وينتسب إليهم اشهر شعراء الجاهلية امرؤ القيس ، وكانوا يدعون أنفسهم بملوك اليمن وذلك قبل الإسلام .
بنو مزينة : بطن من بطون طانجة من العرب العدنانية .
بنو مرداس : ومنهم الشاعر والصحابي العباس بن مرداس .
بنو مذجح : قبيلة عربية مشهورة .
بنو مجاشع : بطن من بطون تميم ، من اشهر رجالهم الاقرع بن حابس الذي أعلن إسلامه وانضم إلى المسلمين قبل فتح مكة ولكن الرسول كان يتألفه ، وكذلك منهم الشاعر الشهير الفرزدق الذي عاصر جرير وكانت بينهم معارك شعرية اشتهروا بها ، وكان يقال لولا الفرزدق لضاع ثلث اللغة العربية ، حيث استطاع أن يحفظ الكثير من مفردات اللغة العربية في أشعاره .
بنو نباتة : وهم من كنانة وكانت لهم محلة تعرف باسمهم .
بنو ناجية : وهم من قبيلة قضاعة المشهورة .
بنو نهد : وهم من قضاعة ايضاً .
بنو نمير : بطن من بطون عامر بن صعصعة وقد اقترن اسمهم ببيت هجاهم به الشاعر جرير فقال :
فغض الطرف انك من نمير فلا كعباً بلغت ولا كلابا
بنو سمرة : بطن من بطون قريش .
بنو سعد : قبيلة عربية معروفة وهم أولاد عم قبيلة تميم .
بنو سامة : بطن من بطون قريش .
بنو سدوس : بطن من بطون ذهل بن شيبان .
بنو سهم : بطن من بطون باهلة .
بنو عبد شمس : بطن من بطون قبائل حمير اليمانية .
بنو رياح : بطن من بطون تميم .
بنو رفاعة : بطن من بطون قضاعة .
بنو رقاش : بطن من بطون بكر بن وائل .
بنو راسب : بطن من بطون جرهم من قبائل اليمن المعروفة .
بنو شيبان : قبيلة مشهورة من قبائل العراق قبل الفتح الإسلامي وكانت لهم معركة مع الفرس في ذي قار انتصروا فيها على الجيش الفارسي وكان زعيمهم يوم ذاك هانيء بن مسعود الشيباني ، وكان زعيمهم أثناء الفتوحات الإسلامية ، المثنى الشيباني ، والذي يعتبر الفاتح الحقيقي للعراق ، وهو الذي شجع العرب على حرب الفرس وقد كانوا قبل ذلك يهابونهم بشدة ، وشيبان فخذ من قبائل بكر بن وائل .
بنو تميم : وهم اكبر القبائل التي سكنت البصرة ، واشهر زعمائها الاحنف بن قيس المشهور بالحلم (راجع الاحنف بن قيس في أعلام البصرة) .
بنو ثقيف : بطن من بطون هوازن ، وكانت مساكنهم في الجاهلية هي الطائف قرب مكة ، ومنهم المختار الثقفي الذي اخذ بثارات الحسين بن علي بن أبي طالب ، وكان أبوه أبو عبيد قائد الجيش الإسلامي في العراق وتولى القيادة بعد استشهاده المثنى بن حارثة ثم سعد بن أبي وقاص ، ومنهم الحجاج بن يوسف الثقفي .
بنو خزاعة : قبيلة مشهورة سكنت البصرة وكان لهم سوق كبير يعرف بسوق خزاعة .
بنو غطفان : قبيلة عربية مشهورة .
الأقوام الأخرى التي سكنت البصرة عند تمصيرها :
لم يقتصر سكن البصرة على العرب فقد سكنها جماعة كبيرة من الفرس الذين اسلموا وتحالفوا مع العرب ضد قومهم أثناء الفتح الإسلامي ، كما انتقل إليها جماعات من سكان البلاد الأصليين والتجار الأجانب وكما سنرى :
الاساورة : أثناء الحروب التي كان يخوضها العرب المسلمين ضد الدولة الفارسية ، جاء مجموعة من الفرس يدعون الاساورة كانوا من الرماة تقدر بعض المصادر عددهم بألفي شخص بينما تذهب مصادر أخرى إلى انهم كانوا يزيدون على أربعة آلاف رجل وعرضوا إسلامهم وانهم سيشاركون المسلمين في قتالهم ضد قومهم على أن يعفون من القتال إذا حدث صراع بين العرب أنفسهم ، فانهم يأخذوا جانب الحياد ويكون نصيبهم كنصيب العرب في الحرب والسلم ، فقال لهم القائد العربي : إن أسلمتم يكون لكم مالنا وعليكم ما علينا ! فلم يوافقوا وأصروا على مطلبهم فأرسل إلى الخليفة بذلك فوافق على شروطهم ، وقالوا بعد أن تم الاتفاق : انتم قبائل كل ينتمي إلى قبيلة فما يكون وضعنا نحن ؟ فقيل لهم : انتم أولاد عمنا فغلب الاسم عليهم واصبحوا يدعون أبناء العم ، وللمفرد نقول عمي كما نقول قرشي وتميمي وكندي ، وقد أبلى أبناء العم بلاءً حسناً في الحروب التي خاضها المسلمون مع الدولة الفارسية ، وسألوا : أي القبائل في البصرة اقرب إلى رسول الله ؟ فقيل لهم : قبيلة تميم ، فانتسب أكثرهم إلى تميم بالولاء ، ودعوا بالموالي ، إلا أن وضع العرب قد تغير بعد تكوين الدولة الأموية التي كانت دولة عنصرية تحتقر غير العرب فعاملوهم معاملة سيئة ، وفرضوا عليهم الجزية كما كانت مفروضة على غير المسلمين واصبح المولى يدفع الجزية والزكاة معاً بينما يدفع العربي الزكاة فقط ويدفع الغير مسلم الجزية فقط ، كما إن حصتهم من العطاء كانت تساوي نصف حصة ما يأخذه العربي ، ويعاملون معاملة سيئة ، إلا أن وضعهم تحسن قليلاً عند قيام الدولة العباسية التي قامت بسيوف الفرس والذين اصبح جيشاً رئيسياً منهم بجانب الجيش العربي .
نتيجة لاختلاط الموالي بالعرب وتعلمهم اللغة العربية فقد نبغ منهم الكثير من الشعراء والأدباء والفقهاء وحتى واللغويين . إن أبناء العم يعتبرون من الموالي إلا أن ليس كل الموالي هم من أبناء العم ، فكلمة الموالي عامة تظم معظم الفرس الذين اسلموا وانتموا إلى القبائل العربية بالولاء فيما بعد ، أما أبناء العم فهم تلك الفئة التي أسلمت أثناء احتلال العرب للعراق وما زالت الدولة الفارسية على قوتها . وربما كان هنالك من غير الفرس من اسلم وانتمى إلى بعض القبائل العربية إلا إن ذلك كان على نطاق ضيق ، حيث إن معظم الموالي كانوا من الفرس .
السيابجة والزط والاندغار : وهم خليط اصل معظمهم من الهند ، (وهم ليسوا الزط أو الجت- من قبائل الهند الرحّل - الذين نزحوا إلى العراق أيام الدولة العباسية وعاثوا في الأرض فساداً وتم القضاء عليهم وانتشروا من هناك في أنحاء العالم ، ومن بقاياهم الغجر أو الكاولية كما يدعون في العراق أو النور كما يدعون في الشام) ، ويبدو إن ألاكاسرة كانوا قد جندوهم في جيوشهم ، وربما كان سبب ذلك انهم استخدموا في تدريب الفيلة والعناية بها أيام عز الدولة الفارسية ، حيث تقول بعض الروايات إن عدد الفيلة كان ألف فيل ، وكان كل فيل يحتاج إلى طاقم خاص للعناية به كما يحتاج إلى عدد من المقاتلين الذين يكونوا في صندوق خشبي مدرع بالحديد يوضع على ظهره يحاربوا بالنبال والرماح الطويلة ، كما كانت هناك مجموعة من الجنود لحماية الفيل من الأعداء أثناء المعركة . لقد كان هؤلاء السيابجة على اختلاط شديد بالاساورة ، وبعد أن اسلم الاساورة ، تقدموا هم ايضاً واسلموا بنفس الشروط ، وقطعت لهم ارض في مدينة البصرة ليسكنوا فيها أسوة بالاساورة ، وكان ولائهم مع قبيلة بني حنظلة .
أبناء البلاد الأصليين : من المؤكد بان هنالك الكثير من سكان العراق الأصليين قد انتقلوا إلى المدينة طلباً للرزق ، وهم خليط من الشعوب العربية القديمة التي سكنت في العراق وأنشأت حضارات وإمبراطوريات عظيمة كبقايا الكلدان والآشوريين والآراميين وغيرهم ، والذين ابتعدت لغتهم عن اللغة ألام بتقادم العصور واختلاط تلك الأقوام بأقوام سبقوهم كالسومريين مثلاً وأقوام غير عربية هاجرت إلى العراق ايضاً في أوقات مختلفة .
إن وضع هؤلاء لم يكن كوضع أبناء العم فهم ليسوا من القاتلين ، وذلك انه كان ولا بد من عمال يقوموا بالقيام بالمهن المختلفة والتي لم يكن العرب يجيدونها من ناحية ويترفعون عنها ويحتقرون من يمتهنها من العرب من ناحية أخرى ، لان العربي كان في ذلك العصر مقاتل يذهب إلى سوح القتال ثم يعود ، ويعيش أصلاً على عطاء الدولة ، بل كانوا يحتقروا من يمتهن منهم مهنة إلا إذا كانت الرعي أو زراعة النخيل ، وهذا تصرف طبيعي للحفاظ على روح القتال لديهم ، شانهم شان كل الأقوام البدوية التي أنشأت إمبراطوريات في صدر تاريخها كالفرس والروم وغيرهم ، لذا فان كافة الحرفيين كانوا من غير العرب ، فالبناءين والحدادين الذين يصنعوا السلاح وأدوات الحرب والنجارين والحاكة …الخ . كلهم لم يكونوا من العرب ، وهذا يعني إن نسبة عالية من الذين سكنوا البصرة كانوا من سكان البلاد الأصليين ، وكان لا بد لكل واحد منهم أن ينتسب إلى إحدى القبائل هناك حتى يجد الحماية والآمن في كنفها .
المستوطنين من التجار والعمال المهرة : كانت البصرة جسر العالم كما أسلفنا ، وكانت تأتيها السفن من البحر بمنتجات الهند والصين وجزر المحيط الهندي والهادي وأفريقيا ومصر وجنوب شبه الجزيرة العربية وغيرها ، كما كانت القوافل البرية تأتي من شبه الجزيرة العربية وإيران والهند والصين وأواسط آسيا بالإضافة إلى بلاد الشام وبغداد وشمال العراق وغير ذلك ، كل يأتي محمل ببضاعة ويعود محملاً ببضاعة أخرى . ونشأت فيها الكثير من مصانع السفن المختلفة ، ونتيجة لهذه الحركة التجارية والصناعية النشطة فقد استوطن الكثير من الاجانب القادمين في تلك القوافل التجارية أما بشكل دائم أو موقت ، ولا بد انه كان لتلك الطبقة وضع مميز يختلف عن المجموعات الأخرى . كما أن الحركة العمرانية التي صاحبت بناء المدينة وتطورها السريع استدعى إلى جلب الكثير من العمال المهرة لإنجاز تلك الأعمال المعقدة من تصاميم ونقوش وغير ذلك ومن المرجح إن هؤلاء الصناع قد استقر أكثرهم هناك .
اشهر الصحابة الذين سكنوا البصرة
لقد سكن البصرة بعد تمصيرها الكثير من الصحابة وحفظة القرآن مما مهد لهذه المدينة أن تتبوأ مكانةً رفيعة بين البلدان الإسلامية حيث أصبحت بفضل هذه الطبقة أحد عواصم الفقه الثلاثة تشاركها كل من الكوفة والمدينة المنورة ، ولا توجد في العالم الإسلامي عاصمة للفقه غير هذه المدن الثلاثة إلا عندما بنيت بغداد حيث شاطرت هذه المدن وأخذت من كل مدينة نصيب حتى أصبحت تبز الجميع .
وبالرغم من أن اكثر الصحابة الذين سكنوا البصرة لم يكونوا من كبار الصحابة المشهورين ، إلا إن ذلك لا يقلل من شرفهم وتأثيرهم الإيجابي على المدينة ، ولعل أشهرهم :
أبو برزة الاسلمي : أحد قدماء الصحابة الذين شهدوا مع الرسول (ص) معظم حروبه ، انتقل إلى البصرة بعد تمصيرها واشترك مع جيوش المسلمين في فتوحاتهم ومات في مدينة مرو .
أمية بن مخشي الخزاعي الازدي : يروى عنه حديث واحد للرسول (ص) .
الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب : وهو من بني هاشم وله حديث رواه عن النبي (ص) ، وكان له نهر في البصرة يدعى باسمه ، نهر الحارثي .
البراء بن مالك : وهو من الأنصار شهد مع رسول الله (ص) معظم حروبه وكان شجاعاً ومن الرماة المشهورين ، أرسل عمر بن الخطاب إلى والي البصرة يأمره ألا يرسل البراء أميراً على جيش لئلا تدفعه شجاعته بان يلقي جيشه في التهلكة ، واستشهد يوم تستر في بلاد فارس عندما حمل في مقدمة جيش المسلين ، وقد انتصر المسلمون في تلك الواقعة .
انس بن مالك : وهو أخو البراء ، وقد عاش طويلاً حتى بلغ المائة والسبع سنين ، وقد خدم رسول الله (ص) ثمانية سنين ، وله مواقف كثيرة معروفة في التاريخ ، منها المشرف ومنا دون ذلك ، فعندما ولي الخلافة الأمام علي ابن ابي طالب قام في جمع من المسلمين وقال : ناشدتكم الله ! هل سمعتم قول رسول الله (ص) يوم غدير خم بعد حجة الوداع : من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللهم والي من والاه وعادي من عاداه ! فقام ثلاثة عشر صحابياً كان حاضراً ، وفي رواية أخرى اثنا عشر بدرياً ، وقالوا : نعم نشهد الله اننا قد سمعنا ذلك ، وكان مالك حاضراً ولم يقف ويشهد معهم ، فقال له الأمام علي : وأنت يا مالك ألا تشهد ذلك ؟ فقال مالك : يا أمير المؤمنين ! كبر سني وضعف عقلي ! فقال له الأمام : أصابك الله ببيضاء لا ينفع معها ستر إن كنت كاذباً ! فأصابه البرص في جبهته ، فكان ينـزل عمامته ليغطيها فلا يستطيع ذلك ، وكان كلما سُئل عن ذلك يقول : إنها دعوة العبد الصالح . ولكن لانس موقفاً آخر يخالف ذلك ، فقد سمع يوماً محمد بن الحجاج بن يوسف الثقفي يشتم الإمام علي فقال له غاضباً : أتدرى من تسب ؟ انك تشتم احب الناس إلى الله ورسوله ! فوالله لقد كنت يوماً في بيت الرسول (ص) إذ أهدت إليه امرأة من الأنصار طائر حجل مشوياً مع أرغفة من الخبز ، فلما حضر رسول الله (ص) أخبرته بذلك فقال : اللهم احضر احب الناس إليك والى رسولك ليأكل معي ، فقالت عائشة أم المؤمنين : اللهم اجعله أبي بكر ، وقالت حفصة أم المؤمنين : اللهم اجعله عمر ، وقلت أنا : اللهم اجعله سعد بن عبادة (لانه كان من الخزرج وسعد سيدهم) وبينما نحن كذلك إذ طرقت الباب بشكل خفيف فقلت : من بالباب ؟ فقال : أنا علي ! قلت إن الرسول مشغول عنك ألان ، وبعد دقائق طرقت الباب ثانية فسألت : من الطارق ؟ فقال أنا أبو الحسن ! فقلت : إن رسول الله عنك في شاغل ! وبعد دقائق طرقت الباب بشدة فسمعها رسول الله فامرني أن افتح الباب وآذن للطارق فإذا هو علي ، فرحب به وأجلسه معه واكلا الطير معاً !
وهناك ساحة في البصرة الحديثة تحمل اسم ساحة انس بن مالك تقع في مركز المدينة . وكان قبره ما زال قائماً على أطراف البصرة القديمة على شكل خربة وذلك قبل عدة عقود من الزمن كما ورد في بعض المصادر ، ولا اعلم إن كان بقي حتى يومنا هذا [المؤلف] .
الحكم بن عمر بن مجذوم : وهو من غفار قبيلة الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري ، صحب رسول الله (ص) فترة من الزمن ، ثم انتقل إلى البصرة بعد بنائها ، ولاه زياد ابن أبيه خراسان أيام معاوية بن أبي سفيان ، وحين فتح بعض البلدان في تلك المنطقة أصاب جيش المسلمين الكثير من الغنائم ، فأرسل إليه بن زياد يأمره بالا يوزع تلك الغنائم على المجاهدين بأمر من الخليفة ، فقسم الغنائم على مستحقيها وقال : أيأمرني بن زياد أن أطيع معاوية واعصي الله فيما أمر !؟ ومات الحكم في خراسان سنة خمسين للهجرة .
العباس بن مرداس : شاعر مشهور خص الرسول ببعض قصائده ، وفارس معروف ايضاً ، وفد على رسول الله (ص) واسلم مع قومه وقاد في فتح مكة تسعمائة مقاتل من قومه ، كما اشترك في حنين وحصار الطائف ، سكن البصرة في أواخر عمره .
الزبرقان بن بدر : وهو من رجالات تميم وشعرائها ، اسلم ضمت وفد بني تميم على رسول الله (ص) ، ثبت على الإسلام أثناء حروب الردة ، واقنع قومه على البقاء على الإسلام .
الاقرع بن حابس : اسلم ضمت وفد بني تميم على رسول الله (ص) ايضاً ، وكان من فرسان تميم ، وكان رسول الله (ص) يتالفه (من المؤلفة قلوبهم) ويعطيه من أموال الزكاة ، لكسبه ولمقامه الرفيع عند قومه ، فلما ولي عمر بن الخطاب الخلافة منع ذلك عنه وقال له : إن الإسلام اصبح قوياً بعون الله ولا حاجة لنا بك بعد اليوم ! وعلى كل حال فلم يؤخذ على الأقرع ما يشينه .
النمر بن تولب بن افيش : وهو من قيس بن عبد مناة ، اسلم زمن الرسول (ص) ، وكان من شعراء قومه ، سكن البصرة بعد تمصيرها .
الأسود بن سريع التميمي : اشترك مع رسول الله (ص) في أربع من غزواته ، كان شاعراً وقاصاً ، وهو أول من قص في مسجد البصرة ، حيث كان للقصاصين مكانة خاصة في صدر الإسلام بما يقصونه من حكايات البطولة التي ترفع الروح المعنوية في الحروب ، ولكن اصبح القصاصين بعد ذلك مصدراً لوضع الأكاذيب واختلاق الروايات التي ينسبونها إلى الرسول وكبار المسلمين الأوائل بل حتى وضع الأحاديث المزورة .
التلب بن زيد التميمي : روى عن رسول الله (ص) بعض الأحاديث .
الخشخاش بن الحارث العنبري : اسلم في زمن الرسول (ص) وروى عنه بعض الأحاديث .
احمر بن جزء السدوسي : اسلم في زمن الرسول (ص) وروى عنه بعض الأحاديث .
العداء بن خالد من بني عامر بن صعصعة : وفد على الرسول (ص) وروى عنه بعض الأحاديث ، وحضر حجة الوداع وكان من المعمرين .
اعشى بن مازن التميمي : صحب الرسول (ص) وروى عنه بعض الأحاديث .
ابو مريم السلولي : اسلم في زمن الرسول (ص) وروى عنه بعض الأحاديث .
أبو صفية : من الذين صحبوا الرسول (ص) .
أبو عسيب : مولى الرسول (ص) وروى عنه بعض الأحاديث .
الحارث بن عمر السهمي : اسلم في زمن الرسول (ص) وروى عنه بعض الأحاديث .
أبو سود : اسلم في زمن الرسول (ص) وروى عنه بعض الأحاديث .
أبو حية التميمي : اسلم في زمن الرسول (ص) وروى عنه بعض الأحاديث .
الحارث بن اقيش : اسلم في زمن الرسول (ص) وروى عنه بعض الأحاديث .
أبو رفاعة العدوي : صحب الرسول (ص) وروى عنه بعض الأحاديث .
أبي بن مالك : روى عن الرسول (ص) بعض الأحاديث .
اسمر بن مضر الطائي : صحب الرسول (ص) وروى عنه بعض الأحاديث .
الحكم بن الحارث السلمي : صحب الرسول (ص) وروى عنه بعض الأحاديث .
الفاكه بن سعد : صحب الرسول (ص) وروى عنه بعض الأحاديث .
أبو عزة الهذلي : صحب الرسول (ص) وروى عنه بعض الأحاديث .
اهبان بن صبغة الغفاري : ويكنى أبا مسلم صحب الرسول (ص) .
أبو سلمة : صحب الرسول (ص) وروى عنه بعض الأحاديث .
أبو بهيشة : روى عن الرسول (ص) بعض الأحاديث .
اشيح عبد قيس : كان في وفد عبد قيس الذين وفدوا على الرسول (ص) من البحرين ونزل البصرة بعد بنائها .
بشر بن عمرو المعلى الملقب بالجارود : كان على دين النصرانية قبل الإسلام فقدم على الرسول (ص) في وفد قبيلته واسلم وروى بعض الأحاديث . سكن البصرة ثم وجهه الحكم بن أبي العاص والي البصرة للقتال في عقبة الطين واستشهد هناك سنة عشرون للهجرة .
أبو خيرة الصباحي : اسلم مع وفد عبد القيس ، روى بعض الحديث عن الرسول (ص) .
أبان المحاري : اسلم مع وفد عبد القيس ، روى بعض الحديث عن الرسول (ص) .
الزراع بن وازع العبدي : اسلم مع وفد عبد القيس الذي قدم المدينة زمن الرسول (ص) .
بريدة بن الخصيب الاسلمي : أحد أصحاب الرسول (ص) الذين شهدوا معه المواقع كلها عدى بدر ، روى الكثير من الحديث عن الرسول (ص) ، سكن البصرة بعد تمصيرها وتوفي في خراسان .
