سامرائي الى الابد
05-01-2007, 12:01 AM
اللهم لك الحمد حتى ترضى
أم الشهداء البالغة من العمر 62 عامًا أم لثلاثة أبناء كلهم استشهدوا في معركةالفلوجة الثانية أحمد ومهيب وعمر.
تسكن الآن وحيدة في بيت صغير فيالفلوجة وتجني قوتها من عرق جبينها على الرغم من كبر سنها حيث تعمل على صنع المكانسوتبيعها لأهل المنطقة مقابل قليل من المال تشتري به ما يسد قوة يومها، رافضة كلالمساعدات التي عرضها عليها التجار والميسورون من أهل الفلوجة، لقد عرفت في الفلوجةبأنها صاحبة دعوة مستجابة، ولهذا يأتي يوميًا العديد من الناس إلى أم الشهداءطالبين منها الدعاء لهم خاصة النساء اللاتي أشرفن على الإنجاب أو الذين ينون السفرأو المرضى وحتى بعض رجال المقاومة، يأتون إليها قبل كل عملية لهم يطلبون منهاالدعاء بأن يسدد الله رميهم ويحفظهم.
دخلنا إلى منزلها الصغيروكانت تخصف المكانس في حديقة المنزل يحيط بها من كل جانب سعف النخيل الأخضر مع خمسدجاجات تربيها في باحة منزلها الصغير.
ودخلنا إلى الدار
_ السلام عليكم يا خالة.
_ وعليكم السلام ورحمةالله وبركاته الله حَيّهم وِلْدِي تفضلوا.
دخلنا إلى الدار وجلسناإلى "مندل" بساط من الصوف، فتركت ما بيدها وتفرغت لنا بعد أن شاهدت الكاميراودفترًا صغيرًا نحمله معنا.
_ تفضل ولدي أي خدمة
_ نحن من "مفكرة الإسلام" يا خالة ونريد منك أن تتكلمي معنا عن قصتك في الفلوجة أثناءمعركتها الثانية إذا لم يكن هناك مانع.
_ وهنا أبدت أم الشهداءاستغرابها وقالت: "مفكرة الإسلام" هذه وين تطلع ما سامعة بيها على التلفزيون.
- مفكرة الإسلام يا أمي هذه موقع أخبار إسلامي على الإنترنت يهتمبأمور المسلمين في العراق وبقية بلاد المسلمين.
-تضحك أم الشهداءوتقول والله يابن الحلال ماني عارفة على إيش تتحدث لكن تفضلوا اسألوا وآني أجيبكمإن شاء الله.
_ نريد أن تحدثينا عن أم الشهداء في معركة الفلوجةالثانية، وهنا حرك مراسل مفكرة الإسلام العدسة عفويًا ولم يكن قصده تصوير أمالشهداء فقالت :والله يا ابني أنا لا أحب هذه الصور فهي حرام وأنا أمكم امرأةمستورة وعلى الرغم من كبر سني إلا أنني أبقى امرأة ولا يجوز لي ما حرمه الله علىالنساء.
أما عن قصتي فهناك العشرات مثلي في هذه المدينة إلا أنيكنت أكبرهن مصابًا فقد فقدت أبنائي الثلاثة أحسبهم عند الله شهداء.
وهنا تسرد الحاجة زكية أم الشهداء قصتها وتقول:
أنا عجوز فلوجية أيقنت أن الله حق فامتحنها الله ولا يزال ...وأرجومنه أن يوفقني في اجتياز الامتحان فقد تعبت كثيرًا والله.
توفيزوجي قبل عشر سنوات ـ ونعم الزوج رحمه الله ـ ورزقني الله بثلاثة أبناء وبنتًاواحدة هم أحمد ومهيب وعمر وخلود وكان أكبر أولادي أحمد عمره 35 عامًا ثم خلود ومهيبوأصغرهم عمر، عكفت أنا وأبوهم على تربيتهم وحمايتهم ورعايتهم وكان أبوهم ـ اللهيسكنه الجنة ـ يعلمهم ويوجههم حتى كبروا وصاروا خريجي كليات والتزموا المساجد منذصغرهم حتى موتهم وانضموا إلى فصائل المجاهدين في الفلوجة بعد الاحتلال.
هذا عن عائلتي أما عن الفلوجة وبداياتها فهي طويلة سأختصر لكالكلام لأني صائمة وعندي عمل كثير في البيت وهناك ناس دفعوا لي المال كي أخصف لهمالمكانس.
قبل معركة الفلوجة الثانية بأسبوع واحد كنت أجلس مع أحمدومهيب وعمر أولادي رحمهم الله في منزلنا القديم في حي الشهداء يشربون الشاي عصرًامعي، وهم يحاولون طيلة جلوسنا أن يقنعوني بالذهاب إلى بيت أختهم في قرية خارجالفلوجة خوفًا علي من المعركة، وكان الأمريكان والشيعة والأكراد يتجمعون مثل الجرادحول بوابات الفلوجة الأربع.