**الوضع الاقتصادي للبصرة القديمة
إن بقاء أي مدينة على قيد الحياة هو أمر مرهون بوضعها الاقتصادي بالدرجة الأولى ، وعلى ضوءه يتقرر تطورها وبقائها أو اضمحلالها وفنائها ، فالهجرة التي نراها في الوقت الحاضر إلى الكثير من دول الغرب ودول الخليج العربي مثلاً وتركهم بلادهم التي هي اكثر اعتدالاً في مناخها واكثر وفرة في خيراتها الزراعية ، وتحملهم مشاق الفراق عن الأهل والأصدقاء والوطن سببها الأول هو اقتصادي بحت ، وهجرة الفلاحين من أراضيهم وقراهم إلى المدن في العراق فيما مضى كانت الأسباب الاقتصادية في طليعة العوامل لها .
إن العوامل أو المكونات الاقتصادية الرئيسية هي التي تستند إلى توفير الغذاء اللازم لأهل تلك المنطقة بالدرجة الأولى ، وتأتي الزراعة والصيد وتربية الحيوان بالمقام الأول وعلى الأخص في العصور القديمة ، وقد تكون التجارة أو الصناعة والتعدين بديلاً عن الزراعة بما توفره من مال يمكن شراء الغذاء به من مصادر أخرى ، أما إذا اجتمعت هذه المكونات في منطقة واحدة فان هذا يؤدي إلى المزيد من الازدهار لتلك المنطقة وزيادة سكانها حتى تصل إلى حد التوازن بين إيراداتها الغذائية والمالية وبين عدد السكان ، وفيما يلي نرى العوامل الاقتصادية التي أثرت على مدينة البصرة .
الزراعة :
بعد تمصير المدينة أرسل والي البصرة إلى الخليفة يقول ما معناه : إن مصرنا من دون الأمصار ، سبخ أرضه لا ينمو فيه زرع ، فخصص الخليفة خمسون ألف دينار لحفر نهر جديد ، فحفر النهر المعروف بنهر عمر ، والذي يشكل شبكة من الأنهار الدارسة التي تقع شمال مدينة البصرة الحديثة ، حيث كانت تأخذ مائها من دجلة ، (لم تجر أي محاولة لاستصلاح هذه المنطقة في الوقت الحاضر بالرغم من إمكانية ذلك ، بل منع المزارعون من مزاولة الزراعة فيها لأنها منطقة نفطية غزيرة ، وكأن هنالك تعارضاً بين استغلال النفط وأعمال الزراعة) ، ولم يمضي وقت طويل حتى اصبح نهر عمر وشبكة الأنهار المتفرعة منه والتي يطلق عليها بعض الأحيان بنهران عمر من اخصب الأراضي الزراعية في العالم حسب رأي الجغرافيين العرب ومعلوماتهم في ذلك العصر ، فقد اعتبروا إن اخصب أراضي الدنيا ثلاث ، شعب بوان في إيران وغوطة دمشق في الشام ونهر عمر في العراق .
لم يتوقف الأمر على استصلاح منطقة نهران عمر فقط وانما اخذ العرب بشق الأنهار من شط العرب عندما اكتشفوا إن المنطقة تصلح لزراعة النخيل حتى بلغ عدد انهار البصرة حسب ما أورده ديوان الخراج ، وهو يعتبر من أوثق المصادر ، عشرون ألف نهر تأخذ مائها من شط العرب أو الأنهار الرئيسية التي تتفرع من تلك الأنهار ، ولقد شكك ابن حوقل وهو من الجغرافيين المعروفين في العصر العباسي بهذا العدد ، فلما زار البصرة تيقن إن هذا الرقم صحيح وليس مبالغ فيه ، (من المؤكد أن هذه الأنهار كانت في منطقة البصرة وما يحيط بها ، ولم تكن في المدينة فقط ، وقسم من هذه الأنهار هي عبارة عن فروع من انهار رئيسية ، ومع جميع الاحتمالات ، يبقى هذا الرقم الكبير كدالة رئيسية على ما كان هنالك من انتعاش زراعي واقتصادي – المؤلف) .
كانت تلك الأنهار خاضعة إلى نظام المد والجزر الذي يتأثر به شط العرب ، فكانت المياه تجري فيها أثناء فترة المد ، ثم تعود ثانية إلى شط العرب أثناء الجزر ، ولم تقتصر فوائد تلك الأنهار على الشرب وسقي المزروعات فحسب ، بل كانت وسيلة مهمة للنقل ونقل السلع ، كما كانت لها فائدة عظيمة في عملية البزل ، فان كثيراً من الأملاح تسحب من التربة وتعود إلى النهر أثناء عملية الجزر . لقد تحول بعض تلك الأنهار إلى جنات من البساتين التي تتخللها القصور ، حتى وصفت بعض تلك الأنهار بأنها جنة الله على الأرض ، لخصوبة أرضها ورونق بساتينها وجمال القصور التي تتخللها .
ومن الأقوال المأثورة عن البصرة وبساتين النخيل فيها قول الخليفة العباسي هارون الرشيد عندما مر فيها في إحدى سفراته إلى الحج : إن ذهب العالم كله لا يعادل قيمة نخيل البصرة . كما وان الكاتب يتذكر امراً أثناء دراسته الجامعية وفي إحدى السفرات الطلابية إلى مناطق شط العرب ، وذلك عام 1968 ، هو أن أحد الأساتذة الأجانب الذين وصلوا البصرة حديثاً ، واثناء تلك السفرة ، قال وهو ينظر بانبهار إلى تلك البساتين الممتدة على مد البصر وفي جميع الاتجاهات : لو أن مجاعة أصابت العالم كله فأنها سوف لن تصيب العراق قطعاً ، فاشجار النخيل هذه تكفي لسد حاجة كل سكان العراق من الغذاء ، إذ يكفي أن يجلس كل شخص بين أربعة نخلات وهي كفيلة بتزويده بما يحتاج ، ولكن من المؤلم إن أشجار النخيل هذه لم تستطع أن تسعف أهل العراق أثناء الحصار ، لان أيدي المنون امتدت إليها قبل ذلك التاريخ .
التجارة :
تعتبر البصرة جسر العالم القديم ، ففيها يلتقي طريق الحرير الجنوبي القادم من الصين إلى بلاد العرب والشام مع الخط البحري الذي يصل الهند والسند (الباكستان) والصين وجزر المحيط الهندي بالعراق ، وكذلك الخط البحري الذي يدور حول شبه الجزيرة العربية حتى يصل إلى الحرمين (مكة والمدينة) وارض النوبة والحبشة والسودان وبلاد مصر ، كما يمر فيها أحد الخطوط الرئيسية التي تربط العراق بشبه الجزيرة العربية ، حيث يستخدمه الكثير من الحجاج القادمون من إيران وبلاد الترك وارض السند بالإضافة إلى العراق . ومن قرأ قصة السندباد البحري في كتاب ألف ليلة وليلة ، وسفراته العجيبة ، وبالرغم من إنها قصص خيالية إلا أن الخيال هو ابن الحقيقية ، أو هو الحقيقة التي تكتب بطرقة رومانسية شيقة ، من قرأ هذه القصص يدرك لما كان لمركز البصرة التجاري من أهمية لا تضاهيها مدينة تجارية أخرى في العالم في العصور العباسية وكيف كانت موانئها تعج بالسفن المحملة بالبضائع منها واليها .
قال خالد بن صفوان يصف البصرة أمام الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان في خطبة طويلة نقتبس منها هذه الجملة : …) ونحن اكثر الناس عاجاً وساجاً وخزاً (حريراً) وديباجاً … ) ، فالعاج يأتي من الهند وكذلك خشب الساج أما الحرير والديباج فإنها أقمشة من إنتاج الصين ، وهذا يبين العلاقات التجارية التي كانت تربط البصرة في العالم حتى في ذلك الوقت المتقدم .
لقد بلغ التبادل التجاري في العصر العباسي حداً كبيراً من التطور ، والذي كانت البصرة قاعدته الأساسية ، حتى توصل التجار إلى نظام الصكوك بحيث كان يعطي التاجر لشخص ما صكاً يصرفه في الهند أو الصين ، إذ كان لهؤلاء التجار وكلاء وعمال في بقاع العالم المختلفة ، وما زالت الكلمة العربية (صك) تستخدم في اللغة الإنكليزية (Check) .
كانت السفن التجارية التي تنقل البضائع على أنواع مختلفة ومعظمها تعتمد بالدرجة الأولى على الشراع وحركة الرياح في سيرها ، ومما زاد في فعالية تلك السفن إن العرب اخترعوا الشراع المثلث الذي كان بإمكان السفينة وبمساعدة الدفة (السكان) من أن تسير بأي اتجاه تريد ، حتى يمكنها أن تسير بعكس اتجاه الريح تقريباً ، كما إن العرب كانوا على علم جيد بالرياح الموسمية ومواعيدها ، والذي يحدد الفضل الأوقات لرحلات سفر تلك السفن ، ولعل اختراعهم للبوصلة التي تستطيع إن تحديد اتجاه سير السفينة بشكل أدق واسهل من النجوم وفي كل الأوقات قد عزز من قدراتهم في الإبحار ، وفي فترة متأخرة استطاعوا اختراع الإسطرلاب ، والذي يعتبر أول كمبيوتر ميكانيكي الحركة متطور توصل إليه الإنسان .
لم تكن السفن التجارية البحرية هي الوحيدة التي تضع مراسيها في ميناء البصرة فقد كانت هناك سفن اصغر حجماً تسير في شط العرب وفروعه ونهري دجلة والفرات تنقل البضائع من والى البصرة ، حيث توصلها بمدن الأهواز من الجنوب وبغداد وبقية مدن العراق من الشمال ، هذا بالإضافة إلى الزوارق الصغيرة التي تربطها بالمدن والقرى الصغيرة القريبة منها . وبالرغم من إن تلك السفن الصغيرة تستخدم حركة الرياح ايضاً إلا إنها تستخدم المجاديف أو السير مع التيار النهر .
أما الطرق البرية فكانت القوافل في حركة دائمة تأتيها من اليمن وأجزاء شبه الجزيرة أو أجزاء العراق والشام ومصر وغيرها من دول شمال أفريقيا أو من الشرق حيث ينتهي فيها خط الحرير الجنوبي القادم من الصين وأواسط آسيا وبلاد إيران ، أو الهند وبلوجستان وغيرها . كل تلك القوافل تنتهي رحلتها في البصرة حيث تأتي محملة وتعود محملة ببضائع مختلفة .
كانت الجمال هي الواسطة الرئيسية الأكثر شيوعاً والتي كانت لها القابلية على اختراق الصحاري وقطع المسافات الطويلة ، وتحمل الجوع والعطش ، ولكن البغال والحمير كانت مستخدمة ايضاً وعلى الأخص مع المدن القريبة وفي المناطق السهلية .
الصناعة :
لعل الوضع التجاري والزراعي كانا من اكثر العوامل التي حددت نوع الصناعات التي اشتهرت بها المدينة ، فقد كانت الحاجة المتسارعة إلى نقل البضائع من والى البصرة قد فرض بناء المصانع والورش لبناء السفن التجارية الكبيرة ، كما كان لشط العرب وآلاف الأنهار التي تتفرع منه قد أوجدت الحاجة إلى سفن اصغر حجماً يسهل عليها السير في تلك الأنهار لنقل الناس والإنتاج الزراعي بالإضافة إلى البضائع المختلفة ، إن ذلك كان دافعاً قوياً لنشوء المصانع لبناء السفن الصغيرة ، كما وان انتشار الرخاء والثراء وحاجة الأثرياء لاقتناء السفن الخاصة وكما يعرف اليوم باليخت جعل من بعض تلك المصانع تتخصص بهذا النوع من الإنتاج حيث يكون فيه الشكل الجميل والديكور المميز وأماكن الراحة سمة خاصة بهذه السفن كما وان بعض الظروف السياسية كانت تفرض نوع آخر من السفن التي تستخدم لأغراض عسكرية .
على ضوء كل هذا فأننا نستطيع تمييز عدة أنواع من السفن المتباينة التي كان يتم صنع معظمها في البصرة والتي استوردوا الأخشاب الجيدة المقاومة للماء كخشب الساج ، لصنعها ، كما وان بعضها كانت تصنع من الأخشاب الرخيصة أو من البردي الذي يتم طلاءه بالقار المستورد من مناطق العراق الشمالية ، ومن المؤكد انهم استفادوا في البداية من خبرات العمال المحليين من غير العرب أو الهنود الذين جلبوا لهذا الغرض في صناعة السفن أول الأمر .
إن أهم أنواع السفن والزوارق التي كان يتم صنعها والتي نوهنا عنها كانت ما يلي :
1. السفن التجارية البحرية :
لقد كان أكثرها كبير الحجم تصنع من الأخشاب المقاومة للماء المالح ويتم طلائها بمواد تحفظها من تأثير ماء البحر المضر وتقوى من الداخل ببعض القطع والجسور المعدنية . لقد كانت تلك السفن وكما ذكرنا تنقل البضائع من والى البصرة ، حيث تصل إلى سواحل الصين في بعض الأحيان والى بلاد الهند والسند (الباكستان) وسيلان التي كانت لها علاقات مميزة مع العرب كما جاء في كتاب ألف ليلة وليلة والجزر الواقعة في المحيط الهندي والهادي ، كما كانت تمر على سواحل شبه الجزيرة العربية لتصل إلى الحرمين (مكة والمدينة) أو السواحل الأفريقية في بلاد السودان والحبشة ومصر ، وقد تنقل بضائعها إلى بعض الموانئ المصرية حيث يتم نقل تلك البضاعة على الجمال والبغال أو لتواصل رحلتها بسفن جديدة تجوب نهر النيل إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط .
إن مثل هذه الأساطيل من السفن كانت تحتاج إلى عدد كبير من الورش والمصانع التي تقوم بتصنيعها وصيانتها واستبدال الأجزاء التالفة منها . وكان البحارة (النوتية) يقومون بالتجديف من غرف أو طوابق خاصة بهم لمساعدة السفينة على السير في حالة توقف الريح عن الحركة أو زيادة سرعة السفينة وعلى الأخص إذا كانت الرياح معاكسة لسيرها ، وكانت بعض تلك السفن من الكبر بحيث تحتاج إلى حوالي 400 نوتي للقيام بهذا العمل .
2. السفن التجارية الصغيرة :
إلى جانب تلك السفن الكبيرة والتي كانت تعتبر بالنسبة إلى ذلك العصر عملاقة ، فان هنالك سفناً اصغر حجماً بإمكانها الدخول في الفروع المختلفة لشط العرب لتنقل الناس والبضائع من مكان الإنتاج إلى مكان الاستهلاك أو التصدير ، كذلك تقوم بنقل المسافرين والبضائع عبر نهر دجلة ونهر الفرات لتصل المدن العراقية بعضها ببعض وعلى الأخص مدينة بغداد التي زاد نفوسها على السبعة ملايين نسمة في بعض العصور ، لتنقل ما تحتاجه تلك الأعداد الكبيرة من البشر من المواد المختلفة . كانت تلك السفن تصنع في العادة من خشب اقل جودة وتطلى بالقار لحمايتها من تأثير المياه كما إن بعضها كان يصنع من البردي الذي يكثر نموه في الاهوار المنتشرة في تلك المنطقة ثم يطلى بالقار من الخارج لحمايته من الماء .
إن بعض هذه السفن كان مصمماً لنقل المسافرين بالدرجة الأولى بين بغداد والبصرة وبقية المدن العراقية ، وهنالك الكثير من القصص التي تروي بعض الأحداث الطريفة عن هذه السفن والسفرات التي كانت تقوم بها ، (راجع البصرة في النوادر والمأثورات الشعبية) .
3. السفن الخاصة :
بالنظر لحياة البذخ الشديد التي كانت تعيشها الطبقات الغنية من المجتمع وعلى الأخص في العهد العباسي ، والمتمثلة ببعض رجال السياسة وعلى الأخص الذين ينتمون إلى بني العباس من أقارب الخليفة ، وكذلك أثرياء التجار التي كانت تجارتهم تجوب نصف الكرة الأرضية ، بالإضافة إلى بعض رؤساء القبائل وملاك الأراضي والبساتين الكبار . فقد كان أكثرهم يمتلك سفينة خاصة به لنقله في أسفاره أو لقضاء أوقات الراحة والمتعة بأسفار في شط العرب وربما إلى المدن القريبة . لقد تفننوا في صناعة هذه السفن واهتموا بتصميمها وأشكالها ايضاً ، فكانت تصمم كأشكال الحيوانات في بعض الأحيان ، وكتب التاريخ والأدب تسهب في وصف هذه السفن الخاصة والعامة سواء كانت الصغير منها التي تتسع لعدة أشخاص أو الكبير الذي تحمل الخدم والجواري والمغنين والموسيقيين والطباخين وغيرهم عندما يريد السيد الذهاب في سفرة في شط العرب أو السفر إلى المدن القريبة الأخرى . لقد كان بعض تلك السفن يفوق افضل (اليختات) التي يملكها أغنى أغنياء العالم في الوقت الحاضر في حجمها وتصميمها وديكورها ، ومجالس اللهو والرقص والغناء والطعام فيها ، وما يحتاجه هذا الطاقم الكبير من مغنين وراقصات وموسيقيين ومن يقوم بخدمتهم وخدمة السيد أثناء الرحلة ، وقصة المغني المشهور معبد الذي اشتهر في صدر الإسلام ورحلته إلى البصرة والتقاءه بذلك السيد الثري الذي كان يبحث أحدهما عن الآخر دون أن يعرف بعضهم بعضاً لهي اشهر واكثر رومانسية حتى من قصص ألف ليلة وليلة ، وفيها يأتي ذكر تفاصيل ما تحدثنا عنه ، كما وان كتاب ألف ليلة وليلة تناول بعض حكايات الحب واللقاء التي كانت تجري على متن تلك السفن الخاصة أو بين أصحابها من رجال أو نساء حين تقترب واحدة من الأخرى .
4. السفن الحربية :
وكذلك كان يتم صناعة السفن الحربية ، وبالرغم من إن ميناء البصرة لم يكن معرضاً لأعداء أشداء يأتون من جهة البحر كما كان الحال في موانئ البحر الأبيض المتوسط إلا إن السفن الحربية كانت موجودة ويتم تصنيعها ، وقد استخدمتها الدولة العباسية مثلاً في عدة مناسبات منها القضاء على قبائل الزط (الغجر) ، والتي انتقلت من الهند إلى العراق وعاثت في الأرض فساداً من مهاجمة القرى والمدن بين البصرة وبغداد ، كما واستخدمتها وبشكل واسع في القضاء على ثورة الزنج الذين احتلوا مدينة البصرة وقتلوا حوالي المليون من سكانها .
5. الزوارق الصغيرة :
بالإضافة إلى السفن المختلفة التي تحدثنا عنها فقد كانت هناك زوارق صغيرة يتم صنعها ، وتستخدم لنقل البضائع والأشخاص عبر الفروع الصغيرة لانهار شط العرب ، أو تستعمل لأغراض شخصية ، وذلك لان عدد كبير من بيوت البصرة كانت تقع على الأنهار ، وان أصحاب تلك البيوت كانت لهم زوارقهم الخاصة ، كذلك استخدمت تلك الزوارق لعبور الأشخاص لبعض الأنهار حين لا توجد جسور لذلك ، وكانت تسير بالمردي عادة أو بالمجداف ، وبعضها له شراع هوائي ، كما كانت تلك الزوارق تستخدم في الاحتفالات والأعياد كالأعياد الدينية وعيد النوروز وعيد المهرجات حيث كان يخرج الناس بسفنهم أو زوارقهم في شط العرب ، وقد بقيت هذه العادة سارية إلى يومنا هذا ، ولكنها تقلصت كثيراً خلال العقود الثلاثة الماضية بسبب الحروب والحصار وانشغال الناس بأمنهم ومعيشتهم عن الاحتفالات والأفراح .
لم تقتصر الصناعة في البصرة على صناعة السفن بل كانت هنالك صناعات أخرى مختلفة إلى جانبها ، ولعل كثرة النخيل في المنطقة قد أوجد فرصاً لبعض الصناعات التي تعتمد على النخيل وإنتاجه كمواد أولية ، فاشتهرت فيها بعض الصناعات الغذائية كصناعة الدبس والخل ، وكذلك صناعة (الحصران) جمع حصير والتي كانت تفرش بها أرضيات معظم البيوت والمساجد وغيرها ، كما وان صناعة الحبال من ليف النخيل تعتبر صناعة أساسية حيث يتم تصدير معظمها إلى المناطق الأخرى ، كما إن الصناع في البصرة تفننوا في صناعة الأسرة والكراسي والأثاث المنزلي الذي يصنع من جريد النخل ، والتي كانت أثاث مهم لبيوت الفقراء والطبقة المتوسطة . كما كان يستفاد من نبات البردي والقصب والذي ينموا بكثرة في منطقة البصرة في صناعة الحصران المختلفة وبناء بيوت الفقراء من الناس .
والى جانب صناعة السفن وما ينتجه النخيل من تمر وسعف وليف وخوص وغيره أو ما يمثله القصب والبردي من مواد أولية تدخل في كثير من الصناعات ، كانت هناك الكثير من الصناعات الكلاسيكية الأخرى والتي توجد في معظم المدن كصناعة السلاح ، مثل السيوف والخناجر والدروع ، وكذلك الأدوات والمعدات الزراعية من الحديد والخشب ، بالإضافة إلى الصناعات النحاسية فقد كان هناك سوق عامر للصفارين في المدينة ، ذلك السوق الذي أوحى للعالم واللغوي الكبير الفراهيدي بطريقة مبتكرة لوضع موازين الشعر العربي وعلى نغمات مطارق الصفارين . كما وان الصناعات النسيجية التي تعتمد على القطن والصوف كانت تحتل مكانة بين تلك الصناعات ، وربما دخلت صناعة الورق الذي انتشر استعماله في الكتابة بشكل واسع غير ذلك من الصناعات .
لقد احتلت صناعة الآجر في مدينة البصرة موقعاً خاصاً فبقايا الآجر الذي تم اكتشافه في البيوت القديمة يبين انه كان يتميز بمواصفات عالية قد تفوق كل أنواع الآجر المستعمل في العالم من حيث صلابته ومقاومته لعوادي الزمن ، كما وان الصناعات الفخارية كانت من الصناعات المنتشرة بكثرة لكثرة الحاجة إلى الجرار التي تبرد الماء أو الجرار المزججة (الزير) التي تحفظ بعض المواد الغذائية .
قد يتصور البعض إن مثل هذه الصناعات البدائية لقليلة التأثير في مدينة عملاقة كالبصرة ، ولكن الواقع إنها كانت على درجة كبيرة من الأهمية في ذلك الوقت ، ولا تقل أهميتها عن الصناعات والمصانع الكبيرة في الوقت الحاضر فكلاهما توفر الكثير من الغذاء والأثاث المنزلي وما يحتاجه الإنسان في البيت وفي الدفاع عن النفس أثناء الحروب ، كما توفر فرص عمل والمعيشة لكثير من سكان المدينة .
**التاريخ السياسي للبصرة
لا تعتبر البصرة من المدن القديمة جداً في تاريخ العراق ، فعمرها لا يتجاوز الأربعة عشر قرناً فقط وهذا ليس بالتاريخ الطويل مقارنة بتاريخ العراق المديد ، ومع ذلك فقد احتلت المدينة ومنذ إنشائها موقعاً مميزاً ، وقدر لها أن تلعب دوراً كبيراً يتناسب مع وموقعها الجغرافي المهم ، لذا فقد كان تاريخها حافلاً بالحوادث الجسيمة وكما سنرى .
الموقع السياسي للبصرة بين المدن : بالرغم من التاريخ السياسي الحافل للمدينة وموقعها الجغرافي المميز إلا إنها لم تستطع أن تنافس الكوفة والمنطقة المحيطة بها (بابل فيما مضى وبغداد فيما بعد) في انتزاع مركز السيادة لتصبح عاصمة لأي دولة ، بل إن تاريخ البصرة والمنطقة المحيطة بها لم يشهد لها أن تكون عاصمة لأي دولة ذات أهمية في التاريخ ، ولكنها أصبحت عاصمة لولاية امتدت إلى كل سواحل الخليج العربي ومناطق عربستان بالإضافة إلى الجزء الجنوبي من العراق ، ولكن تلك الولاية كانت تابعة إلى دولة أخرى ، وفي معظم الأوقات تكون تابعة إلى بغداد أو الكوفة العاصمة أو إلى ولاية بغداد التي تظم إليها ولاية الموصل ايضاً وذلك بعد سقوط الدولة العباسية ، ويبدو إن موقعها يؤهلها أن تكون ولاية أو المدينة الثانية بعد العاصمة بدلاً من أن تكون هي العاصمة نفسها ، وذلك عكس المنطقة الوسطى من العراق التي نشأت فيها أهم العواصم في التاريخ البشري والتي حكمت معظم أرجاء العالم لمدة تزيد كثيراً عن نصف التاريخ الحضاري للإنسان كمدينة أكد قرب بغداد عاصمة الاكديين والتي كانت أول عاصمة لأول إمبراطورية في التاريخ ، وبابل عاصمة إمبراطوريتان مهمتان في التاريخ القديم ثم اتخذها الاسكندر الأكبر عاصمة له ، والمدائن التي كانت عاصمة لثلاث إمبراطوريات عظيمة في والكوفة تلك العاصمة الإسلامية المميزة بالإضافة إلى بغداد عاصمة الدنيا لقرون عديدة . ومع هذا فان البصرة ومنذ نشأتها كانت العاصمة الإقليمية لأهم ولايات الدولة ولمعظم الوقت .
الحروب والنكبات التي تعرضت لها المدينة في تاريخها :
إن الموقع المميز للمدينة جعلها عرضة لتنافس المتنافسين للسيطرة عليها وعلى الطرق التجارية التي تمر منها ، والانطلاق منها للتوسع والهيمنة ، لذا فقد تعرضت إلى كثير من الكوارث والمصائب والتي كان لبعضها تأثير دامي لم يترك أثره في عقود وقرون ، ومع ذلك نراها تستعيد عافيتها ومكانتها من جديد ، وذلك لما تملكه من عوامل القوة والبقاء . ولعل أهم الكوارث الحربية التي تعرضت إليها ما يلي :
معركة الجمل : لقد كانت واقعة الجمل أول الحروب التي دارت قرب مدينة البصرة وتركت جروحاً دامية فيها بقيت آثارها السياسية والنفسية والفكرية قروناً طويلة على المدينة وأهلها ، ومعركة الجمل كانت أول الحروب بين المسلمين أنفسهم ، وقد سميت بالفتنة الكبرى .
بدأت فصول القصة عندما بدأ بعض الناس بالتمرد على الخليفة عثمان بن عفان لارتكابه بعض الأخطاء ، ولأنه لم يكن شخصية لامعة كما كان سلفاه عمر بن الخطاب وأبو بكر الصديق ، فقد وزع حكم الولايات بين فتيان بني أمية والذين لم تكن لهم سابقة في الإسلام بل إن تاريخ بعضهم كان غير مقبول لدى عامة المسلمين ، فأعطى ولاية مصر إلى أخيه في الرضاعة عبد الله بن سرح والذي كان الرسول (ص) قد هدر دمه ثم عفا عنه في قصة طويلة كان عثمان طرفاً فيها ، ونفاه عن الحرمين وبقي طريداً أيام أبو بكر وعمر رغم توسلات عثمان بهما ، كما أعطى الشام بكامل أجزائها إلى قريبه معاوية بن أبي سفيان ، وأعطى حكم ولاية الكوفة إلى قريبه ، وكان وزيره ومستشاره مروان بن الحكم الذي لعن رسول الله أباه وذريته وسماهم أبناء النار ، قد جعله وزيره ومستشاره وصاحب سره ، وأغدق المال عليه بشكل يثير التساؤل ، فقد أعطاه هدية زواجه مليون درهم وارض فدك التي انتزعها من ذرية رسول الله (ص) بعد أن أعادها عمر بن الخطاب إليهم كإرث لهم من رسول الله (ص) ، والتي كانت عبارة عن مجموعة من القرى الزراعية قرب المدينة . كما أحاط نفسه بمجموعة من اليهود الذين تظاهروا باعتناق الإسلام ككعب الأحبار وغيره كمستشارين بدل أصحاب محمد كما كان يفعل صاحباه من قبل ، ومما أثار نقمة الناس اكثر ضربه الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود حتى الموت لمجرد اعتراضه عليه ، وضربه أبا ذر الغفاري أحد اكبر الصحابة وأصحاب العلم فيهم حتى كاد يموت ثم نفاه إلى الربذة والتي مات فيها وحيداً فريداً . كل هذا وغيره الكثير الكثير أثار حفيظة الناس عليه ، وطالبوه بالاستقامة ، فوعدهم بذلك بعد مفاوضات تدخل فيها الأمام عي لصالح الخليفة ، ولما عاد الثائرون إلى بلادهم اكتشفوا إن الخليفة قد أرسل إلى ولاته يطالبهم بقتل اولاءك الثوار عند عودتهم ، فعادوا أدراجهم وطلبوا منه التنحي عن الخلافة ، فرفض ذلك بعناد ، فحاصروه في بيته ليستجيب لهم وحدث أثناء الحصار إن أحد حراسه رمى أحد الثوار بسهم فقتله ، فثارت ثائرتهم وطلبوا منه أن يسلمهم القاتل ليقيموا حد الله عليه فرفض وحيث إن أبواب البيت الذي يقيم به عثمان كانت محروسة بالحسن والحسين وبعض أبناء الصحابة أرسلهم الأمام علي لحماية الخليفة ، مما جعل بعض الثوار يتسور عليه عن طريق بعض بيوت الجيران المجاورة ، وطلبوا منه التنحي عن الحكم وتسليمهم القاتل فرفض فاقدموا على قتله ، وبقتل الخليفة عمت الفوضى فكانت أول ثورة مسلحة تحدث في الإسلام .
لقد اضطرب الأمن على اثر ذلك في المدينة المنورة وبقيت من دون سلطة سياسية ، فذهب كبار الصحابة ورؤساء الثوار إلى الأمام علي وطلبوا منه أن يتولى الخلافة ، فرفض ذلك وقال لهم : اختاروا من شئتم وساكون أول المبايعين وستجدونني إنشاء الله أطوعكم له ، والحّوا عليه فأجابهم : أني لكم وزيراً خير مني أميراً ! وعندما وجد أن زمام الأمر سيفلت ، وان الإسلام سيصبح في خطر ، اضطر إلى قبول الخلافة فبويع مبايعة جماهيرية ، وهو الخليفة الوحيد الذي يتم اختياره بواسطة الجمهور ، والجمهور كان صاحب القرار فقط .
كان أول المبايعين له طلحة بن عبد الله الذي كان من كبار الصحابة ومن المحرضين الرئيسيين على قتل عثمان ، وتبعه الزبير بن العوام وهو من كبار وجوه الصحابة ايضاً ، ثم تدافع بقية الناس للبيعة .
طلب كل من طلحة والزبير من الأمام أن يوليهما إمارة الكوفة والبصرة ، فرفض ذلك أسوة برسول الله (ص) عندما طلب منه عمه العباس إحدى الولايات فقال له : يا عم نحن لا نوليها من يسألها ! فاستأذناه للذهاب إلى العمرة ، وبالرغم من انه عرف مقصدهما ، وقال لهما : ليس العمرة تبغون بل الفتنة تبغون ! ولكنه مع ذلك لم يمنعهما ، تمسكاً بأحكام الشريعة التي تحكم بعدم الأخذ بالظن ، وبعد خروجهما التقيا بالسيدة عائشة أم المؤمنين التي كانت عائدة من العمرة ، فاخبراها بمقتل عثمان وكانت تكرهه وتحرض الناس عليه ، ففرحت وقالت لهما : بشركما الله بكل خير ! ومن بايعتم بعده ؟ فقالا : علي بن أبي طالب ! وكانت تكره الأمام علي لأمور عائلية تافهة ، فصاحت : وا عثماناه ! لقد قتل مظلوماً ! وعادت إلى مكة ، وفي الطريق التقوا بقافلة تحمل خراج اليمن إلى الخليفة فاستولوا عليها ، وساروا وهم يحملون قميص عثمان الذي قتل فيه وهو ملطخ بالدماء يدوروا على القبائل يطلبون منهم النصرة على قتلة عثمان ! فيا للعجب حين يطالب القاتل بأخذ الثار من القتلة ! ويتهم الأمام علي الذي حاول جاهداً لمنع الفتنة والدفاع عن عثمان وإقناعه بتغيير سياسته من ترك بني أمية يعبثوا بأمور المسلمين وينهبوا أموالهم ، ولما أعياه الأمر أرسل ولديه للدفاع عنه ومنع من يريد الوصول إليه ، وكان يوصل الماء إليه بنفسه بعد أن منع الثوار من إدخال الماء إلى بيته .
وسار المتمردون إلى البصرة فوقف أهل البصرة في حيرة من أمرهم ، هذا والي أمير المؤمنين بينهم وهو بن عم رسولهم وأحق الناس بالخلافة ، وهذه أم المؤمنين ومن معها تحمل قميص عثمان وهو ملطخ بالدماء وتدعي إنها تريد الأخذ بثاره ، وكأن الأمر اصبح مزاجياً كل يريد أن يطبق القانون بيديه حسبما يشاء ويهوى . وهجم عبد الله بن الزبير على بيت مال المسلمين في البصرة واستولى عليه ونهب ما فيه ، ثم توجه إلى ابن حنيف والي الأمام علي وهو من كبار الصحابة ، فنتف لحيته وضربه ضرباً شديداً وطرده من البصرة ، وعندما وصل الوالي إلى المدينة ، شعر الأمام إن الأمر قد شب عن الطوق ، فسار بمجموعة صغيرة من المهاجرين والأنصار إلى البصرة ، ولما وصلها التحق عدد من أهلها إلى جيشه بينما بقيت مجموعة أخرى مع جيش المنشقين ، وبقيت فئة ثالثة على الحياد بموافقة الأمام علي نفسه ، وجاء أهل الكوفة والتحقوا بجيش الإمام ، وبعد مفاوضات طويلة طلب الإمام مقابلة الزبير وطلحة وجهاً لوجه في ساحة الميدان وصاح بهما قائلاً : أتتركان عرسكما (زوجاتكما) في البيت وتأتيان بعرس رسول الله إلى القتال ؟ أتذكر يا زبير ويا طلحة يوم كذا وكذا ، أتذكران يوم كذا وكذا ، واخذ يذكرهما بأيام رسول الله وبعض أقواله إلى الزبير من انه يخرج على الإمام وهو ظالم لنفسه ، فشعر الزبير بفداحة الخطأ الذي ارتكبه وقال له : لقد ذكرتني بما انسانياه الدهر ، ثم كر راجعاً واعتزل القتال ، فلقيه أحد فتاك العرب فغدر به وقتله ، أما طلحة فقد رماه مروان بن الحكم بسهم فقتله أخذاً بثار عثمان ، مع انه كان يقاتل معه في نفس الجيش ، وتولى عبد الله قيادة الجيش والذي كانت السيدة عائشة تمني نفسها بان يكون هو الخليفة ، لانه ابن أختها أسماء وكانت تحبه حباً جماً ، كما أركبت السيدة عائشة جملاً ، وكانت داخل الهودج تحرض الناس على القتال ، واشتدت المعركة وصبح هودج أم المؤمنين كالقنفذ من كثرة النبال التي أصابته ، وبالرغم من إن النصر بان لجيش الإمام علي إلا إن القتال استمر على اشده ، فصاح الإمام : ويحكم اعقروا الجمل فانه شيطان من الشياطين ، فتقدم مجموعة من المهاجرين والأنصار وعقروا الجمل فنـزل الهودج من عليه ، وما أن عقر الجمل حتى هرب جيش السيدة عائشة بعد مجزرة راح ضحيتها خمسة عشر ألف مقاتل من خيرة المسلمين .
ثم أمر الإمام بجمع الجثث من الطرفين وصلى عليها وأمر بدفنها ، واصدر عفواً عن المشاركين في القتال ، كما وأرسل أم المؤمنين بعد أن تفقد أحوالها مع أربعين من نساء الأنصار والمهاجرين ومعها أخوها محمد بن أبي بكر إلى المدينة .
لقد كانت موقعة الجمل ذات تأثير دامي في تاريخ الإسلام لأنها مزقت وحدة المسلمين وفرقت كلمتهم ، ولولا هذه المعركة لما تجرأ معاوية على التمرد والعصيان ، أو ما كان له أن ينجح في عصيانه ، لكنه شعر انه اصبح قوياً أمام جيش الخليفة الشرعي الذي قتل في تلك المعركة عدد كبير من خيرة فرسانه ، وانقسم بعض الناس عليه من الموالين لطلحة والزبير . لقد تمكنتن قوى الردة بقيادة معاوية بن أبي سفيان الذي قاتل هو وأبوه الإسلام حتى انتصر الإسلام عليهم ، ولم ينطقوا بكلمة الشهادة إلا والسيف على رقابهم ، واستمروا في نفاقهم ومجاهدتهم الإسلام حتى نجح معاوية من الاعتلاء على الخلافة ليحولها إلى ملك قيصري وراثي يحارب الإسلام من خلاله ويهد من بنيانه .
لقد كانت الجروح التي تركتها هذه الحرب عميقة فقد بقي قسم من أهل البصرة بعدها لا يوالون آل بيت الرسول لمدة قرن من الزمان وحتى ثورة إبراهيم ذو النفس الزكية بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب حين هبوا جميعاً لنصرته ، وبقي المذهب السائد فيها هو مذهب أهل الاعتزال ، وبالرغم من إن هذا المذهب هو اقرب المذاهب إلى مذهب آل بيت الرسول من ناحية التشريع ، ولكنه اقرب إلى مذاهب السنة من ناحية الإمامة ، حيث كانوا يرون إن افضل الناس بعد رسول الله هم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ، ولكن هذا المذهب بدأ بالاقتراب اكثر فاكثر إلى مذهب آل البيت من ناحية الإمامة ايضاً وباستحياء ، وذلك على أيدي المعتزلة البغداديين الذين يعتقدون إن افضل الناس كان علي ، ولكن يجوز توليه الفاضل بوجود الأفضل ، حيث أن أبا بكر فاضل وعلي الأفضل ، أما المتأخرين منهم فقد اقتربوا اكثر عندما اعتبروا إن مبايعة الإمام علي هي التي أعطت الشرعية لخلافة أبو بكر وإلا فهي ليست شرعية ، ثم اضمحل المعتزلة والتحق أكثرهم بمذهب آل البيت بينما التحق الآخرون بمذهب أهل القياس من أصحاب أبو حنيفة وقليل منهم تحول إلى مذاهب أهل السنة . ونحن هنا لسنا في موقف المفاضلة ، ولكننا نسرد الوقائع كما رواها أصحاب السير ، ونذكر كل قوم بما يعتقدون ويقولون هم عن أنفسهم لا بما نعتقد بهم ، ونتذكر قول رسول الله (ص) : إن اختلاف علماء أمتي رحمة ، ولم يقل نقمة .
وقعة دولاب : ودولاب قرية من قرى الأهواز ، وسبب الوقعة هو أن الفراغ السياسي الذي أوجده سقوط الدولة السفيانية (الدولة التي أسسها معاوية) بعد هلاك يزيد بن معاوية وتنحي ابنه معاوية الثاني عن السلطة والاضطرابات التي حصلت في معظم الولايات الإسلامية ، فقد ثار عبد الله بن الزبير في مكة ودان له حكم الحجاز والبصرة والكوفة ثم استولى التوابين من جماعة المختار الثقفي على الكوفة وطردوا والي ابن الزبير عنها ، وتوالت الأحداث بشكل سريع في كل مكان وكان الوضع قلقاً وعلى غير استقرار ، وكان حكم بن الزبير هشاً ضعيفاً . فقد استغلت مجموعة من الخوارج التي كانت تتمركز في الأهواز تلك الظروف ، فتحركت باتجاه البصرة تحرق الأخضر واليابس أمامها من القرى التي تعترض طريقها .
والخوارج هي حركة سياسية ظهرت أثناء معركة صفين بين الأمام علي ومعاوية ، ومن صفوف جيش الأمام علي ، وكانوا قد اجبروا الأمام علي على قبول التحكيم أول الأمر ثم طلبوا منه التنصل من عهوده بعد أن تم الاتفاق وبدون رغبة من الأمام نفسه ، وطلبوا منه العودة إلى الحرب .
بالرغم من إن الأمام علي كان يعد العدة لحرب جديدة مع معاوية إلا انهم خرجوا عليه وعاثوا في الأرض فساداً ، مما اضطره أن يترك معاوية ويتوجه إلى حربهم ، وانتصر عليهم في حرب حاسمة قتل فيها من جيش الأمام اقل من عشرة رجال بينما قتل كل الخوارج ولم ينج منهم غير اقل من عشرة رجال . وكان أحد الناجين هو الذي قتل علي في المسجد أثناء الصلاة . وبذا مكنوا بحماقتهم وشدة تعصبهم الغير منطقي ، عدوهم الحقيقي معاوية بن أبي سفيان من السيطرة على العراق وبقية العالم الإسلامي ليحول خلافة المسلمين إلى ملك عضود .
لقد استطاع الخوارج بعد مدة وجيزة من نشر دعوتهم وإعادة تنظيم صفوفهم ، وقاتلوا الدولة الأموية في كل عصورها وبقيت حركتهم قائمة في الجزء الأول من الدولة العباسية ، إلا أن حركتهم بدأت بالضمور عندما ظهرت بعض المذاهب الدينية المتطرفة ، فاصبح الشباب المتعصب الذي كان ينظم إلى صفوفهم يفضل الانخراط في تلك المذاهب المتطرفة ، مما حول المذاهب من حركة فكرية لخدمة الإسلام وإثراء الفكر الإسلامي ، إلى طوائف متصارعة يكفر بعضها البعض ، وأنا لله وأنا إليه راجعون .
بعد أن تطرقنا إلى تاريخ الخوارج بشكل مقتضب نعود إلى وقعة دولاب ، حيث كان يعيش نافع بن الأزرق وهو أحد اشهر زعمائهم وفقهائهم حيث كان يسكن في سوق الأهواز ، وقد اعتزل الناس ، فقالت له امرأته يوماً : اكفرت بعد أيمانك ، تعني انه ترك أمر دعوة الخوارج ، فلما رأى إن الفرصة سانحة نهض من مكمنه ودعى أصحابه للثورة فاجتمع إليه جماعة من أصحابه وبدأ بمهاجمة القرى واحدة تلو الأخرى ، وكانوا إذا دخلوا قرية احرقوها وقتلوا رجالها ، إلا من يؤمن بدعوتهم ويتبرأ من مذهبه ويقول انه كان على ضلال وألان آمن . فلما رأى أهل البصرة بانه متوجه إليهم ، والدولة منشغلة عن أمره ، ذهبوا إلى الأحنف بن قيس يستشيرونه ويقولون له لم يبق بيننا وبين الخوارج غير يومين ، فأشار عليهم بمحاربتهم وإيقاف شرهم قبل أن يصلوا إليهم ويفعلوا بهم كفعلهم بباقي المدن والقرى التي دخلوها . فاجتمع نحو عشرة آلاف مقاتل من قبائل البصرة ، وأكثرهم من تميم وسدوس ، وامروا عليهم مسلم بن عبيس بن كريز ، وكان عدد الخوارج كما يروي الرواة يقل عن ألف رجل ولكنهم كانوا مستميتين ولهم خبرة طويلة في الحروب ، وبعد معركة حامية قتل فيها مسلم قائد البصرة ونافع بن الأزرق زعيم الخوارج ، ثم نظم كل طرف صفوفه من جديد ونصب قائداً عليه ، فقد تولى قيادة جيش البصرة الربيع بن عمرو الغداني من بني يربوع ، وتولى قيادة الخوارج عبيد الله بن بشير بن الماحوز من بني يربوع ايضاً . واستمر القتال بينهم عشرون يوماً أخرى وقتل فيها عدد كبير من الطرفين وتفشت الجراح بينهم وأصابهم التعب والإعياء . وقتل البيع قائد البصرة وبقوا بدون قائد وكل يتهيب ذلك ، ثم اجمعوا على الحجاج الحميري الذي رفض أن يستلم الراية إلا بعد إلحاح ، وعاد القتال من جديد وتبارز الحجاج قائد أهل البصرة مع أحد فرسان الخوارج وانتهى اللقاء أن قتل كل رجل صاحبه فاتفق أهل البصرة على الحارثة بن بدر ، وقد حاول الأخير أن يشد من أزر أصحابه إلا انهم كانوا في حالة من الضعف والجراح وقد هرب عدد كبير منهم ، فبينما هم كذلك إذ جاء إلى الخوارج مدد من اليمامة مما شد من أزرهم وقوى معنوياتهم ، فحملوا حملة شديدة على أهل البصرة ، فانهزم الحارثة وانهزمت جيوش أهل البصرة معه ، وتبعهم الخوارج وقتلوا جماعة كبيرة منهم وألقى أهل البصرة أنفسهم في نهر تيري (من انهار الأهواز) بغية العبور فمات الكثير منهم غرقاً ، ولكن الخوارج لم يدخلوا البصرة .