إلا أني رفضت ذلكوتوسلوا بي كثيرًا ـ رحمهم الله ـ على الخروج خاصة عمر وهو أصغر أبنائي كان يقوللي: "يا أمي اطلعي من الفلوجة وخلينا نقاتل وإحنا قلوبنا مطمئنة من جانبك اطلعيتراني أجيب سيارة بيك أب وحطك بيها وطلعك بالقوة" وكان يمازحني رحمه الله، كما أنهكان كثير المرح يحبونه كل أصدقائه لخفة دمه حتى أنه يسميني حجي وليس حجية ويقول لي: "إن شجاعتك هذه للرجال مو للنساء".
ومع إصرار الثلاثة إلا أنني رفضتطلبهم وقلت لهم: "أبقى أطبخ لكم الطعام ولجماعتكم وأداوي جرحاكم ما أطلع من الفلوجةما دام أنتم بها، والله ما أقدر أخلي قلبي في الفلوجة وأطلعمنها"،
ومع إصراري تركوني على ما أريد ـ رحمهم الله ـ وكان القرارالنهائي لي ولهم هو البقاء في الفلوجة حتى نهاية المعركة إما النصر أو الشهادةوالحمد لله نال أبنائي الشهادة.
كان أحمد وعمرومهيب فصائل مختلفة وكانوا يتحدثون فيما بينهم عن خطة تبقيهم على اتصال أثناءالمعركة، وكنت أسمع حوارهم بشوق، وأنا أتخيلهم كيف كانوا صغارًا وكيف كان أبوهم فيالحياة يحملهم ويلاعبهم وكيف كبروا، وكيف صاروا في المدارس، وكيف أصبحت لهم لحىوشوارب، حتى أنني كنت أتذكر كل واحد منهم كيف خطا أول خطوة في حياته، وأتذكر يومفرحي بممشاهم وكيف ظهرت أسنانهم وأحط يدي بها حتى يعضوها، وأنا أضحك عليهم وكيف كانيومهم الأول في المدرسة ومعهم حقائبهم الصغار.
كنت أبكي سرًا عليهمدون أن يعلموا لكي لا ينهاروا لأني كنت متأكدة أنهم سيقتلون في تلك المعركة "وجيبوالي أم تتخيل أولادها كلهم يقتلون إيش تسوي؟" لكني كنت أدعو الله أن يأخذ روحي أيضًافيها حتى لا أذوق لوعتهم وحسرتي عليهم.
وهنا تبكي أم الشهداء بكاءبمرارة بدون صوت والحقيقة فقد بكينا لكنا معها
وفجأة نهضت وقالت: "أمهلوني أروح أشوف شوربة العدس أخاف لسعته النار واحترقت"
إلاأنها في الحقيقة لم تذهب إلى المطبخ فقد كنا نسمع بكاءها في غرفة مقابل شباكهاللحديقة، بكاء يختلف عن بكاء النساء المبتليات صاحبة دعاء تفوهت به تلك العجوز.
حيث قالت: "يا رب الملوك والرؤساء يأتون إليهم الناس فلا يردونهمويلبون مطالبهم حتى إن كانوا محكومين بالإعدام فكيف بك يا رب وأنت ملك الملوك أقفالآن على بابك وأطلب منك أن تقبض روحي فإني اشتقت إلى أولادي وزوجي ولم يعد لي بهذاالدنيا أحد، يا ربي لا تردني مسكينة وأرملة وميت أولادها يا رب أنت قادر فلاتخيبني"
بعد دقائق عادت أم الشهداء إلينا وكانت عيونها محمرة منالبكاء وجاءت تمشي متكأة على عكاز لم تكن تحمله في بداية مشاهدتنا لها ويبدو أنجسمها انهار بعد البكاء مع ما فيها من ضعف وقالت بتلطف :"الغاز اتحطه منا علىالطباخ هو يخلص منا بيوم واحد أكيد يغشون الغاز ويبيعوه لنا بسعر غالٍ اللهيسامحهم".
ولم تعلم المسكينة أننا كنا نسمع بكاءهاودعاءها .
فواصلت حديثها معنا وقالت :في يوم 7/11/2004 اشتد القصفوكانت هناك محاولات لاختراق الفلوجة من الجانب الشمالي صاحبها إلقاء قنابل مضيئة فيالفلوجة، وكانت الساعة الحادية عشرة ليلاً كنت وحدي في المنزل وبدأت أقرأ ما أحفظهمن القرآن على صدر فأكملت كل السور الصغيرة التي أحفظها وبدأت أدعو الله بالنصرأولاً، وبحفظ أبنائي ثانيًا، ولم أنم تلك الليلة حتى صلاة الفجر أحسست بعمر وهو يقففوق رأسي وكنت ممددة على السجادة وهو يقول لي: "ها يمه اشو بعدك ما نايمه إحنا بخيروآني كنت عند مهيب وأحمد وهُمّه بخير ويريدون تسوين أكل وشاي يكفي لـ14 مجاهدًا . إيش رأيكي ما تبغين الأجر"، فرحت والله بضيوفنا وأسرعت إلى المطبخ وأعددت لهم أكلاًيكفي لثلاثين رجلاً وشايًا وخبزًا حارًا خبزته بسرعة .