مجزرة الحجاج في مسجد البصرة :
عند القضاء على ثورة عبد الله بن الزبير في مكة على يد الحجاج بن يوسف الثقفي وسيطرة الدولة الأموية من جديد على مقاليد الحكم ، تم تعيين الحجاج والياً على الحرمين (مكة والمدينة) وتعيين بشر بن مروان والي على المصرين (الكوفة والبصرة) ، وبوفاة بشر المفاجئة ، تم نقل الحجاج إلى ولاية الكوفة والبصرة وما يتبعهما من المناطق في المشرق الإسلامي والتي كانت تتركز فيها ثلاثة أرباع قوة العالم الإسلامي البشرية والمالية ، وأراد الحجاج أن يبدأ عصره في هاتين المدينتين بالدم ، حيث كان يعتقد -بحمق - إن الشدة والقسوة هي افضل السائل للسيطرة على الناس ، وقد أثبتت سياسته الخرقاء تلك على خطأ كبير ، تلك السياسة التي تلقفها كثير من الساسة ظناً منهم إنها الطريقة السهلة للسيطرة ، فقد استمرت حمامات الدم في زمانه طيلة الفترة التي عاشها هناك ، ودفعت الناس إلى القيام بعدة ثورات كادت بعضها أن تقضي على الدولة الأموية بكاملها لا على الحجاج فحسب لولا سوء الطالع ، وكان سبب نجاحه يعتمد على الصدفة بالدرجة الأولى . لقد كلفت تلك السياسة الدموية الدولة الكثير من المال والجهد ، وجعلتها لعنة من لعنات التاريخ ، أما خسائرها المالية فيكفي أن نشير إلى إن خراج العراق كان زمن عمر بن الخطاب يبلغ مائة وعشرون مليون دينار ، هبط في زمن الحجاج إلى عشرة آلاف دينار فقط !
قدم الحجاج إلى البصرة عند تنصيبه والياً عليها وذلك عام 75 هـ – 694م ومعه ألفي جندي من أهل الشام وبضعة آلاف من غيرهم ، وتعمد أن يدخل المدينة يوم الجمعة وقت الصلاة ، وأمر جنوده الشاميين أن يتوزعوا على أبواب المسجد ، مائة جندي لكل باب ويخفوا سيوفهم تحت ملابسهم ، وكان في المسجد ثمانية عشر باب ، واخذ معه مائتي جندي ودخل بهم وهم يخفون السلاح تحت الثياب ، وأمرهم إذا نزع عمامته ووضعها على ركبتيه أن يخرجوا سيوفهم ويفتكوا بالجميع بدون استثناء ، كما أمر الجنود الذين على الأبواب أن يقتلوا كل من يحاول الهرب من المسجد .
قام الحجاج في الناس خطيباً وقال : ( ايها الناس ! إن أمير المؤمنين عبد الملك قد استخلفه الله في بلاده وارتضاه إماماً على عباده وقد ولاني مصركم وقسيمة فيئكم وامرني بإنصاف مظلومكم وامضاء الحكم على ظالمكم وصرف الثواب إلى المحسن البريء والعقاب إلى العاصي المسيء وأنا متبع فيكم عهده وأرجو بذلك من الله عز وجل الجزاء ومن خليفته المكافأة وأخبركم انه قلدني بسيفين حين توليته إياي عليكم ، سيف رحمة وسيف عذاب ونقمة ، فأما سيف الرحمة فسقط مني في الطريق ، وأما سيف النقمة فهو هذا ) فغضب الناس من جملته الأخيرة وحصبه أحدهم بحصاة ، فما كان منه إلا وخلع عمامته فأسرع الجنود الشاميين إلى تجريد سيوفهم واخذوا بقتل المصلين بدون تمييز ، وحاول المصلون الهرب فتلقاهم الجنود في الأبواب وقتلوا من حاول الخروج حتى قتلوا جميع من في المسجد ، والذين كان عددهم اكثر من سبعون ألف مصلي .
وقد يكون هذا الرقم فيه بعض المبالغة ولكن حتى لو كان العدد نصف هذا فهو مجزرة عظيمة لا اعتقد إن أي من طغاة العالم الآخرين كان ليقدم عليها .
ثورة إبراهيم ذو النفس الزكية :
حاول الهاشميون من طالبون (أبناء علي وجعفر وعقيل أبناء أبي طالب) وعباسيون من توحيد صفوفهم بعد المصائب الكثيرة التي تلقوها على أيدي الأمويون أيام دولتهم ، فاجتمعوا ورشحوا رجلاً منهم هو محمد بن عبد الله بن الحسن ابن الحسن بن علي بن أبي طالب ، وبايعوه بالخلافة سراً ، على أن تكون الخلافة فيما بعد للرضي من آل بيت محمد . وكان من بين المبايعين له إبراهيم الإمام وأخيه أبو العباس السفاح وأخيهم الصغير أبو جعفر المنصور ، وسارت الأمور بعد ذلك بطريقة مختلفة فقد استطاع بعض الدعاة الذين يتصلون بإبراهيم الإمام وأخيه السفاح أن يثوروا على الدولة الأموية في الشام حيث انطلقت شرارتها من خراسان بقيادة الداعية الشاب أبو مسلم الخراساني ، وحيث إن الخليفة الأموي استطاع من القبض على إبراهيم الإمام الذي مات في السجن قبل قيام الثورة ، فتولى القيادة أخوه أبو العباس السفاح ، وأعلن عنه خليفة في الكوفة قبل سقوط الدولة الأموية . وكان السفاح قلقاً جداً من محمد ذو النفس الزكية الذي كان قد بايعه هو قبل ذلك التاريخ مما يجعل خلافة بني العباس غير شرعية حسب التقاليد المتعارفة عندهم ، وكان محمد هو الآخر يخامره نفس الشعور فاضطر إلى الاختفاء خوفاً من بطش العباسيين فيه ، ولكن انشغال أبو العباس بتأسيس الدولة ومطاردة الأمويين والقضاء على الفتن الكثيرة وقصر حياته السياسية جعله يؤجل أمر محمد ، فلما مات أبو العباس وتولى الخلافة أخوه أبو جعفر والذي كان شديد الظن بالسوء وقاسياً ، بدأ بملاحقة محمد ذو النفس الزكية واخوته ، مما اضطر محمداً من الانتقال من بلد إلى بلد متخفياً حتى كان يصل الهند والصين ثم يعود أدراجه حتى يصل المغرب العربي ، ولا يبقى في بلد إلا اقل من المدة التي يحتاجها البريد بين تلك المدينة وعاصمة الخلافة بحيث يكون قد رحل عن تلك المدينة قبل وصول أمر إلقاء القبض عليه ، وكانت دعوته تسري بين الناس ، وعلى الأخص عندما خاب ظن الكثير من منهم بالدولة العباسية واعتقدوا في البداية إنها ستزيل الظلم الذي اتبعه بني أمية ، ولكنهم اكتشفوا إن دولة بني العباس اكثر ظلماً واشد تعسفاً ، فبدءوا بالبحث عن المنقذ .
وحتى لا يترك الفرصة للثورة بالنضوج فقد عمد أبو جعفر إلى سجن عبد الله بن الحسن والد محمد ذو النفس الزكية مع ثلاثة من اخوته واحد أبناء عمه ، مما اضطر محمداً من إعلان الثورة قبل موعدها المقرر في المدينة ، وحيث إن المدينة لم تكن تشكل قوة عسكرية في ذلك الوقت ، ومما زاد في الطين بلة إن محمداً حفر حولها خندقاً مما منع من وصول المؤن إليها . لقد استطاع القائد العباسي الذي أرسل لإخماد الثورة من إسقاط المدينة وقتل محمد ذو النفس الزكية فيها .
كان من المقرر أن يقوم إبراهيم ذو النفس الزكية ، أخو محمد بالثورة في البصرة في نفس الوقت ، ولكن مرضه وثورة أخيه قبل الموعد اضطرته إلى تأجيل الثورة ، وعندما أعلن إبراهيم الثورة بالبصرة توجه أبو جعفر بجيش الاحتياط إليه ، وكان قائده قد اكمل مهمة القضاء على محمد في المدينة فتوجه إلى البصرة ايضاً لينظم إلى جيش الخليفة ، حيث جرت معركة كبيرة بين الطرفين انتصر فيها الجيش العلوي بقيادة إبراهيم على الجيش العباسي بقيادة أبو جعفر ، وفر أبو جعفر بفلول جيشه تتبعتهم جيوش العلويين ، وبينما كان أبو جعفر يستريح بفلول جيشه المنهك في إحدى انعطافات الفرات إذ شاهد الرايات العلوية الخضراء قادمة ، فنهض ليواصل الهرب ، ولكن جيش العلويين أصابه بعض الارتباك عندما تفاجئوا بمشاهدة الجيش العباسي وظنوا انه كمين لهم ، فاستغل أبو جعفر ذلك الارتباك وأعاد الكرة بهجوم جديد ، وكان معن بن زائدة بأفراد قبيلته يراقبون ما يجري من بعيد ، وحيث أن معن كان من رجال الدولة الأموية سابقاً ومن المطلوبين للدولة العباسية ، فشعر إن الفرصة مواتية للاستفادة من هذا الموقف ويصلح علاقته بالدولة العباسية بالانضمام اليهم في ساعة الضيق تلك ، فهجم من الخلف على جيوش العلويين ، وشاء سوء الطالع إن إبراهيم خلع لامة حربه لشدة حرارة الجو فأصابه سهم طائش في جبهته فارق الحياة بعده ، فتفرق جيش العلويين عند موت قائدهم واستطاع أبو جعفر أن يكسب الحرب ليبدأ بعدها بحمامات من الدم في قتل وملاحقة العلويين وأنصارهم .
تعتبر ثورة إبراهيم بالبصرة اكبر الثورات التي قام بها العلوييون من حيث الحجم ، وقد أبلى البصريون بلاءً حسناً لولا سوء الطالع ، حيث كادت هذه الثورة أن تطيح بالدولة العباسية وتقيم بدلها دولة علوية . وبالرغم من أن إدريس ، الأخ الأصغر لمحمد وإبراهيم استطاع من الانتصار على الوالي العباسي في المغرب العربي وتأسيس دولة علوية هناك دعيت بدولة الادارسة ، إلا إنها بقيت صغيرة ومحاصرة ، وتم القضاء عليها بعد اقل من قرنين من الزمان على أيدي بعض القبائل البربرية هناك .
ثورة الزنج :
بعد الحكم التعسفي وإثارة النعرات الطائفية واضطهاد الناس بسبب انتمائهم الطائفي أو الفكري الذي انتهجه الخ
**الوضع الستراتيجي للبصرة:
الموقع :
موقع البصرة القديمة كان في المنطقة التي بنيت فيها مدينة الزبير الحالية ، وتتسع إلى الشمال منها حيث تم العثور على بقايا لقصور قديمة من قصور البصرة تقع إلى الشمال من مدينة الزبير . وكان هنالك نهر يمتد من شط العرب إليها ، وقد درس ذلك النهر ، كما حفر العرب عدة انهر تتصل بعضها ببعض لتروي المدينة وبساتينها من جميع جهاتها حتى أصبحت تلك الأنهار وما يحيط بها من قصور وبساتين تعتبر جنة الله على الأرض وكما سنرى .
تاريخ الموقع قبل بناء المدينة :
بنيت البصرة على أنقاض معسكر للفرس في منطقة كانت تدعى الخريبة . كما وان هنالك مدينة أثرية يعتقد بعض المؤرخين انه تم بنائها في زمن نبوخذ نصر تدعى طريدون ، وادعى آخرين إنها كانت مدينة آشورية ، حيث كان لهذه المدينة سد يحميها من ارتفاع منسوب مياه البحر ، فان صح هذا فان طريدون أو تريدون تكون جنوب مدينة الزبير قرب خور الزبير في الوقت الحاضر ، بينما يعتقد الرحالة جسني إن موقع طريدون هو قرب جبل سنام والذي يبعد عن جنوب مدينة الزبير بحوالي ثلاثة عشر ميل ، فإذا كان ذلك صحيحاً فيجب أن يكون خور الزبير والذي هو امتداد للخليج العربي يمتد إلى جبل سنام أيام الدولة البابلية (المؤلف) .
سبب اختيار موقع المدينة :
اقتضت الضرورة التي فرضتها الفتوحات الإسلامية على العرب إنشاء مدن عسكرية أو معسكرات سكنية للجنود المحاربـين لتخدم عدة جوانب ، أهمها انه اصبح من غير المنطقي على الجندي المقاتل أن يذهب لزيارة أهله في فترات معقولة لبعد المسافة ، فالمجاهد الذي قدم من اليمن أو عمان يحتاج إلى اشهر طويلة لكي يصل إلى موطنه ويحتاج إلى نفس ذلك الوقت للعودة وهذا يعني انهم سيضيعون نصف وقتهم وجهدهم في مثل هذه الأسفار الطويلة الشاقة ، مما يحرم جبهات القتال من فترات غيابهم الطويلة ، كذلك كان لا بد من إيجاد معسكرات ثابتة للتحرك منها لضرب قواعد العدو أو طرق وقوافل إمداداته ، أو شن الحملات السريعة المفاجئة عليه ، أو لصد هجمات العدو ، أو لنجدة بقية الجبهات عند الحاجة . كذلك إيجاد مقرات بعيدة على حافة الصحراء لا يجرأ العدو من الوصول إليها لمعالجة المصابين وقضاء فترة النقاهة بعيداً عن الخطوط الأمامية الخطرة والمتحركة دائماً ، كما يستطيع أن يترك بها المقاتل زوجته أو ما يحصل عليه من الغنائم كي لا تعيق حركته أثناء القتال . كل هذه الأسباب وغيرها جعلتهم يفكروا بإنشاء مثل هذه المدن .
كانت البصرة أول المدن التي أنشأت لهذا الغرض ، فقد أرسل بعض الجند إلى الخليفة عمر بن الخطاب انهم وجدوا منطقة أعجبتهم أثناء توغلهم في إيران تقع قرب طاسان ، فرفض الخليفة ذلك وقال لا أريد أن يكون بينكم وبيني نهر دجلة (المقصود به هنا شط العرب ، فانهم كانوا يسمونه إما دجلة أو دجلة العوراء ، والذي كان عرضه يمتد إلى اكثر من خمسة أميال في بعض المناطق – راجع ذلك في شط العرب) . ثم جاءه رجل من بني سدوس يقول : يا أمير المؤمنين أني قد مررت بأرض دون دجلة أي قبل عبور دجلة ، فيه قصر ومسالح (معسكرات) للفرس يقال له الخريبة ويدعى ايضاً البصيرة يبعد عن دجلة أربعة فراسخ ، وله خليج على البحر (يبدو أن خور الزبير كان يمتد إلى قرب البصرة القديمة تلك الأيام) فاعجب الخليفة بهذا الموقع وأمرهم باتخاذ ذلك المكان قاعدة لهم .
وهنالك رواية أخرى تختلف قليلاً وتبدو اكثر توافقاً من حيث التسلسل التاريخي وذلك بعد أن فتح سعد بن أبي وقاص مدينة الحيرة وما حولها أمره الخليفة أن يرسل عتبة بن غزوان إلى ارض الهند والمقصود بها منطقة البصرة حيث كانت الابلة (موقع البصرة الحديثة) تدعى بأرض الهند ، ويجعل للمسلمين هنالك معسكراً ، ولا يجعل بيني وبينه البحر ، فسار إليها عتبة في ثمانمائة رجل ، فلما افتتح الابلة أرسل إلى الخليفة يخبره بان المسلمين بحاجة إلى معسكر دائم هناك ووصف له موقع البصرة القديمة فاعجب به وتم سكن المدينة .
سبب التسمية :
لقد اختلف المؤرخون واللغويون بسبب تسمية المدينة بهذا الاسم ، وتقول إحدى الروايات إن العرب عندما قرروا بناء مدينة في المنطقة لتكون معسكر ثابت لجيوشهم في جنوب العراق ، تقع على حافة الصحراء وقريبة من مصادر المياه ، تم اختيارهم للمدينة والتي كانت تقع شمال مدينة الزبير الحالية ، فأعجبهم الموقع وقالوا هذه ارض بصرة ، أي ذات حصى ، فسميت بذلك ، ومما يؤيد ذلك إن المنطقة ما زالت مصدر لتجهيز الحصى اللازم للبناء في الوقت الحاضر . ويقول ابن الأعرابي وابن ألا نباري وهم من اللغويين العرب المشهورين في العصر العباسي ، البصرة هي الأرض الغليظة التي فيها حجارة صلبة قد تقطع حوافر الدواب . ويدعي محمد بن شرحبيل بن حسنة : إنما سميت البصرة لان فيها حجارة سوداء صلبة .
أما المستشرقون فقد كانت لهم بعض الآراء الأخرى ، حيث يعتقد المستشرق المعروف هاريتمان : إن هنالك مدينة قرب مدينة البصرة العربية قد بناها ألا كديون ، وهم أول العرب الساميين الذين انتقلوا من شبه الجزيرة العربية إلى العراق والذين أقاموا أول إمبراطورية في التاريخ البشري في الألف الثالث قبل الميلاد ، وكان اسم تلك المدينة تدمر أو تردم أو تردن ، وقد تحور هذا الاسم في زمن الإغريق بعد غزو الاسكندر المقدوني إلى تردون أو تريدون .
كما وان اسمها في الآرامية وكما يقول المستشرق لسترانج نقلاً عن كتاب جغرافي لابن سرابيون : كانت تدعى قبل الفتح الإسلامي بصرياتا ( إن هذا الاسم لا يتعارض بل يؤيد التسمية العربية والتي تعني ارض بصرى أي ذات حصى لان الآرامية هي من عائلة اللغة العربية أو يمكن اعتبارها صيغة قديمة للغة العربية – المؤلف) .
أما في الكلدانية (وهي لغة القبائل السامية العربية التي أنشأت إمبراطورية بابل الحديثة في القرن السابع قبل الميلاد ) فان كلمة بصر تعني الجزر الضعيف وبصريا وبصيريي تعني الاقنية جمع قناة ، وباصرا تعني مجموعة الأكواخ ، وكل هذه الأمور يوافق الواقع ايضاً فان عملية المد والجزر كانت تصل إلى المنطقة بشكل ضعيف نظراً لكونها تقع على خور ضيق (يدعى بخور الزبير في الوقت الحاضر) ، يتصل بخور اكبر منه (يدعى خور عبد الله حالياً) ، يتصل بالخليج العربي ، كما وان هنالك بعض الاقنية والأنهار كانت تصل إليها في ذلك الزمان ، ولان المدينة اتخذت كمعسكر للجيش الفارسي وربما كانت كذلك أيام الكلدانيين قبلهم حيث إنها تقع على مفترق الطرق العالمية ، ومن المؤكد انهم استخدموا الأكواخ لسكن الجنود .
وفي اللغة الفارسية فان معنى كلمة بسيراه تعني نقطة التقاء الطرق ، (وبالرغم من إن هذا الرأي اعتبر ضعيفاً لقلة من نادى به إلا انه يمثل واقع المنطقة ، فالبصرة واحدة من أهم مناطق التقاء الطرق التجارية في العالم على مر العصور - المؤلف) .
أسماء البصرة :
كان للبصرة أسماء أخرى ايضاً فمن ذلك كان تدعى بالخريبة قبل الفتح الإسلامي ، وبعد بنائها سميت بأسماء كثيرة منها أم العراق ، خزانة العرب ، عين الدنيا ، ذات الوشامين ، البصرة العظمى ، البصرة الزاهرة ، الفيحاء ، قبة العلم ، كما تدعى الرعناء وذلك لتقلب الجو فيها أثناء اليوم الواحد وخاصة في فصل الربيع ، وتجمع مع الكوفة بالمصرين ، إذ أن كل من البصرة والكوفة كانتا تعتبران اعظم أمصار العالم الإسلامي بدون منازع - قبل بناء بغداد طبعاً - كما تجمع مع الكوفة ايضاً ويطلق عليهما العراقيين أو البصرتين .
المدن التي تحمل نفس الاسم :
توجد هنالك مدينة في المغرب تحمل نفس الاسم وقد اختفت من الخارطة في الوقت الحاضر ولم يبق لها من وجود إلا في كتب التاريخ ، وكانت تقع على هضبة تشرف على ناحية الغرب من وادي مدا ، قرب مدينة طنجة ، والفاتحون العرب هم من بناها ، ولم يأتي هذا التشابه في الاسم بطريق الصدفة ، بل إن البصريين الذين كانوا ضمن الفاتحين والذين كانوا يتمتعوا بمقام مرموق حسب ما يبدوا ، أطلقوا ذلك الاسم على تلك المدينة الجديدة ، تيمناً ووفاءً لمدينتهم التي فارقوها ، ولا عجب في ذلك لان البصرة تفرض محبتها لا على أهلها فقط وانما على من سكنها فترة من الزمن ايضاً . وهذا يشبه ما حدث في أمريكا بعد استعمار الأوربيين لها ، فأهالي مدينة يورك الإنكليزية يطلقون اسم مدينتهم على مدينة جديدة يدعونها نيويورك أي يورك الجديدة ، وأهالي جزيرة جرسي يطلقون اسم جزيرتهم على مدينة نيوجرسي وهكذا ، حتى أصبحت المدن الجديدة من المدن العظمى بالعالم وبقيت المدن الأصلية صغيرة غير معروفة كثيراً ، ولكن هذا لم ينطبق على البصرة ، فان عظمتها لم تسمح بمن ينافسها .
أما مدينة بُصرى التاريخية فإنها تقع في بلاد الشام ، وكذلك كانت توجد قرية قرب بغداد تدعى بُصرى ويبدو أن هذه القرية قد زالت من الوجود ايضاً [المؤلف] .
كيف تم بناء البصرة :
عندما اتخذ عتبة بن غزوان منطقة الخريبة معسكراً اخذ الخليفة يرسل العرب إلى البصر تباعاً لتسكنها ، فلما كثروا هناك بنى فيها عتبة سبعة دساكر (مفردها دسكرة) وتعني القرية الكبيرة من اللبن (الطابوق أو الطوب الغير محروق) ، ويبدو إن اكثر البيوت تم بنائها بالقصب أول الأمر ثم تحولوا إلى اللبن وذلك لسرعة احتراق القصب . وكان ذلك سنة أربع عشرة للهجرة وذلك قبل بناء الكوفة بستة اشهر . وقد تم بناء المسجد ودار الإمارة ثم بعد ذلك قام ببناء السجن وحمام الأمراء حيث تم البناء بالقصب أول الأمر ، وكان أول بيت بني فيها هو دار نافع بن الحارث ثم دار الصحابي معقل بن يسار المزني والذي أطلق اسمه على أحد أهم انهار البصرة فيما بعد وهو نهر معقل أو نهر المعقل كما يدعى اليوم وكما سنرى فيما بعد (راجع انهار البصرة) ، وقد أدرك العرب إن ارض البصرة تصلح لزراعة النخيل فاكثروا من زراعة النخيل فيها حتى اشتهرت فيما بعد بأنها ارض النخيل .
ومن طريف ما يروى إن زياد ابن أبيه عندما ولي على البصرة قام ببناء دار الإمارة باللبن بعدما كان بالقصب ، فلما تولى الحجاج بن يوسف الثقفي إمارة البصرة بالإضافة إلى الكوفة ، أمر بهدم دار الإمارة فيها وقال أريد أن ابنيه بالآجر وذلك لانه أراد أن يزيل ذكر زياد حسد منه ، فقال له أحدهم بعد أن تم الهدم : انك ستنفق كثيراً من المال على بناءه ويبقى اسم زياد عليه ، فأحس بخطاه وترك القصر دون بناء حتى زمان الخليفة سليمان بن عبد الملك الذي أمر بإعادة بنائه بالآجر والجص ، ولكن دار الإمارة تم هدمه من جديد ليضاف إلى بناء المسجد وذلك زمن الخليفة العباسي هارون الرشيد وبقيت البصرة من دون دار إمارة .
توسع المدينة :
لقد أخذت البصرة بالتوسع السريع حتى بلغت مساحتها أيام خالد بن عبد الله القسري حوالي فرسخين طولاً إلى فرسخين عرضاً (الفرسخ قياس عربي يعادل اليوم سبعة كيلومترات ونصف تقريباً) ، أي خمسة عشر كيلومتر طولاً وخمسة عشر كيلومتر عرضاً ، وقد كانت ولاية خالد بن عبد الله القسري للبصرة عام واحد وستون للهجرة ، أي إن ذلك التوسع حصل خلال اقل من خمسون عاماً . لقد استمرت المدينة بالتوسع في جميع الاتجاهات ، وكانت تحفر الأنهار التي توصل الماء إليها وتروي البساتين وتستخدم في النقل ايضاً حتى بلغ عدد الانهار فيها كما تبينه إحدى الإحصائيات إلى عشرون ألف نهر ، وما هذا إلا دليل على سعة المدينة ومجدها .
**الوضع البشري للبصرة القديمة
*عندما بدأت الفتوحات الإسلامية تتوسع خارج العراق باتجاه الشرق اصبح من غير العملي على المقاتلين العرب أن يعودوا لزيارة عوائلهم في مناطق سكناهم الأصلية ، والتي قد يحتاج المقاتل إلى اشهر طويلة حتى يصل أليها ، واشهر أخرى مضنية للعودة إلى جبهات القتال من جديد . هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى كان لا بد من وجود معسكر دائم تسير منه الحملات إلى المناطق المختلفة أو تقديم النجدات السريعة لبعض الحملات التي تكون بحاجة إلى ذلك . وكان للخليفة عمر رأي ثاقب في هذا المجال لانه كان يشعر إن سبب القتال بين العرب هو لقلة موارد أرضهم التي لا تسع الجميع ، حيث قال مخاطباً القبائل بما معناه : إن جزيرة العرب ليست لكم بدار قرار ، فتفسحوا في البلاد المفتوحة . ولصعوبة عيش العرب في المدن المفتوحة والتي كان من الصعب على البدوي من العيش فيها لعدم ملاءمتها مع طبيعته ، وما تؤثره على صحته ومعنوياته . لذا تم قرار القيادة العليا للمسلمين ببناء مدن حلى حافة الصحراء لتكون اكثر ملائمة للمقاتلين القادمين من الصحراء ، ولا يفصل بينها وبـين شبه الجزيرة حاجز مائي ، حتى يتم لهم الانسحاب منها بسهولة عندما تضطرهم الظروف العسكرية لذلك ، وعليه فقد تم اختيار موقع البصرة في جنوب العراق ، والكوفة في وسطه ، ثم الفسطاط في مصر فيما بعد ذلك .
تشير بعض الإحصائيات إلى أن عدد المقاتلين المسجلين بلغ أيام زياد بن أبيه (حوالي سنة خمسة وأربعون للهجرة أي بعد بناء البصرة بثلاثين عاماً فقط) ثمانون ألف مقاتل وعدد أولادهم حوالي المائة والعشرون شخصاً أي إن المجموع يبلغ مائتي ألف ، بينما كانت نفوس الكوفة في نفس الفترة يبلغ ستون ألف مقاتل وأولادهم ثمانون ألف . ويبدوا انهم لم يحصوا عدد النساء والبنات وذلك لان الإحصاء كان يشمل الذين يأخذوا العطاء فقط ، وعلى الأرجح إن النساء لم تكن تتمتع بالعطاء أيام الدولة الأموية ، فإذا اعتبرنا إن عدد الإناث يساوي عدد الذكور فان العدد سيرتفع إلى أربعمائة ألف شخص ، وإذا أضفنا إلى هذا عدد العبيد والغلمان والجواري والأعاجم وأهل البلاد الأصليين الذين يقوموا بالنشاطات الخدمية التي تحتاجها المدينة والذين كانوا محرومين من العطاء ، فان الرقم لا بد وان يرتفع إلى ما بين سبعمائة وبين ثمانمائة ألف . إن هذا الرقم يمثل سكان البصرة بعد ثلاثون سنة من بنائها فقط ، ولكن المدينة أخذت بالتوسع ونفوسها بالازدياد بشكل مطرد ، فقد قدر بعضهم إن الذين قتلوا من سكان المدينة عند اجتياح الزنج لها أثناء ثورة الزنج في العصر العباسي بأكثر من مليون نسمة ، وان السبايا من النساء زاد عن نصف مليون امرأة بحيث كان نصيب الزنجي الواحد من عشرة إلى ثلاثين امرأة ، فان صح هذا الرقم فلا بد وان نفوسها في ذلك الوقت كان يزيد على المليونين نسمة ، ويبين هذا ما بلغته المدينة من عدد النفوس وما يعكسه من عظمتها ومجدها ، فالقسطنطينية التي تعتبر ثاني أهم المدن التي ظهرت في التاريخ بعد بغداد لم يكن يتجاوز عدد سكانها المليون نسمة على اكبر التقديرات .
**القبائل العربية التي سكنت البصرة عند تمصيرها :
عندما تقرر بناء البصرة أرسل الخليفة عمر بن الخطاب ما يقرب من الستون ألف شخص من القبائل المختلفة ليسكنوا المدينة لتكون قاعدة لتسيير الجيوش منها إلى المناطق الشرقية ، ولعل أهم القبائل التي سكنتها كانت :
القساملة : وهم من قبائل اليمن .
الازد : من قبائل العرب المشهورة .
بني الحندق : وهم من القبائل المتحالفة مع قبيلة بني تميم المشهورة .
بنو النجار : وهم بطن من الخزرج أنصار رسول الله (ص) في المدينة المنورة وأخواله .
بنو الليث : وهم بطن من كنانة .
بنو العنبر : حي من تميم .
بنو الاشعر : بطن من سبأ من اليمن .
بنو العنبس : بطن من بني أمية .
بنو العبس : بطن من قبائل غطفان ، وقد اشتهر منهم في الجاهلية شاعرهم وفارسهم عنترة بن شداد العبسي .
بنو العتيك : حي من قبائل الازد ، واشهر بيوتهم بيت آل الهلب بن ابي صفرة .
بنو الجوني : حي من قبائل الازد .
بنو الاسلم : بطن من خزاعة .
بنو الحارث : بطن من قبيلة مدجح .
بنو النخع : من قبائل اليمن المشهورة .
بنو الحتات : قبيلة من اليمن سكنت في ضواحي البصرة ، لهم محلة تعرف باسمهم .
بنو تميم الرباب : هناك ستة قبائل متحالفة يطلق عليهم العالبة وهم قريش وكنانة والازد وبجيلة وخثعم وقيس .
بنو الرباب : حي من أحياء تميم .
بنو إبراهيم : حي من أحياء العرب .
بنو الحصن : حي من أحياء العرب .
بنو الأنصار : وهم من الاوس والخزرج .
بنو بكر بن وائل : وهم من قبائل العرب المشهورة .
بنو بجلة : من القبائل العدنانية .
بنو باهلة : من القبائل العدنانية المعروفة ، ومنهم القائد العربي المشهور قتيبة بن مسلم الباهلي الذي احتل أواسط آسيا ودفعت له ملوك الصين الجزية .
بنو جديد : حي من أحياء اليمن .
بنو جذيمة : بطن من بطون قبيلة طي المشهورة والتي اشتهر منها حاتم الطائي .
بنو جحدر : بطن من بطون قبائل بكر بن وائل المشهورة .
بنو دارم : بطن من بطون قبيلة تميم المشهورة .
بنو هذيل : حي من أحياء القبائل المضرية .
بنو وديعة : بطن من بطون قبيلة تيم الله .
بنو زمان : بطن من بطون قبيلة تيم الله ايضاً .
بنو حيمان : بطن من بطون تميم .
بنو حرام : بطن من بطون قبيلة فزارة واشتهر منهم القاسم الحريري صاحب القامات الشهيرة بمقامات الحريري .
بنو حبش : يقال انهم بطن من بطون قريش ويقال انهم من خزاعة ويقال ايضاً انهم من كنانة ، سمّوا بهذا الاسم نسبة إلى جبل في اسفل مكة يقال له حبش .
بنو حدان : بطن من بطون قبيلة الازد .
بنو حرب : بطن من بطون الازد ايضاً .
بنو حمير : حي من أحياء اليمن يعودون إلى مملكة سبأ .
بنو حريم : بطن من بطون تميم .
بنو حنظلة : بطن من بطون تميم ايضاً .
بنو يشكر : بطن من بطون بكر بن وائل .
بنو يربوع : بطن من بطون تميم ومنهم الشاعر المشهور جرير الذي عاش في صدر الدولة الامويه .
بنو كنانة : بطن من بطون مضر وقد ادعى الجاحظ انه منهم .
بنو كندة : قبيلة مشهورة من قبائل كهلان اليمنية وينتسب إليهم اشهر شعراء الجاهلية امرؤ القيس ، وكانوا يدعون أنفسهم بملوك اليمن وذلك قبل الإسلام .
بنو مزينة : بطن من بطون طانجة من العرب العدنانية .
بنو مرداس : ومنهم الشاعر والصحابي العباس بن مرداس .
بنو مذجح : قبيلة عربية مشهورة .
بنو مجاشع : بطن من بطون تميم ، من اشهر رجالهم الاقرع بن حابس الذي أعلن إسلامه وانضم إلى المسلمين قبل فتح مكة ولكن الرسول كان يتألفه ، وكذلك منهم الشاعر الشهير الفرزدق الذي عاصر جرير وكانت بينهم معارك شعرية اشتهروا بها ، وكان يقال لولا الفرزدق لضاع ثلث اللغة العربية ، حيث استطاع أن يحفظ الكثير من مفردات اللغة العربية في أشعاره .
بنو نباتة : وهم من كنانة وكانت لهم محلة تعرف باسمهم .
بنو ناجية : وهم من قبيلة قضاعة المشهورة .
بنو نهد : وهم من قضاعة ايضاً .
بنو نمير : بطن من بطون عامر بن صعصعة وقد اقترن اسمهم ببيت هجاهم به الشاعر جرير فقال :
فغض الطرف انك من نمير فلا كعباً بلغت ولا كلابا
بنو سمرة : بطن من بطون قريش .
بنو سعد : قبيلة عربية معروفة وهم أولاد عم قبيلة تميم .
بنو سامة : بطن من بطون قريش .
بنو سدوس : بطن من بطون ذهل بن شيبان .
بنو سهم : بطن من بطون باهلة .
بنو عبد شمس : بطن من بطون قبائل حمير اليمانية .
بنو رياح : بطن من بطون تميم .
بنو رفاعة : بطن من بطون قضاعة .
بنو رقاش : بطن من بطون بكر بن وائل .
بنو راسب : بطن من بطون جرهم من قبائل اليمن المعروفة .
بنو شيبان : قبيلة مشهورة من قبائل العراق قبل الفتح الإسلامي وكانت لهم معركة مع الفرس في ذي قار انتصروا فيها على الجيش الفارسي وكان زعيمهم يوم ذاك هانيء بن مسعود الشيباني ، وكان زعيمهم أثناء الفتوحات الإسلامية ، المثنى الشيباني ، والذي يعتبر الفاتح الحقيقي للعراق ، وهو الذي شجع العرب على حرب الفرس وقد كانوا قبل ذلك يهابونهم بشدة ، وشيبان فخذ من قبائل بكر بن وائل .
بنو تميم : وهم اكبر القبائل التي سكنت البصرة ، واشهر زعمائها الاحنف بن قيس المشهور بالحلم (راجع الاحنف بن قيس في أعلام البصرة) .
بنو ثقيف : بطن من بطون هوازن ، وكانت مساكنهم في الجاهلية هي الطائف قرب مكة ، ومنهم المختار الثقفي الذي اخذ بثارات الحسين بن علي بن أبي طالب ، وكان أبوه أبو عبيد قائد الجيش الإسلامي في العراق وتولى القيادة بعد استشهاده المثنى بن حارثة ثم سعد بن أبي وقاص ، ومنهم الحجاج بن يوسف الثقفي .
بنو خزاعة : قبيلة مشهورة سكنت البصرة وكان لهم سوق كبير يعرف بسوق خزاعة .
بنو غطفان : قبيلة عربية مشهورة .
الأقوام الأخرى التي سكنت البصرة عند تمصيرها :
لم يقتصر سكن البصرة على العرب فقد سكنها جماعة كبيرة من الفرس الذين اسلموا وتحالفوا مع العرب ضد قومهم أثناء الفتح الإسلامي ، كما انتقل إليها جماعات من سكان البلاد الأصليين والتجار الأجانب وكما سنرى :
الاساورة : أثناء الحروب التي كان يخوضها العرب المسلمين ضد الدولة الفارسية ، جاء مجموعة من الفرس يدعون الاساورة كانوا من الرماة تقدر بعض المصادر عددهم بألفي شخص بينما تذهب مصادر أخرى إلى انهم كانوا يزيدون على أربعة آلاف رجل وعرضوا إسلامهم وانهم سيشاركون المسلمين في قتالهم ضد قومهم على أن يعفون من القتال إذا حدث صراع بين العرب أنفسهم ، فانهم يأخذوا جانب الحياد ويكون نصيبهم كنصيب العرب في الحرب والسلم ، فقال لهم القائد العربي : إن أسلمتم يكون لكم مالنا وعليكم ما علينا ! فلم يوافقوا وأصروا على مطلبهم فأرسل إلى الخليفة بذلك فوافق على شروطهم ، وقالوا بعد أن تم الاتفاق : انتم قبائل كل ينتمي إلى قبيلة فما يكون وضعنا نحن ؟ فقيل لهم : انتم أولاد عمنا فغلب الاسم عليهم واصبحوا يدعون أبناء العم ، وللمفرد نقول عمي كما نقول قرشي وتميمي وكندي ، وقد أبلى أبناء العم بلاءً حسناً في الحروب التي خاضها المسلمون مع الدولة الفارسية ، وسألوا : أي القبائل في البصرة اقرب إلى رسول الله ؟ فقيل لهم : قبيلة تميم ، فانتسب أكثرهم إلى تميم بالولاء ، ودعوا بالموالي ، إلا أن وضع العرب قد تغير بعد تكوين الدولة الأموية التي كانت دولة عنصرية تحتقر غير العرب فعاملوهم معاملة سيئة ، وفرضوا عليهم الجزية كما كانت مفروضة على غير المسلمين واصبح المولى يدفع الجزية والزكاة معاً بينما يدفع العربي الزكاة فقط ويدفع الغير مسلم الجزية فقط ، كما إن حصتهم من العطاء كانت تساوي نصف حصة ما يأخذه العربي ، ويعاملون معاملة سيئة ، إلا أن وضعهم تحسن قليلاً عند قيام الدولة العباسية التي قامت بسيوف الفرس والذين اصبح جيشاً رئيسياً منهم بجانب الجيش العربي .
نتيجة لاختلاط الموالي بالعرب وتعلمهم اللغة العربية فقد نبغ منهم الكثير من الشعراء والأدباء والفقهاء وحتى واللغويين . إن أبناء العم يعتبرون من الموالي إلا أن ليس كل الموالي هم من أبناء العم ، فكلمة الموالي عامة تظم معظم الفرس الذين اسلموا وانتموا إلى القبائل العربية بالولاء فيما بعد ، أما أبناء العم فهم تلك الفئة التي أسلمت أثناء احتلال العرب للعراق وما زالت الدولة الفارسية على قوتها . وربما كان هنالك من غير الفرس من اسلم وانتمى إلى بعض القبائل العربية إلا إن ذلك كان على نطاق ضيق ، حيث إن معظم الموالي كانوا من الفرس .
السيابجة والزط والاندغار : وهم خليط اصل معظمهم من الهند ، (وهم ليسوا الزط أو الجت- من قبائل الهند الرحّل - الذين نزحوا إلى العراق أيام الدولة العباسية وعاثوا في الأرض فساداً وتم القضاء عليهم وانتشروا من هناك في أنحاء العالم ، ومن بقاياهم الغجر أو الكاولية كما يدعون في العراق أو النور كما يدعون في الشام) ، ويبدو إن ألاكاسرة كانوا قد جندوهم في جيوشهم ، وربما كان سبب ذلك انهم استخدموا في تدريب الفيلة والعناية بها أيام عز الدولة الفارسية ، حيث تقول بعض الروايات إن عدد الفيلة كان ألف فيل ، وكان كل فيل يحتاج إلى طاقم خاص للعناية به كما يحتاج إلى عدد من المقاتلين الذين يكونوا في صندوق خشبي مدرع بالحديد يوضع على ظهره يحاربوا بالنبال والرماح الطويلة ، كما كانت هناك مجموعة من الجنود لحماية الفيل من الأعداء أثناء المعركة . لقد كان هؤلاء السيابجة على اختلاط شديد بالاساورة ، وبعد أن اسلم الاساورة ، تقدموا هم ايضاً واسلموا بنفس الشروط ، وقطعت لهم ارض في مدينة البصرة ليسكنوا فيها أسوة بالاساورة ، وكان ولائهم مع قبيلة بني حنظلة .
أبناء البلاد الأصليين : من المؤكد بان هنالك الكثير من سكان العراق الأصليين قد انتقلوا إلى المدينة طلباً للرزق ، وهم خليط من الشعوب العربية القديمة التي سكنت في العراق وأنشأت حضارات وإمبراطوريات عظيمة كبقايا الكلدان والآشوريين والآراميين وغيرهم ، والذين ابتعدت لغتهم عن اللغة ألام بتقادم العصور واختلاط تلك الأقوام بأقوام سبقوهم كالسومريين مثلاً وأقوام غير عربية هاجرت إلى العراق ايضاً في أوقات مختلفة .
إن وضع هؤلاء لم يكن كوضع أبناء العم فهم ليسوا من القاتلين ، وذلك انه كان ولا بد من عمال يقوموا بالقيام بالمهن المختلفة والتي لم يكن العرب يجيدونها من ناحية ويترفعون عنها ويحتقرون من يمتهنها من العرب من ناحية أخرى ، لان العربي كان في ذلك العصر مقاتل يذهب إلى سوح القتال ثم يعود ، ويعيش أصلاً على عطاء الدولة ، بل كانوا يحتقروا من يمتهن منهم مهنة إلا إذا كانت الرعي أو زراعة النخيل ، وهذا تصرف طبيعي للحفاظ على روح القتال لديهم ، شانهم شان كل الأقوام البدوية التي أنشأت إمبراطوريات في صدر تاريخها كالفرس والروم وغيرهم ، لذا فان كافة الحرفيين كانوا من غير العرب ، فالبناءين والحدادين الذين يصنعوا السلاح وأدوات الحرب والنجارين والحاكة …الخ . كلهم لم يكونوا من العرب ، وهذا يعني إن نسبة عالية من الذين سكنوا البصرة كانوا من سكان البلاد الأصليين ، وكان لا بد لكل واحد منهم أن ينتسب إلى إحدى القبائل هناك حتى يجد الحماية والآمن في كنفها .
المستوطنين من التجار والعمال المهرة : كانت البصرة جسر العالم كما أسلفنا ، وكانت تأتيها السفن من البحر بمنتجات الهند والصين وجزر المحيط الهندي والهادي وأفريقيا ومصر وجنوب شبه الجزيرة العربية وغيرها ، كما كانت القوافل البرية تأتي من شبه الجزيرة العربية وإيران والهند والصين وأواسط آسيا بالإضافة إلى بلاد الشام وبغداد وشمال العراق وغير ذلك ، كل يأتي محمل ببضاعة ويعود محملاً ببضاعة أخرى . ونشأت فيها الكثير من مصانع السفن المختلفة ، ونتيجة لهذه الحركة التجارية والصناعية النشطة فقد استوطن الكثير من الاجانب القادمين في تلك القوافل التجارية أما بشكل دائم أو موقت ، ولا بد انه كان لتلك الطبقة وضع مميز يختلف عن المجموعات الأخرى . كما أن الحركة العمرانية التي صاحبت بناء المدينة وتطورها السريع استدعى إلى جلب الكثير من العمال المهرة لإنجاز تلك الأعمال المعقدة من تصاميم ونقوش وغير ذلك ومن المرجح إن هؤلاء الصناع قد استقر أكثرهم هناك .
اشهر الصحابة الذين سكنوا البصرة
لقد سكن البصرة بعد تمصيرها الكثير من الصحابة وحفظة القرآن مما مهد لهذه المدينة أن تتبوأ مكانةً رفيعة بين البلدان الإسلامية حيث أصبحت بفضل هذه الطبقة أحد عواصم الفقه الثلاثة تشاركها كل من الكوفة والمدينة المنورة ، ولا توجد في العالم الإسلامي عاصمة للفقه غير هذه المدن الثلاثة إلا عندما بنيت بغداد حيث شاطرت هذه المدن وأخذت من كل مدينة نصيب حتى أصبحت تبز الجميع .
وبالرغم من أن اكثر الصحابة الذين سكنوا البصرة لم يكونوا من كبار الصحابة المشهورين ، إلا إن ذلك لا يقلل من شرفهم وتأثيرهم الإيجابي على المدينة ، ولعل أشهرهم :
أبو برزة الاسلمي : أحد قدماء الصحابة الذين شهدوا مع الرسول (ص) معظم حروبه ، انتقل إلى البصرة بعد تمصيرها واشترك مع جيوش المسلمين في فتوحاتهم ومات في مدينة مرو .
أمية بن مخشي الخزاعي الازدي : يروى عنه حديث واحد للرسول (ص) .
الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب : وهو من بني هاشم وله حديث رواه عن النبي (ص) ، وكان له نهر في البصرة يدعى باسمه ، نهر الحارثي .
البراء بن مالك : وهو من الأنصار شهد مع رسول الله (ص) معظم حروبه وكان شجاعاً ومن الرماة المشهورين ، أرسل عمر بن الخطاب إلى والي البصرة يأمره ألا يرسل البراء أميراً على جيش لئلا تدفعه شجاعته بان يلقي جيشه في التهلكة ، واستشهد يوم تستر في بلاد فارس عندما حمل في مقدمة جيش المسلين ، وقد انتصر المسلمون في تلك الواقعة .
انس بن مالك : وهو أخو البراء ، وقد عاش طويلاً حتى بلغ المائة والسبع سنين ، وقد خدم رسول الله (ص) ثمانية سنين ، وله مواقف كثيرة معروفة في التاريخ ، منها المشرف ومنا دون ذلك ، فعندما ولي الخلافة الأمام علي ابن ابي طالب قام في جمع من المسلمين وقال : ناشدتكم الله ! هل سمعتم قول رسول الله (ص) يوم غدير خم بعد حجة الوداع : من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللهم والي من والاه وعادي من عاداه ! فقام ثلاثة عشر صحابياً كان حاضراً ، وفي رواية أخرى اثنا عشر بدرياً ، وقالوا : نعم نشهد الله اننا قد سمعنا ذلك ، وكان مالك حاضراً ولم يقف ويشهد معهم ، فقال له الأمام علي : وأنت يا مالك ألا تشهد ذلك ؟ فقال مالك : يا أمير المؤمنين ! كبر سني وضعف عقلي ! فقال له الأمام : أصابك الله ببيضاء لا ينفع معها ستر إن كنت كاذباً ! فأصابه البرص في جبهته ، فكان ينـزل عمامته ليغطيها فلا يستطيع ذلك ، وكان كلما سُئل عن ذلك يقول : إنها دعوة العبد الصالح . ولكن لانس موقفاً آخر يخالف ذلك ، فقد سمع يوماً محمد بن الحجاج بن يوسف الثقفي يشتم الإمام علي فقال له غاضباً : أتدرى من تسب ؟ انك تشتم احب الناس إلى الله ورسوله ! فوالله لقد كنت يوماً في بيت الرسول (ص) إذ أهدت إليه امرأة من الأنصار طائر حجل مشوياً مع أرغفة من الخبز ، فلما حضر رسول الله (ص) أخبرته بذلك فقال : اللهم احضر احب الناس إليك والى رسولك ليأكل معي ، فقالت عائشة أم المؤمنين : اللهم اجعله أبي بكر ، وقالت حفصة أم المؤمنين : اللهم اجعله عمر ، وقلت أنا : اللهم اجعله سعد بن عبادة (لانه كان من الخزرج وسعد سيدهم) وبينما نحن كذلك إذ طرقت الباب بشكل خفيف فقلت : من بالباب ؟ فقال : أنا علي ! قلت إن الرسول مشغول عنك ألان ، وبعد دقائق طرقت الباب ثانية فسألت : من الطارق ؟ فقال أنا أبو الحسن ! فقلت : إن رسول الله عنك في شاغل ! وبعد دقائق طرقت الباب بشدة فسمعها رسول الله فامرني أن افتح الباب وآذن للطارق فإذا هو علي ، فرحب به وأجلسه معه واكلا الطير معاً !
وهناك ساحة في البصرة الحديثة تحمل اسم ساحة انس بن مالك تقع في مركز المدينة . وكان قبره ما زال قائماً على أطراف البصرة القديمة على شكل خربة وذلك قبل عدة عقود من الزمن كما ورد في بعض المصادر ، ولا اعلم إن كان بقي حتى يومنا هذا [المؤلف] .
الحكم بن عمر بن مجذوم : وهو من غفار قبيلة الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري ، صحب رسول الله (ص) فترة من الزمن ، ثم انتقل إلى البصرة بعد بنائها ، ولاه زياد ابن أبيه خراسان أيام معاوية بن أبي سفيان ، وحين فتح بعض البلدان في تلك المنطقة أصاب جيش المسلمين الكثير من الغنائم ، فأرسل إليه بن زياد يأمره بالا يوزع تلك الغنائم على المجاهدين بأمر من الخليفة ، فقسم الغنائم على مستحقيها وقال : أيأمرني بن زياد أن أطيع معاوية واعصي الله فيما أمر !؟ ومات الحكم في خراسان سنة خمسين للهجرة .
العباس بن مرداس : شاعر مشهور خص الرسول ببعض قصائده ، وفارس معروف ايضاً ، وفد على رسول الله (ص) واسلم مع قومه وقاد في فتح مكة تسعمائة مقاتل من قومه ، كما اشترك في حنين وحصار الطائف ، سكن البصرة في أواخر عمره .
الزبرقان بن بدر : وهو من رجالات تميم وشعرائها ، اسلم ضمت وفد بني تميم على رسول الله (ص) ، ثبت على الإسلام أثناء حروب الردة ، واقنع قومه على البقاء على الإسلام .
الاقرع بن حابس : اسلم ضمت وفد بني تميم على رسول الله (ص) ايضاً ، وكان من فرسان تميم ، وكان رسول الله (ص) يتالفه (من المؤلفة قلوبهم) ويعطيه من أموال الزكاة ، لكسبه ولمقامه الرفيع عند قومه ، فلما ولي عمر بن الخطاب الخلافة منع ذلك عنه وقال له : إن الإسلام اصبح قوياً بعون الله ولا حاجة لنا بك بعد اليوم ! وعلى كل حال فلم يؤخذ على الأقرع ما يشينه .
النمر بن تولب بن افيش : وهو من قيس بن عبد مناة ، اسلم زمن الرسول (ص) ، وكان من شعراء قومه ، سكن البصرة بعد تمصيرها .
الأسود بن سريع التميمي : اشترك مع رسول الله (ص) في أربع من غزواته ، كان شاعراً وقاصاً ، وهو أول من قص في مسجد البصرة ، حيث كان للقصاصين مكانة خاصة في صدر الإسلام بما يقصونه من حكايات البطولة التي ترفع الروح المعنوية في الحروب ، ولكن اصبح القصاصين بعد ذلك مصدراً لوضع الأكاذيب واختلاق الروايات التي ينسبونها إلى الرسول وكبار المسلمين الأوائل بل حتى وضع الأحاديث المزورة .
التلب بن زيد التميمي : روى عن رسول الله (ص) بعض الأحاديث .
الخشخاش بن الحارث العنبري : اسلم في زمن الرسول (ص) وروى عنه بعض الأحاديث .
احمر بن جزء السدوسي : اسلم في زمن الرسول (ص) وروى عنه بعض الأحاديث .
العداء بن خالد من بني عامر بن صعصعة : وفد على الرسول (ص) وروى عنه بعض الأحاديث ، وحضر حجة الوداع وكان من المعمرين .
اعشى بن مازن التميمي : صحب الرسول (ص) وروى عنه بعض الأحاديث .
ابو مريم السلولي : اسلم في زمن الرسول (ص) وروى عنه بعض الأحاديث .
أبو صفية : من الذين صحبوا الرسول (ص) .
أبو عسيب : مولى الرسول (ص) وروى عنه بعض الأحاديث .
الحارث بن عمر السهمي : اسلم في زمن الرسول (ص) وروى عنه بعض الأحاديث .
أبو سود : اسلم في زمن الرسول (ص) وروى عنه بعض الأحاديث .
أبو حية التميمي : اسلم في زمن الرسول (ص) وروى عنه بعض الأحاديث .
الحارث بن اقيش : اسلم في زمن الرسول (ص) وروى عنه بعض الأحاديث .
أبو رفاعة العدوي : صحب الرسول (ص) وروى عنه بعض الأحاديث .
أبي بن مالك : روى عن الرسول (ص) بعض الأحاديث .
اسمر بن مضر الطائي : صحب الرسول (ص) وروى عنه بعض الأحاديث .
الحكم بن الحارث السلمي : صحب الرسول (ص) وروى عنه بعض الأحاديث .
الفاكه بن سعد : صحب الرسول (ص) وروى عنه بعض الأحاديث .
أبو عزة الهذلي : صحب الرسول (ص) وروى عنه بعض الأحاديث .
اهبان بن صبغة الغفاري : ويكنى أبا مسلم صحب الرسول (ص) .
أبو سلمة : صحب الرسول (ص) وروى عنه بعض الأحاديث .
أبو بهيشة : روى عن الرسول (ص) بعض الأحاديث .
اشيح عبد قيس : كان في وفد عبد قيس الذين وفدوا على الرسول (ص) من البحرين ونزل البصرة بعد بنائها .
بشر بن عمرو المعلى الملقب بالجارود : كان على دين النصرانية قبل الإسلام فقدم على الرسول (ص) في وفد قبيلته واسلم وروى بعض الأحاديث . سكن البصرة ثم وجهه الحكم بن أبي العاص والي البصرة للقتال في عقبة الطين واستشهد هناك سنة عشرون للهجرة .
أبو خيرة الصباحي : اسلم مع وفد عبد القيس ، روى بعض الحديث عن الرسول (ص) .
أبان المحاري : اسلم مع وفد عبد القيس ، روى بعض الحديث عن الرسول (ص) .
الزراع بن وازع العبدي : اسلم مع وفد عبد القيس الذي قدم المدينة زمن الرسول (ص) .
بريدة بن الخصيب الاسلمي : أحد أصحاب الرسول (ص) الذين شهدوا معه المواقع كلها عدى بدر ، روى الكثير من الحديث عن الرسول (ص) ، سكن البصرة بعد تمصيرها وتوفي في خراسان .
**الوضع الاقتصادي للبصرة القديمة
إن بقاء أي مدينة على قيد الحياة هو أمر مرهون بوضعها الاقتصادي بالدرجة الأولى ، وعلى ضوءه يتقرر تطورها وبقائها أو اضمحلالها وفنائها ، فالهجرة التي نراها في الوقت الحاضر إلى الكثير من دول الغرب ودول الخليج العربي مثلاً وتركهم بلادهم التي هي اكثر اعتدالاً في مناخها واكثر وفرة في خيراتها الزراعية ، وتحملهم مشاق الفراق عن الأهل والأصدقاء والوطن سببها الأول هو اقتصادي بحت ، وهجرة الفلاحين من أراضيهم وقراهم إلى المدن في العراق فيما مضى كانت الأسباب الاقتصادية في طليعة العوامل لها .
إن العوامل أو المكونات الاقتصادية الرئيسية هي التي تستند إلى توفير الغذاء اللازم لأهل تلك المنطقة بالدرجة الأولى ، وتأتي الزراعة والصيد وتربية الحيوان بالمقام الأول وعلى الأخص في العصور القديمة ، وقد تكون التجارة أو الصناعة والتعدين بديلاً عن الزراعة بما توفره من مال يمكن شراء الغذاء به من مصادر أخرى ، أما إذا اجتمعت هذه المكونات في منطقة واحدة فان هذا يؤدي إلى المزيد من الازدهار لتلك المنطقة وزيادة سكانها حتى تصل إلى حد التوازن بين إيراداتها الغذائية والمالية وبين عدد السكان ، وفيما يلي نرى العوامل الاقتصادية التي أثرت على مدينة البصرة .
الزراعة :
بعد تمصير المدينة أرسل والي البصرة إلى الخليفة يقول ما معناه : إن مصرنا من دون الأمصار ، سبخ أرضه لا ينمو فيه زرع ، فخصص الخليفة خمسون ألف دينار لحفر نهر جديد ، فحفر النهر المعروف بنهر عمر ، والذي يشكل شبكة من الأنهار الدارسة التي تقع شمال مدينة البصرة الحديثة ، حيث كانت تأخذ مائها من دجلة ، (لم تجر أي محاولة لاستصلاح هذه المنطقة في الوقت الحاضر بالرغم من إمكانية ذلك ، بل منع المزارعون من مزاولة الزراعة فيها لأنها منطقة نفطية غزيرة ، وكأن هنالك تعارضاً بين استغلال النفط وأعمال الزراعة) ، ولم يمضي وقت طويل حتى اصبح نهر عمر وشبكة الأنهار المتفرعة منه والتي يطلق عليها بعض الأحيان بنهران عمر من اخصب الأراضي الزراعية في العالم حسب رأي الجغرافيين العرب ومعلوماتهم في ذلك العصر ، فقد اعتبروا إن اخصب أراضي الدنيا ثلاث ، شعب بوان في إيران وغوطة دمشق في الشام ونهر عمر في العراق .
لم يتوقف الأمر على استصلاح منطقة نهران عمر فقط وانما اخذ العرب بشق الأنهار من شط العرب عندما اكتشفوا إن المنطقة تصلح لزراعة النخيل حتى بلغ عدد انهار البصرة حسب ما أورده ديوان الخراج ، وهو يعتبر من أوثق المصادر ، عشرون ألف نهر تأخذ مائها من شط العرب أو الأنهار الرئيسية التي تتفرع من تلك الأنهار ، ولقد شكك ابن حوقل وهو من الجغرافيين المعروفين في العصر العباسي بهذا العدد ، فلما زار البصرة تيقن إن هذا الرقم صحيح وليس مبالغ فيه ، (من المؤكد أن هذه الأنهار كانت في منطقة البصرة وما يحيط بها ، ولم تكن في المدينة فقط ، وقسم من هذه الأنهار هي عبارة عن فروع من انهار رئيسية ، ومع جميع الاحتمالات ، يبقى هذا الرقم الكبير كدالة رئيسية على ما كان هنالك من انتعاش زراعي واقتصادي – المؤلف) .
كانت تلك الأنهار خاضعة إلى نظام المد والجزر الذي يتأثر به شط العرب ، فكانت المياه تجري فيها أثناء فترة المد ، ثم تعود ثانية إلى شط العرب أثناء الجزر ، ولم تقتصر فوائد تلك الأنهار على الشرب وسقي المزروعات فحسب ، بل كانت وسيلة مهمة للنقل ونقل السلع ، كما كانت لها فائدة عظيمة في عملية البزل ، فان كثيراً من الأملاح تسحب من التربة وتعود إلى النهر أثناء عملية الجزر . لقد تحول بعض تلك الأنهار إلى جنات من البساتين التي تتخللها القصور ، حتى وصفت بعض تلك الأنهار بأنها جنة الله على الأرض ، لخصوبة أرضها ورونق بساتينها وجمال القصور التي تتخللها .
ومن الأقوال المأثورة عن البصرة وبساتين النخيل فيها قول الخليفة العباسي هارون الرشيد عندما مر فيها في إحدى سفراته إلى الحج : إن ذهب العالم كله لا يعادل قيمة نخيل البصرة . كما وان الكاتب يتذكر امراً أثناء دراسته الجامعية وفي إحدى السفرات الطلابية إلى مناطق شط العرب ، وذلك عام 1968 ، هو أن أحد الأساتذة الأجانب الذين وصلوا البصرة حديثاً ، واثناء تلك السفرة ، قال وهو ينظر بانبهار إلى تلك البساتين الممتدة على مد البصر وفي جميع الاتجاهات : لو أن مجاعة أصابت العالم كله فأنها سوف لن تصيب العراق قطعاً ، فاشجار النخيل هذه تكفي لسد حاجة كل سكان العراق من الغذاء ، إذ يكفي أن يجلس كل شخص بين أربعة نخلات وهي كفيلة بتزويده بما يحتاج ، ولكن من المؤلم إن أشجار النخيل هذه لم تستطع أن تسعف أهل العراق أثناء الحصار ، لان أيدي المنون امتدت إليها قبل ذلك التاريخ .
التجارة :
تعتبر البصرة جسر العالم القديم ، ففيها يلتقي طريق الحرير الجنوبي القادم من الصين إلى بلاد العرب والشام مع الخط البحري الذي يصل الهند والسند (الباكستان) والصين وجزر المحيط الهندي بالعراق ، وكذلك الخط البحري الذي يدور حول شبه الجزيرة العربية حتى يصل إلى الحرمين (مكة والمدينة) وارض النوبة والحبشة والسودان وبلاد مصر ، كما يمر فيها أحد الخطوط الرئيسية التي تربط العراق بشبه الجزيرة العربية ، حيث يستخدمه الكثير من الحجاج القادمون من إيران وبلاد الترك وارض السند بالإضافة إلى العراق . ومن قرأ قصة السندباد البحري في كتاب ألف ليلة وليلة ، وسفراته العجيبة ، وبالرغم من إنها قصص خيالية إلا أن الخيال هو ابن الحقيقية ، أو هو الحقيقة التي تكتب بطرقة رومانسية شيقة ، من قرأ هذه القصص يدرك لما كان لمركز البصرة التجاري من أهمية لا تضاهيها مدينة تجارية أخرى في العالم في العصور العباسية وكيف كانت موانئها تعج بالسفن المحملة بالبضائع منها واليها .
قال خالد بن صفوان يصف البصرة أمام الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان في خطبة طويلة نقتبس منها هذه الجملة : …) ونحن اكثر الناس عاجاً وساجاً وخزاً (حريراً) وديباجاً … ) ، فالعاج يأتي من الهند وكذلك خشب الساج أما الحرير والديباج فإنها أقمشة من إنتاج الصين ، وهذا يبين العلاقات التجارية التي كانت تربط البصرة في العالم حتى في ذلك الوقت المتقدم .
لقد بلغ التبادل التجاري في العصر العباسي حداً كبيراً من التطور ، والذي كانت البصرة قاعدته الأساسية ، حتى توصل التجار إلى نظام الصكوك بحيث كان يعطي التاجر لشخص ما صكاً يصرفه في الهند أو الصين ، إذ كان لهؤلاء التجار وكلاء وعمال في بقاع العالم المختلفة ، وما زالت الكلمة العربية (صك) تستخدم في اللغة الإنكليزية (Check) .
كانت السفن التجارية التي تنقل البضائع على أنواع مختلفة ومعظمها تعتمد بالدرجة الأولى على الشراع وحركة الرياح في سيرها ، ومما زاد في فعالية تلك السفن إن العرب اخترعوا الشراع المثلث الذي كان بإمكان السفينة وبمساعدة الدفة (السكان) من أن تسير بأي اتجاه تريد ، حتى يمكنها أن تسير بعكس اتجاه الريح تقريباً ، كما إن العرب كانوا على علم جيد بالرياح الموسمية ومواعيدها ، والذي يحدد الفضل الأوقات لرحلات سفر تلك السفن ، ولعل اختراعهم للبوصلة التي تستطيع إن تحديد اتجاه سير السفينة بشكل أدق واسهل من النجوم وفي كل الأوقات قد عزز من قدراتهم في الإبحار ، وفي فترة متأخرة استطاعوا اختراع الإسطرلاب ، والذي يعتبر أول كمبيوتر ميكانيكي الحركة متطور توصل إليه الإنسان .
لم تكن السفن التجارية البحرية هي الوحيدة التي تضع مراسيها في ميناء البصرة فقد كانت هناك سفن اصغر حجماً تسير في شط العرب وفروعه ونهري دجلة والفرات تنقل البضائع من والى البصرة ، حيث توصلها بمدن الأهواز من الجنوب وبغداد وبقية مدن العراق من الشمال ، هذا بالإضافة إلى الزوارق الصغيرة التي تربطها بالمدن والقرى الصغيرة القريبة منها . وبالرغم من إن تلك السفن الصغيرة تستخدم حركة الرياح ايضاً إلا إنها تستخدم المجاديف أو السير مع التيار النهر .
أما الطرق البرية فكانت القوافل في حركة دائمة تأتيها من اليمن وأجزاء شبه الجزيرة أو أجزاء العراق والشام ومصر وغيرها من دول شمال أفريقيا أو من الشرق حيث ينتهي فيها خط الحرير الجنوبي القادم من الصين وأواسط آسيا وبلاد إيران ، أو الهند وبلوجستان وغيرها . كل تلك القوافل تنتهي رحلتها في البصرة حيث تأتي محملة وتعود محملة ببضائع مختلفة .
كانت الجمال هي الواسطة الرئيسية الأكثر شيوعاً والتي كانت لها القابلية على اختراق الصحاري وقطع المسافات الطويلة ، وتحمل الجوع والعطش ، ولكن البغال والحمير كانت مستخدمة ايضاً وعلى الأخص مع المدن القريبة وفي المناطق السهلية .
الصناعة :
لعل الوضع التجاري والزراعي كانا من اكثر العوامل التي حددت نوع الصناعات التي اشتهرت بها المدينة ، فقد كانت الحاجة المتسارعة إلى نقل البضائع من والى البصرة قد فرض بناء المصانع والورش لبناء السفن التجارية الكبيرة ، كما كان لشط العرب وآلاف الأنهار التي تتفرع منه قد أوجدت الحاجة إلى سفن اصغر حجماً يسهل عليها السير في تلك الأنهار لنقل الناس والإنتاج الزراعي بالإضافة إلى البضائع المختلفة ، إن ذلك كان دافعاً قوياً لنشوء المصانع لبناء السفن الصغيرة ، كما وان انتشار الرخاء والثراء وحاجة الأثرياء لاقتناء السفن الخاصة وكما يعرف اليوم باليخت جعل من بعض تلك المصانع تتخصص بهذا النوع من الإنتاج حيث يكون فيه الشكل الجميل والديكور المميز وأماكن الراحة سمة خاصة بهذه السفن كما وان بعض الظروف السياسية كانت تفرض نوع آخر من السفن التي تستخدم لأغراض عسكرية .
على ضوء كل هذا فأننا نستطيع تمييز عدة أنواع من السفن المتباينة التي كان يتم صنع معظمها في البصرة والتي استوردوا الأخشاب الجيدة المقاومة للماء كخشب الساج ، لصنعها ، كما وان بعضها كانت تصنع من الأخشاب الرخيصة أو من البردي الذي يتم طلاءه بالقار المستورد من مناطق العراق الشمالية ، ومن المؤكد انهم استفادوا في البداية من خبرات العمال المحليين من غير العرب أو الهنود الذين جلبوا لهذا الغرض في صناعة السفن أول الأمر .
إن أهم أنواع السفن والزوارق التي كان يتم صنعها والتي نوهنا عنها كانت ما يلي :
1. السفن التجارية البحرية :
لقد كان أكثرها كبير الحجم تصنع من الأخشاب المقاومة للماء المالح ويتم طلائها بمواد تحفظها من تأثير ماء البحر المضر وتقوى من الداخل ببعض القطع والجسور المعدنية . لقد كانت تلك السفن وكما ذكرنا تنقل البضائع من والى البصرة ، حيث تصل إلى سواحل الصين في بعض الأحيان والى بلاد الهند والسند (الباكستان) وسيلان التي كانت لها علاقات مميزة مع العرب كما جاء في كتاب ألف ليلة وليلة والجزر الواقعة في المحيط الهندي والهادي ، كما كانت تمر على سواحل شبه الجزيرة العربية لتصل إلى الحرمين (مكة والمدينة) أو السواحل الأفريقية في بلاد السودان والحبشة ومصر ، وقد تنقل بضائعها إلى بعض الموانئ المصرية حيث يتم نقل تلك البضاعة على الجمال والبغال أو لتواصل رحلتها بسفن جديدة تجوب نهر النيل إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط .
إن مثل هذه الأساطيل من السفن كانت تحتاج إلى عدد كبير من الورش والمصانع التي تقوم بتصنيعها وصيانتها واستبدال الأجزاء التالفة منها . وكان البحارة (النوتية) يقومون بالتجديف من غرف أو طوابق خاصة بهم لمساعدة السفينة على السير في حالة توقف الريح عن الحركة أو زيادة سرعة السفينة وعلى الأخص إذا كانت الرياح معاكسة لسيرها ، وكانت بعض تلك السفن من الكبر بحيث تحتاج إلى حوالي 400 نوتي للقيام بهذا العمل .
2. السفن التجارية الصغيرة :
إلى جانب تلك السفن الكبيرة والتي كانت تعتبر بالنسبة إلى ذلك العصر عملاقة ، فان هنالك سفناً اصغر حجماً بإمكانها الدخول في الفروع المختلفة لشط العرب لتنقل الناس والبضائع من مكان الإنتاج إلى مكان الاستهلاك أو التصدير ، كذلك تقوم بنقل المسافرين والبضائع عبر نهر دجلة ونهر الفرات لتصل المدن العراقية بعضها ببعض وعلى الأخص مدينة بغداد التي زاد نفوسها على السبعة ملايين نسمة في بعض العصور ، لتنقل ما تحتاجه تلك الأعداد الكبيرة من البشر من المواد المختلفة . كانت تلك السفن تصنع في العادة من خشب اقل جودة وتطلى بالقار لحمايتها من تأثير المياه كما إن بعضها كان يصنع من البردي الذي يكثر نموه في الاهوار المنتشرة في تلك المنطقة ثم يطلى بالقار من الخارج لحمايته من الماء .
إن بعض هذه السفن كان مصمماً لنقل المسافرين بالدرجة الأولى بين بغداد والبصرة وبقية المدن العراقية ، وهنالك الكثير من القصص التي تروي بعض الأحداث الطريفة عن هذه السفن والسفرات التي كانت تقوم بها ، (راجع البصرة في النوادر والمأثورات الشعبية) .
3. السفن الخاصة :
بالنظر لحياة البذخ الشديد التي كانت تعيشها الطبقات الغنية من المجتمع وعلى الأخص في العهد العباسي ، والمتمثلة ببعض رجال السياسة وعلى الأخص الذين ينتمون إلى بني العباس من أقارب الخليفة ، وكذلك أثرياء التجار التي كانت تجارتهم تجوب نصف الكرة الأرضية ، بالإضافة إلى بعض رؤساء القبائل وملاك الأراضي والبساتين الكبار . فقد كان أكثرهم يمتلك سفينة خاصة به لنقله في أسفاره أو لقضاء أوقات الراحة والمتعة بأسفار في شط العرب وربما إلى المدن القريبة . لقد تفننوا في صناعة هذه السفن واهتموا بتصميمها وأشكالها ايضاً ، فكانت تصمم كأشكال الحيوانات في بعض الأحيان ، وكتب التاريخ والأدب تسهب في وصف هذه السفن الخاصة والعامة سواء كانت الصغير منها التي تتسع لعدة أشخاص أو الكبير الذي تحمل الخدم والجواري والمغنين والموسيقيين والطباخين وغيرهم عندما يريد السيد الذهاب في سفرة في شط العرب أو السفر إلى المدن القريبة الأخرى . لقد كان بعض تلك السفن يفوق افضل (اليختات) التي يملكها أغنى أغنياء العالم في الوقت الحاضر في حجمها وتصميمها وديكورها ، ومجالس اللهو والرقص والغناء والطعام فيها ، وما يحتاجه هذا الطاقم الكبير من مغنين وراقصات وموسيقيين ومن يقوم بخدمتهم وخدمة السيد أثناء الرحلة ، وقصة المغني المشهور معبد الذي اشتهر في صدر الإسلام ورحلته إلى البصرة والتقاءه بذلك السيد الثري الذي كان يبحث أحدهما عن الآخر دون أن يعرف بعضهم بعضاً لهي اشهر واكثر رومانسية حتى من قصص ألف ليلة وليلة ، وفيها يأتي ذكر تفاصيل ما تحدثنا عنه ، كما وان كتاب ألف ليلة وليلة تناول بعض حكايات الحب واللقاء التي كانت تجري على متن تلك السفن الخاصة أو بين أصحابها من رجال أو نساء حين تقترب واحدة من الأخرى .
4. السفن الحربية :
وكذلك كان يتم صناعة السفن الحربية ، وبالرغم من إن ميناء البصرة لم يكن معرضاً لأعداء أشداء يأتون من جهة البحر كما كان الحال في موانئ البحر الأبيض المتوسط إلا إن السفن الحربية كانت موجودة ويتم تصنيعها ، وقد استخدمتها الدولة العباسية مثلاً في عدة مناسبات منها القضاء على قبائل الزط (الغجر) ، والتي انتقلت من الهند إلى العراق وعاثت في الأرض فساداً من مهاجمة القرى والمدن بين البصرة وبغداد ، كما واستخدمتها وبشكل واسع في القضاء على ثورة الزنج الذين احتلوا مدينة البصرة وقتلوا حوالي المليون من سكانها .
5. الزوارق الصغيرة :
بالإضافة إلى السفن المختلفة التي تحدثنا عنها فقد كانت هناك زوارق صغيرة يتم صنعها ، وتستخدم لنقل البضائع والأشخاص عبر الفروع الصغيرة لانهار شط العرب ، أو تستعمل لأغراض شخصية ، وذلك لان عدد كبير من بيوت البصرة كانت تقع على الأنهار ، وان أصحاب تلك البيوت كانت لهم زوارقهم الخاصة ، كذلك استخدمت تلك الزوارق لعبور الأشخاص لبعض الأنهار حين لا توجد جسور لذلك ، وكانت تسير بالمردي عادة أو بالمجداف ، وبعضها له شراع هوائي ، كما كانت تلك الزوارق تستخدم في الاحتفالات والأعياد كالأعياد الدينية وعيد النوروز وعيد المهرجات حيث كان يخرج الناس بسفنهم أو زوارقهم في شط العرب ، وقد بقيت هذه العادة سارية إلى يومنا هذا ، ولكنها تقلصت كثيراً خلال العقود الثلاثة الماضية بسبب الحروب والحصار وانشغال الناس بأمنهم ومعيشتهم عن الاحتفالات والأفراح .
لم تقتصر الصناعة في البصرة على صناعة السفن بل كانت هنالك صناعات أخرى مختلفة إلى جانبها ، ولعل كثرة النخيل في المنطقة قد أوجد فرصاً لبعض الصناعات التي تعتمد على النخيل وإنتاجه كمواد أولية ، فاشتهرت فيها بعض الصناعات الغذائية كصناعة الدبس والخل ، وكذلك صناعة (الحصران) جمع حصير والتي كانت تفرش بها أرضيات معظم البيوت والمساجد وغيرها ، كما وان صناعة الحبال من ليف النخيل تعتبر صناعة أساسية حيث يتم تصدير معظمها إلى المناطق الأخرى ، كما إن الصناع في البصرة تفننوا في صناعة الأسرة والكراسي والأثاث المنزلي الذي يصنع من جريد النخل ، والتي كانت أثاث مهم لبيوت الفقراء والطبقة المتوسطة . كما كان يستفاد من نبات البردي والقصب والذي ينموا بكثرة في منطقة البصرة في صناعة الحصران المختلفة وبناء بيوت الفقراء من الناس .
والى جانب صناعة السفن وما ينتجه النخيل من تمر وسعف وليف وخوص وغيره أو ما يمثله القصب والبردي من مواد أولية تدخل في كثير من الصناعات ، كانت هناك الكثير من الصناعات الكلاسيكية الأخرى والتي توجد في معظم المدن كصناعة السلاح ، مثل السيوف والخناجر والدروع ، وكذلك الأدوات والمعدات الزراعية من الحديد والخشب ، بالإضافة إلى الصناعات النحاسية فقد كان هناك سوق عامر للصفارين في المدينة ، ذلك السوق الذي أوحى للعالم واللغوي الكبير الفراهيدي بطريقة مبتكرة لوضع موازين الشعر العربي وعلى نغمات مطارق الصفارين . كما وان الصناعات النسيجية التي تعتمد على القطن والصوف كانت تحتل مكانة بين تلك الصناعات ، وربما دخلت صناعة الورق الذي انتشر استعماله في الكتابة بشكل واسع غير ذلك من الصناعات .
لقد احتلت صناعة الآجر في مدينة البصرة موقعاً خاصاً فبقايا الآجر الذي تم اكتشافه في البيوت القديمة يبين انه كان يتميز بمواصفات عالية قد تفوق كل أنواع الآجر المستعمل في العالم من حيث صلابته ومقاومته لعوادي الزمن ، كما وان الصناعات الفخارية كانت من الصناعات المنتشرة بكثرة لكثرة الحاجة إلى الجرار التي تبرد الماء أو الجرار المزججة (الزير) التي تحفظ بعض المواد الغذائية .
قد يتصور البعض إن مثل هذه الصناعات البدائية لقليلة التأثير في مدينة عملاقة كالبصرة ، ولكن الواقع إنها كانت على درجة كبيرة من الأهمية في ذلك الوقت ، ولا تقل أهميتها عن الصناعات والمصانع الكبيرة في الوقت الحاضر فكلاهما توفر الكثير من الغذاء والأثاث المنزلي وما يحتاجه الإنسان في البيت وفي الدفاع عن النفس أثناء الحروب ، كما توفر فرص عمل والمعيشة لكثير من سكان المدينة .
**التاريخ السياسي للبصرة
لا تعتبر البصرة من المدن القديمة جداً في تاريخ العراق ، فعمرها لا يتجاوز الأربعة عشر قرناً فقط وهذا ليس بالتاريخ الطويل مقارنة بتاريخ العراق المديد ، ومع ذلك فقد احتلت المدينة ومنذ إنشائها موقعاً مميزاً ، وقدر لها أن تلعب دوراً كبيراً يتناسب مع وموقعها الجغرافي المهم ، لذا فقد كان تاريخها حافلاً بالحوادث الجسيمة وكما سنرى .
الموقع السياسي للبصرة بين المدن : بالرغم من التاريخ السياسي الحافل للمدينة وموقعها الجغرافي المميز إلا إنها لم تستطع أن تنافس الكوفة والمنطقة المحيطة بها (بابل فيما مضى وبغداد فيما بعد) في انتزاع مركز السيادة لتصبح عاصمة لأي دولة ، بل إن تاريخ البصرة والمنطقة المحيطة بها لم يشهد لها أن تكون عاصمة لأي دولة ذات أهمية في التاريخ ، ولكنها أصبحت عاصمة لولاية امتدت إلى كل سواحل الخليج العربي ومناطق عربستان بالإضافة إلى الجزء الجنوبي من العراق ، ولكن تلك الولاية كانت تابعة إلى دولة أخرى ، وفي معظم الأوقات تكون تابعة إلى بغداد أو الكوفة العاصمة أو إلى ولاية بغداد التي تظم إليها ولاية الموصل ايضاً وذلك بعد سقوط الدولة العباسية ، ويبدو إن موقعها يؤهلها أن تكون ولاية أو المدينة الثانية بعد العاصمة بدلاً من أن تكون هي العاصمة نفسها ، وذلك عكس المنطقة الوسطى من العراق التي نشأت فيها أهم العواصم في التاريخ البشري والتي حكمت معظم أرجاء العالم لمدة تزيد كثيراً عن نصف التاريخ الحضاري للإنسان كمدينة أكد قرب بغداد عاصمة الاكديين والتي كانت أول عاصمة لأول إمبراطورية في التاريخ ، وبابل عاصمة إمبراطوريتان مهمتان في التاريخ القديم ثم اتخذها الاسكندر الأكبر عاصمة له ، والمدائن التي كانت عاصمة لثلاث إمبراطوريات عظيمة في والكوفة تلك العاصمة الإسلامية المميزة بالإضافة إلى بغداد عاصمة الدنيا لقرون عديدة . ومع هذا فان البصرة ومنذ نشأتها كانت العاصمة الإقليمية لأهم ولايات الدولة ولمعظم الوقت .
الحروب والنكبات التي تعرضت لها المدينة في تاريخها :
إن الموقع المميز للمدينة جعلها عرضة لتنافس المتنافسين للسيطرة عليها وعلى الطرق التجارية التي تمر منها ، والانطلاق منها للتوسع والهيمنة ، لذا فقد تعرضت إلى كثير من الكوارث والمصائب والتي كان لبعضها تأثير دامي لم يترك أثره في عقود وقرون ، ومع ذلك نراها تستعيد عافيتها ومكانتها من جديد ، وذلك لما تملكه من عوامل القوة والبقاء . ولعل أهم الكوارث الحربية التي تعرضت إليها ما يلي :
معركة الجمل : لقد كانت واقعة الجمل أول الحروب التي دارت قرب مدينة البصرة وتركت جروحاً دامية فيها بقيت آثارها السياسية والنفسية والفكرية قروناً طويلة على المدينة وأهلها ، ومعركة الجمل كانت أول الحروب بين المسلمين أنفسهم ، وقد سميت بالفتنة الكبرى .
بدأت فصول القصة عندما بدأ بعض الناس بالتمرد على الخليفة عثمان بن عفان لارتكابه بعض الأخطاء ، ولأنه لم يكن شخصية لامعة كما كان سلفاه عمر بن الخطاب وأبو بكر الصديق ، فقد وزع حكم الولايات بين فتيان بني أمية والذين لم تكن لهم سابقة في الإسلام بل إن تاريخ بعضهم كان غير مقبول لدى عامة المسلمين ، فأعطى ولاية مصر إلى أخيه في الرضاعة عبد الله بن سرح والذي كان الرسول (ص) قد هدر دمه ثم عفا عنه في قصة طويلة كان عثمان طرفاً فيها ، ونفاه عن الحرمين وبقي طريداً أيام أبو بكر وعمر رغم توسلات عثمان بهما ، كما أعطى الشام بكامل أجزائها إلى قريبه معاوية بن أبي سفيان ، وأعطى حكم ولاية الكوفة إلى قريبه ، وكان وزيره ومستشاره مروان بن الحكم الذي لعن رسول الله أباه وذريته وسماهم أبناء النار ، قد جعله وزيره ومستشاره وصاحب سره ، وأغدق المال عليه بشكل يثير التساؤل ، فقد أعطاه هدية زواجه مليون درهم وارض فدك التي انتزعها من ذرية رسول الله (ص) بعد أن أعادها عمر بن الخطاب إليهم كإرث لهم من رسول الله (ص) ، والتي كانت عبارة عن مجموعة من القرى الزراعية قرب المدينة . كما أحاط نفسه بمجموعة من اليهود الذين تظاهروا باعتناق الإسلام ككعب الأحبار وغيره كمستشارين بدل أصحاب محمد كما كان يفعل صاحباه من قبل ، ومما أثار نقمة الناس اكثر ضربه الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود حتى الموت لمجرد اعتراضه عليه ، وضربه أبا ذر الغفاري أحد اكبر الصحابة وأصحاب العلم فيهم حتى كاد يموت ثم نفاه إلى الربذة والتي مات فيها وحيداً فريداً . كل هذا وغيره الكثير الكثير أثار حفيظة الناس عليه ، وطالبوه بالاستقامة ، فوعدهم بذلك بعد مفاوضات تدخل فيها الأمام عي لصالح الخليفة ، ولما عاد الثائرون إلى بلادهم اكتشفوا إن الخليفة قد أرسل إلى ولاته يطالبهم بقتل اولاءك الثوار عند عودتهم ، فعادوا أدراجهم وطلبوا منه التنحي عن الخلافة ، فرفض ذلك بعناد ، فحاصروه في بيته ليستجيب لهم وحدث أثناء الحصار إن أحد حراسه رمى أحد الثوار بسهم فقتله ، فثارت ثائرتهم وطلبوا منه أن يسلمهم القاتل ليقيموا حد الله عليه فرفض وحيث إن أبواب البيت الذي يقيم به عثمان كانت محروسة بالحسن والحسين وبعض أبناء الصحابة أرسلهم الأمام علي لحماية الخليفة ، مما جعل بعض الثوار يتسور عليه عن طريق بعض بيوت الجيران المجاورة ، وطلبوا منه التنحي عن الحكم وتسليمهم القاتل فرفض فاقدموا على قتله ، وبقتل الخليفة عمت الفوضى فكانت أول ثورة مسلحة تحدث في الإسلام .
لقد اضطرب الأمن على اثر ذلك في المدينة المنورة وبقيت من دون سلطة سياسية ، فذهب كبار الصحابة ورؤساء الثوار إلى الأمام علي وطلبوا منه أن يتولى الخلافة ، فرفض ذلك وقال لهم : اختاروا من شئتم وساكون أول المبايعين وستجدونني إنشاء الله أطوعكم له ، والحّوا عليه فأجابهم : أني لكم وزيراً خير مني أميراً ! وعندما وجد أن زمام الأمر سيفلت ، وان الإسلام سيصبح في خطر ، اضطر إلى قبول الخلافة فبويع مبايعة جماهيرية ، وهو الخليفة الوحيد الذي يتم اختياره بواسطة الجمهور ، والجمهور كان صاحب القرار فقط .
كان أول المبايعين له طلحة بن عبد الله الذي كان من كبار الصحابة ومن المحرضين الرئيسيين على قتل عثمان ، وتبعه الزبير بن العوام وهو من كبار وجوه الصحابة ايضاً ، ثم تدافع بقية الناس للبيعة .
طلب كل من طلحة والزبير من الأمام أن يوليهما إمارة الكوفة والبصرة ، فرفض ذلك أسوة برسول الله (ص) عندما طلب منه عمه العباس إحدى الولايات فقال له : يا عم نحن لا نوليها من يسألها ! فاستأذناه للذهاب إلى العمرة ، وبالرغم من انه عرف مقصدهما ، وقال لهما : ليس العمرة تبغون بل الفتنة تبغون ! ولكنه مع ذلك لم يمنعهما ، تمسكاً بأحكام الشريعة التي تحكم بعدم الأخذ بالظن ، وبعد خروجهما التقيا بالسيدة عائشة أم المؤمنين التي كانت عائدة من العمرة ، فاخبراها بمقتل عثمان وكانت تكرهه وتحرض الناس عليه ، ففرحت وقالت لهما : بشركما الله بكل خير ! ومن بايعتم بعده ؟ فقالا : علي بن أبي طالب ! وكانت تكره الأمام علي لأمور عائلية تافهة ، فصاحت : وا عثماناه ! لقد قتل مظلوماً ! وعادت إلى مكة ، وفي الطريق التقوا بقافلة تحمل خراج اليمن إلى الخليفة فاستولوا عليها ، وساروا وهم يحملون قميص عثمان الذي قتل فيه وهو ملطخ بالدماء يدوروا على القبائل يطلبون منهم النصرة على قتلة عثمان ! فيا للعجب حين يطالب القاتل بأخذ الثار من القتلة ! ويتهم الأمام علي الذي حاول جاهداً لمنع الفتنة والدفاع عن عثمان وإقناعه بتغيير سياسته من ترك بني أمية يعبثوا بأمور المسلمين وينهبوا أموالهم ، ولما أعياه الأمر أرسل ولديه للدفاع عنه ومنع من يريد الوصول إليه ، وكان يوصل الماء إليه بنفسه بعد أن منع الثوار من إدخال الماء إلى بيته .
وسار المتمردون إلى البصرة فوقف أهل البصرة في حيرة من أمرهم ، هذا والي أمير المؤمنين بينهم وهو بن عم رسولهم وأحق الناس بالخلافة ، وهذه أم المؤمنين ومن معها تحمل قميص عثمان وهو ملطخ بالدماء وتدعي إنها تريد الأخذ بثاره ، وكأن الأمر اصبح مزاجياً كل يريد أن يطبق القانون بيديه حسبما يشاء ويهوى . وهجم عبد الله بن الزبير على بيت مال المسلمين في البصرة واستولى عليه ونهب ما فيه ، ثم توجه إلى ابن حنيف والي الأمام علي وهو من كبار الصحابة ، فنتف لحيته وضربه ضرباً شديداً وطرده من البصرة ، وعندما وصل الوالي إلى المدينة ، شعر الأمام إن الأمر قد شب عن الطوق ، فسار بمجموعة صغيرة من المهاجرين والأنصار إلى البصرة ، ولما وصلها التحق عدد من أهلها إلى جيشه بينما بقيت مجموعة أخرى مع جيش المنشقين ، وبقيت فئة ثالثة على الحياد بموافقة الأمام علي نفسه ، وجاء أهل الكوفة والتحقوا بجيش الإمام ، وبعد مفاوضات طويلة طلب الإمام مقابلة الزبير وطلحة وجهاً لوجه في ساحة الميدان وصاح بهما قائلاً : أتتركان عرسكما (زوجاتكما) في البيت وتأتيان بعرس رسول الله إلى القتال ؟ أتذكر يا زبير ويا طلحة يوم كذا وكذا ، أتذكران يوم كذا وكذا ، واخذ يذكرهما بأيام رسول الله وبعض أقواله إلى الزبير من انه يخرج على الإمام وهو ظالم لنفسه ، فشعر الزبير بفداحة الخطأ الذي ارتكبه وقال له : لقد ذكرتني بما انسانياه الدهر ، ثم كر راجعاً واعتزل القتال ، فلقيه أحد فتاك العرب فغدر به وقتله ، أما طلحة فقد رماه مروان بن الحكم بسهم فقتله أخذاً بثار عثمان ، مع انه كان يقاتل معه في نفس الجيش ، وتولى عبد الله قيادة الجيش والذي كانت السيدة عائشة تمني نفسها بان يكون هو الخليفة ، لانه ابن أختها أسماء وكانت تحبه حباً جماً ، كما أركبت السيدة عائشة جملاً ، وكانت داخل الهودج تحرض الناس على القتال ، واشتدت المعركة وصبح هودج أم المؤمنين كالقنفذ من كثرة النبال التي أصابته ، وبالرغم من إن النصر بان لجيش الإمام علي إلا إن القتال استمر على اشده ، فصاح الإمام : ويحكم اعقروا الجمل فانه شيطان من الشياطين ، فتقدم مجموعة من المهاجرين والأنصار وعقروا الجمل فنـزل الهودج من عليه ، وما أن عقر الجمل حتى هرب جيش السيدة عائشة بعد مجزرة راح ضحيتها خمسة عشر ألف مقاتل من خيرة المسلمين .
ثم أمر الإمام بجمع الجثث من الطرفين وصلى عليها وأمر بدفنها ، واصدر عفواً عن المشاركين في القتال ، كما وأرسل أم المؤمنين بعد أن تفقد أحوالها مع أربعين من نساء الأنصار والمهاجرين ومعها أخوها محمد بن أبي بكر إلى المدينة .
لقد كانت موقعة الجمل ذات تأثير دامي في تاريخ الإسلام لأنها مزقت وحدة المسلمين وفرقت كلمتهم ، ولولا هذه المعركة لما تجرأ معاوية على التمرد والعصيان ، أو ما كان له أن ينجح في عصيانه ، لكنه شعر انه اصبح قوياً أمام جيش الخليفة الشرعي الذي قتل في تلك المعركة عدد كبير من خيرة فرسانه ، وانقسم بعض الناس عليه من الموالين لطلحة والزبير . لقد تمكنتن قوى الردة بقيادة معاوية بن أبي سفيان الذي قاتل هو وأبوه الإسلام حتى انتصر الإسلام عليهم ، ولم ينطقوا بكلمة الشهادة إلا والسيف على رقابهم ، واستمروا في نفاقهم ومجاهدتهم الإسلام حتى نجح معاوية من الاعتلاء على الخلافة ليحولها إلى ملك قيصري وراثي يحارب الإسلام من خلاله ويهد من بنيانه .
لقد كانت الجروح التي تركتها هذه الحرب عميقة فقد بقي قسم من أهل البصرة بعدها لا يوالون آل بيت الرسول لمدة قرن من الزمان وحتى ثورة إبراهيم ذو النفس الزكية بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب حين هبوا جميعاً لنصرته ، وبقي المذهب السائد فيها هو مذهب أهل الاعتزال ، وبالرغم من إن هذا المذهب هو اقرب المذاهب إلى مذهب آل بيت الرسول من ناحية التشريع ، ولكنه اقرب إلى مذاهب السنة من ناحية الإمامة ، حيث كانوا يرون إن افضل الناس بعد رسول الله هم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ، ولكن هذا المذهب بدأ بالاقتراب اكثر فاكثر إلى مذهب آل البيت من ناحية الإمامة ايضاً وباستحياء ، وذلك على أيدي المعتزلة البغداديين الذين يعتقدون إن افضل الناس كان علي ، ولكن يجوز توليه الفاضل بوجود الأفضل ، حيث أن أبا بكر فاضل وعلي الأفضل ، أما المتأخرين منهم فقد اقتربوا اكثر عندما اعتبروا إن مبايعة الإمام علي هي التي أعطت الشرعية لخلافة أبو بكر وإلا فهي ليست شرعية ، ثم اضمحل المعتزلة والتحق أكثرهم بمذهب آل البيت بينما التحق الآخرون بمذهب أهل القياس من أصحاب أبو حنيفة وقليل منهم تحول إلى مذاهب أهل السنة . ونحن هنا لسنا في موقف المفاضلة ، ولكننا نسرد الوقائع كما رواها أصحاب السير ، ونذكر كل قوم بما يعتقدون ويقولون هم عن أنفسهم لا بما نعتقد بهم ، ونتذكر قول رسول الله (ص) : إن اختلاف علماء أمتي رحمة ، ولم يقل نقمة .
وقعة دولاب : ودولاب قرية من قرى الأهواز ، وسبب الوقعة هو أن الفراغ السياسي الذي أوجده سقوط الدولة السفيانية (الدولة التي أسسها معاوية) بعد هلاك يزيد بن معاوية وتنحي ابنه معاوية الثاني عن السلطة والاضطرابات التي حصلت في معظم الولايات الإسلامية ، فقد ثار عبد الله بن الزبير في مكة ودان له حكم الحجاز والبصرة والكوفة ثم استولى التوابين من جماعة المختار الثقفي على الكوفة وطردوا والي ابن الزبير عنها ، وتوالت الأحداث بشكل سريع في كل مكان وكان الوضع قلقاً وعلى غير استقرار ، وكان حكم بن الزبير هشاً ضعيفاً . فقد استغلت مجموعة من الخوارج التي كانت تتمركز في الأهواز تلك الظروف ، فتحركت باتجاه البصرة تحرق الأخضر واليابس أمامها من القرى التي تعترض طريقها .
والخوارج هي حركة سياسية ظهرت أثناء معركة صفين بين الأمام علي ومعاوية ، ومن صفوف جيش الأمام علي ، وكانوا قد اجبروا الأمام علي على قبول التحكيم أول الأمر ثم طلبوا منه التنصل من عهوده بعد أن تم الاتفاق وبدون رغبة من الأمام نفسه ، وطلبوا منه العودة إلى الحرب .
بالرغم من إن الأمام علي كان يعد العدة لحرب جديدة مع معاوية إلا انهم خرجوا عليه وعاثوا في الأرض فساداً ، مما اضطره أن يترك معاوية ويتوجه إلى حربهم ، وانتصر عليهم في حرب حاسمة قتل فيها من جيش الأمام اقل من عشرة رجال بينما قتل كل الخوارج ولم ينج منهم غير اقل من عشرة رجال . وكان أحد الناجين هو الذي قتل علي في المسجد أثناء الصلاة . وبذا مكنوا بحماقتهم وشدة تعصبهم الغير منطقي ، عدوهم الحقيقي معاوية بن أبي سفيان من السيطرة على العراق وبقية العالم الإسلامي ليحول خلافة المسلمين إلى ملك عضود .
لقد استطاع الخوارج بعد مدة وجيزة من نشر دعوتهم وإعادة تنظيم صفوفهم ، وقاتلوا الدولة الأموية في كل عصورها وبقيت حركتهم قائمة في الجزء الأول من الدولة العباسية ، إلا أن حركتهم بدأت بالضمور عندما ظهرت بعض المذاهب الدينية المتطرفة ، فاصبح الشباب المتعصب الذي كان ينظم إلى صفوفهم يفضل الانخراط في تلك المذاهب المتطرفة ، مما حول المذاهب من حركة فكرية لخدمة الإسلام وإثراء الفكر الإسلامي ، إلى طوائف متصارعة يكفر بعضها البعض ، وأنا لله وأنا إليه راجعون .
بعد أن تطرقنا إلى تاريخ الخوارج بشكل مقتضب نعود إلى وقعة دولاب ، حيث كان يعيش نافع بن الأزرق وهو أحد اشهر زعمائهم وفقهائهم حيث كان يسكن في سوق الأهواز ، وقد اعتزل الناس ، فقالت له امرأته يوماً : اكفرت بعد أيمانك ، تعني انه ترك أمر دعوة الخوارج ، فلما رأى إن الفرصة سانحة نهض من مكمنه ودعى أصحابه للثورة فاجتمع إليه جماعة من أصحابه وبدأ بمهاجمة القرى واحدة تلو الأخرى ، وكانوا إذا دخلوا قرية احرقوها وقتلوا رجالها ، إلا من يؤمن بدعوتهم ويتبرأ من مذهبه ويقول انه كان على ضلال وألان آمن . فلما رأى أهل البصرة بانه متوجه إليهم ، والدولة منشغلة عن أمره ، ذهبوا إلى الأحنف بن قيس يستشيرونه ويقولون له لم يبق بيننا وبين الخوارج غير يومين ، فأشار عليهم بمحاربتهم وإيقاف شرهم قبل أن يصلوا إليهم ويفعلوا بهم كفعلهم بباقي المدن والقرى التي دخلوها . فاجتمع نحو عشرة آلاف مقاتل من قبائل البصرة ، وأكثرهم من تميم وسدوس ، وامروا عليهم مسلم بن عبيس بن كريز ، وكان عدد الخوارج كما يروي الرواة يقل عن ألف رجل ولكنهم كانوا مستميتين ولهم خبرة طويلة في الحروب ، وبعد معركة حامية قتل فيها مسلم قائد البصرة ونافع بن الأزرق زعيم الخوارج ، ثم نظم كل طرف صفوفه من جديد ونصب قائداً عليه ، فقد تولى قيادة جيش البصرة الربيع بن عمرو الغداني من بني يربوع ، وتولى قيادة الخوارج عبيد الله بن بشير بن الماحوز من بني يربوع ايضاً . واستمر القتال بينهم عشرون يوماً أخرى وقتل فيها عدد كبير من الطرفين وتفشت الجراح بينهم وأصابهم التعب والإعياء . وقتل البيع قائد البصرة وبقوا بدون قائد وكل يتهيب ذلك ، ثم اجمعوا على الحجاج الحميري الذي رفض أن يستلم الراية إلا بعد إلحاح ، وعاد القتال من جديد وتبارز الحجاج قائد أهل البصرة مع أحد فرسان الخوارج وانتهى اللقاء أن قتل كل رجل صاحبه فاتفق أهل البصرة على الحارثة بن بدر ، وقد حاول الأخير أن يشد من أزر أصحابه إلا انهم كانوا في حالة من الضعف والجراح وقد هرب عدد كبير منهم ، فبينما هم كذلك إذ جاء إلى الخوارج مدد من اليمامة مما شد من أزرهم وقوى معنوياتهم ، فحملوا حملة شديدة على أهل البصرة ، فانهزم الحارثة وانهزمت جيوش أهل البصرة معه ، وتبعهم الخوارج وقتلوا جماعة كبيرة منهم وألقى أهل البصرة أنفسهم في نهر تيري (من انهار الأهواز) بغية العبور فمات الكثير منهم غرقاً ، ولكن الخوارج لم يدخلوا البصرة .
مجزرة الحجاج في مسجد البصرة :
عند القضاء على ثورة عبد الله بن الزبير في مكة على يد الحجاج بن يوسف الثقفي وسيطرة الدولة الأموية من جديد على مقاليد الحكم ، تم تعيين الحجاج والياً على الحرمين (مكة والمدينة) وتعيين بشر بن مروان والي على المصرين (الكوفة والبصرة) ، وبوفاة بشر المفاجئة ، تم نقل الحجاج إلى ولاية الكوفة والبصرة وما يتبعهما من المناطق في المشرق الإسلامي والتي كانت تتركز فيها ثلاثة أرباع قوة العالم الإسلامي البشرية والمالية ، وأراد الحجاج أن يبدأ عصره في هاتين المدينتين بالدم ، حيث كان يعتقد -بحمق - إن الشدة والقسوة هي افضل السائل للسيطرة على الناس ، وقد أثبتت سياسته الخرقاء تلك على خطأ كبير ، تلك السياسة التي تلقفها كثير من الساسة ظناً منهم إنها الطريقة السهلة للسيطرة ، فقد استمرت حمامات الدم في زمانه طيلة الفترة التي عاشها هناك ، ودفعت الناس إلى القيام بعدة ثورات كادت بعضها أن تقضي على الدولة الأموية بكاملها لا على الحجاج فحسب لولا سوء الطالع ، وكان سبب نجاحه يعتمد على الصدفة بالدرجة الأولى . لقد كلفت تلك السياسة الدموية الدولة الكثير من المال والجهد ، وجعلتها لعنة من لعنات التاريخ ، أما خسائرها المالية فيكفي أن نشير إلى إن خراج العراق كان زمن عمر بن الخطاب يبلغ مائة وعشرون مليون دينار ، هبط في زمن الحجاج إلى عشرة آلاف دينار فقط !
قدم الحجاج إلى البصرة عند تنصيبه والياً عليها وذلك عام 75 هـ – 694م ومعه ألفي جندي من أهل الشام وبضعة آلاف من غيرهم ، وتعمد أن يدخل المدينة يوم الجمعة وقت الصلاة ، وأمر جنوده الشاميين أن يتوزعوا على أبواب المسجد ، مائة جندي لكل باب ويخفوا سيوفهم تحت ملابسهم ، وكان في المسجد ثمانية عشر باب ، واخذ معه مائتي جندي ودخل بهم وهم يخفون السلاح تحت الثياب ، وأمرهم إذا نزع عمامته ووضعها على ركبتيه أن يخرجوا سيوفهم ويفتكوا بالجميع بدون استثناء ، كما أمر الجنود الذين على الأبواب أن يقتلوا كل من يحاول الهرب من المسجد .
قام الحجاج في الناس خطيباً وقال : ( ايها الناس ! إن أمير المؤمنين عبد الملك قد استخلفه الله في بلاده وارتضاه إماماً على عباده وقد ولاني مصركم وقسيمة فيئكم وامرني بإنصاف مظلومكم وامضاء الحكم على ظالمكم وصرف الثواب إلى المحسن البريء والعقاب إلى العاصي المسيء وأنا متبع فيكم عهده وأرجو بذلك من الله عز وجل الجزاء ومن خليفته المكافأة وأخبركم انه قلدني بسيفين حين توليته إياي عليكم ، سيف رحمة وسيف عذاب ونقمة ، فأما سيف الرحمة فسقط مني في الطريق ، وأما سيف النقمة فهو هذا ) فغضب الناس من جملته الأخيرة وحصبه أحدهم بحصاة ، فما كان منه إلا وخلع عمامته فأسرع الجنود الشاميين إلى تجريد سيوفهم واخذوا بقتل المصلين بدون تمييز ، وحاول المصلون الهرب فتلقاهم الجنود في الأبواب وقتلوا من حاول الخروج حتى قتلوا جميع من في المسجد ، والذين كان عددهم اكثر من سبعون ألف مصلي .
وقد يكون هذا الرقم فيه بعض المبالغة ولكن حتى لو كان العدد نصف هذا فهو مجزرة عظيمة لا اعتقد إن أي من طغاة العالم الآخرين كان ليقدم عليها .
ثورة إبراهيم ذو النفس الزكية :
حاول الهاشميون من طالبون (أبناء علي وجعفر وعقيل أبناء أبي طالب) وعباسيون من توحيد صفوفهم بعد المصائب الكثيرة التي تلقوها على أيدي الأمويون أيام دولتهم ، فاجتمعوا ورشحوا رجلاً منهم هو محمد بن عبد الله بن الحسن ابن الحسن بن علي بن أبي طالب ، وبايعوه بالخلافة سراً ، على أن تكون الخلافة فيما بعد للرضي من آل بيت محمد . وكان من بين المبايعين له إبراهيم الإمام وأخيه أبو العباس السفاح وأخيهم الصغير أبو جعفر المنصور ، وسارت الأمور بعد ذلك بطريقة مختلفة فقد استطاع بعض الدعاة الذين يتصلون بإبراهيم الإمام وأخيه السفاح أن يثوروا على الدولة الأموية في الشام حيث انطلقت شرارتها من خراسان بقيادة الداعية الشاب أبو مسلم الخراساني ، وحيث إن الخليفة الأموي استطاع من القبض على إبراهيم الإمام الذي مات في السجن قبل قيام الثورة ، فتولى القيادة أخوه أبو العباس السفاح ، وأعلن عنه خليفة في الكوفة قبل سقوط الدولة الأموية . وكان السفاح قلقاً جداً من محمد ذو النفس الزكية الذي كان قد بايعه هو قبل ذلك التاريخ مما يجعل خلافة بني العباس غير شرعية حسب التقاليد المتعارفة عندهم ، وكان محمد هو الآخر يخامره نفس الشعور فاضطر إلى الاختفاء خوفاً من بطش العباسيين فيه ، ولكن انشغال أبو العباس بتأسيس الدولة ومطاردة الأمويين والقضاء على الفتن الكثيرة وقصر حياته السياسية جعله يؤجل أمر محمد ، فلما مات أبو العباس وتولى الخلافة أخوه أبو جعفر والذي كان شديد الظن بالسوء وقاسياً ، بدأ بملاحقة محمد ذو النفس الزكية واخوته ، مما اضطر محمداً من الانتقال من بلد إلى بلد متخفياً حتى كان يصل الهند والصين ثم يعود أدراجه حتى يصل المغرب العربي ، ولا يبقى في بلد إلا اقل من المدة التي يحتاجها البريد بين تلك المدينة وعاصمة الخلافة بحيث يكون قد رحل عن تلك المدينة قبل وصول أمر إلقاء القبض عليه ، وكانت دعوته تسري بين الناس ، وعلى الأخص عندما خاب ظن الكثير من منهم بالدولة العباسية واعتقدوا في البداية إنها ستزيل الظلم الذي اتبعه بني أمية ، ولكنهم اكتشفوا إن دولة بني العباس اكثر ظلماً واشد تعسفاً ، فبدءوا بالبحث عن المنقذ .
وحتى لا يترك الفرصة للثورة بالنضوج فقد عمد أبو جعفر إلى سجن عبد الله بن الحسن والد محمد ذو النفس الزكية مع ثلاثة من اخوته واحد أبناء عمه ، مما اضطر محمداً من إعلان الثورة قبل موعدها المقرر في المدينة ، وحيث إن المدينة لم تكن تشكل قوة عسكرية في ذلك الوقت ، ومما زاد في الطين بلة إن محمداً حفر حولها خندقاً مما منع من وصول المؤن إليها . لقد استطاع القائد العباسي الذي أرسل لإخماد الثورة من إسقاط المدينة وقتل محمد ذو النفس الزكية فيها .
كان من المقرر أن يقوم إبراهيم ذو النفس الزكية ، أخو محمد بالثورة في البصرة في نفس الوقت ، ولكن مرضه وثورة أخيه قبل الموعد اضطرته إلى تأجيل الثورة ، وعندما أعلن إبراهيم الثورة بالبصرة توجه أبو جعفر بجيش الاحتياط إليه ، وكان قائده قد اكمل مهمة القضاء على محمد في المدينة فتوجه إلى البصرة ايضاً لينظم إلى جيش الخليفة ، حيث جرت معركة كبيرة بين الطرفين انتصر فيها الجيش العلوي بقيادة إبراهيم على الجيش العباسي بقيادة أبو جعفر ، وفر أبو جعفر بفلول جيشه تتبعتهم جيوش العلويين ، وبينما كان أبو جعفر يستريح بفلول جيشه المنهك في إحدى انعطافات الفرات إذ شاهد الرايات العلوية الخضراء قادمة ، فنهض ليواصل الهرب ، ولكن جيش العلويين أصابه بعض الارتباك عندما تفاجئوا بمشاهدة الجيش العباسي وظنوا انه كمين لهم ، فاستغل أبو جعفر ذلك الارتباك وأعاد الكرة بهجوم جديد ، وكان معن بن زائدة بأفراد قبيلته يراقبون ما يجري من بعيد ، وحيث أن معن كان من رجال الدولة الأموية سابقاً ومن المطلوبين للدولة العباسية ، فشعر إن الفرصة مواتية للاستفادة من هذا الموقف ويصلح علاقته بالدولة العباسية بالانضمام اليهم في ساعة الضيق تلك ، فهجم من الخلف على جيوش العلويين ، وشاء سوء الطالع إن إبراهيم خلع لامة حربه لشدة حرارة الجو فأصابه سهم طائش في جبهته فارق الحياة بعده ، فتفرق جيش العلويين عند موت قائدهم واستطاع أبو جعفر أن يكسب الحرب ليبدأ بعدها بحمامات من الدم في قتل وملاحقة العلويين وأنصارهم .
تعتبر ثورة إبراهيم بالبصرة اكبر الثورات التي قام بها العلوييون من حيث الحجم ، وقد أبلى البصريون بلاءً حسناً لولا سوء الطالع ، حيث كادت هذه الثورة أن تطيح بالدولة العباسية وتقيم بدلها دولة علوية . وبالرغم من أن إدريس ، الأخ الأصغر لمحمد وإبراهيم استطاع من الانتصار على الوالي العباسي في المغرب العربي وتأسيس دولة علوية هناك دعيت بدولة الادارسة ، إلا إنها بقيت صغيرة ومحاصرة ، وتم القضاء عليها بعد اقل من قرنين من الزمان على أيدي بعض القبائل البربرية هناك .
ثورة الزنج :
بعد الحكم التعسفي وإثارة النعرات الطائفية واضطهاد الناس بسبب انتمائهم الطائفي أو الفكري الذي انتهجه الخ