ذهب عجلوخرجت معه إلى الباب أساعده بحمل الأكل حتى وصلته إلى السيارة وقال لي: "يمّهالغداء اليوم عليك، أخي مهيب تبرع للمجاهدين العرب بوجبة الغداء".
صليت الفجر ودعوت الله أن يحفظهم أجمعين.
وكانتحينها الفلوجة لا تزال تتعرض لضربات من الطائرات الأمريكية والمدافع ومع كل ضربةيهتز البيت فوق رأسي حتى يكاد يسقط، وأتوجه إلى الله بالدعاء والقرآن بالفعل أعددتالغداء لهم، وجاء مهيب وقبل يدي كعادته وطلب مني أن إذا جاء أحد إخوته أن يقابلوهلأمر مهم سألته عن الأمر فأجابني بأنه شيء بسيط لا تشغلي بالك به.
ذهب وبقيت أنظر إليه حتى غاب عن نظري وكان رحمة الله طويلاً ضخمالجسم.
في نهار اليوم التالي وكنت قد خبزت أكثر من 200 رغيف حتى تعبت يداي من طرق الخبز وأعددت قدرين كبيرين من الأرز والمرق، جاءالثلاثة معًا وجلسوا عندي لساعة واحدة وكنت أقبلهم وأشمهم كما لو كان صغارًا،وأتمعن بالنظر إليهم جيدًا كأنني كنت أعلم أني لن أراهم بعد اليوم، والله ما أنسىقبلتي لهم ما بقيت، ولا تلوموني مات أبوهم وما عاد لي في الدنيا إلا هم، وكنت واللهأعرف الواحد منهم من ريحه الطيبة، خرجوا سوية بعد ساعة وأخذوا الأكل معهم وقبلوارأسي ويدي وقالوا لي: "يمه ادعيلنا بالله عليك"
فقلت لهم: لماذاتحلفوني بالله أن أدعو لكم ليل نهار، فقالوا لي: ليس لنا بل للفلوجة أجمع. وخرجواولم أرهم بعدها.
ومضت على الفلوجة عدة ليالٍ في قتال شرس يأخذالعقول، لا أسمع إلا صيحات التكبير ودعاء المساجد وضربات المجاهدين وقصف الاحتلال. كنت يوميًا أجلس على باب الدار ساعات وساعات وأنا أنظر إلى الشارع أملاً بقدومأولادي، وكنت أسال أي شخص من القادمين باتجاهي وأركض نحوه "ها يبو الغيرة (يعني ياصاحب الغيرة) ما شفت أحمد ما شفت مهيب ما شفت عمر ولدي"
وهنا تبكي مرة أخرى أم الشهداء .
وكان بعضهم يقول لي إنه لا يعرفهم، والبعض الآخر يقول لي إنه لميرهم إلا واحدًا منهم قال لي:
يا أمي أحمد وعمر في حي الجمهوريةومهيب في حي النزال وهم بخير.
وكان مسرعًا فركضت خلفه فعثرت قدميوسقطت على الأرض ونزف أنفي الدم وأنا أتوسل به أن يقف ليكلمني، فتوقف مرة أخرى وقاللي: يا أمي قلت لك إنهم بخير وما بيهم أي شيء والحمد لله لكن لا تأخريني عندي عملمهم إذا شفتهم مرة ثانية راح أبلغهم سلامك وأعطاني غترته وقال لي: نشفي دمك يا أميوذهب .
وبقيت على هذا الحال حتى يوم 12/12 لكني قررت خلال الأيامالتي سبقت هذا التاريخ أن أقوي قلبي وأتوكل على الله وأفعل شيئًا للمجاهدين، فقمتبطبخ الطعام وتوزيع المياه للمجاهدين العرب، وأصنع اللفافات من ستائر المنزل وشراشفالبيت ووجوه "المخاد" الوسائد وأداوي بها المجاهدين الذين يصابون في المعركة،والحمد لله والله كل الذين عالجتهم عادوا إلى القتال، وبلغ عددهم أكثر من 20مجاهدًا.
وقبل أن أصل بكم إلى يوم 12/12 في يوم 9/12 والتواريخ هذهكلها مضبوطة عندي كوني كنت أحسب على تاريخ فراق أبنائي لي، قام اليهود في هذا اليومبالفاء الكيماوي على الفلوجة بشكل كثيف خاصة في وسطها، استشهد عدد كبير منهم وأحرقهذا الكيماوي حتى الشجر والحيوانات مما ساعد الاحتلال على التقدم إلى وسط الفلوجةخلال ساعات مع استشهاد العشرات من المجاهدين، ثم أعقبها إشاعة بثت في صفوفالمجاهدين من مصادر مجهولة لم نعلمها حتى الآن إلا أنها من عملائه بدون شك.
تقول: إن عمر حديد وعبد الله الجنابي قتلا في هذا الكيماوي فشاعتفوضى داخل الفلوجة في صفوف المجاميع لا يعلمها إلا الله، وكنت أسمع عن هذا من بعضالجرحى الذين أقدم لهم المساعدة.
إلا أن عمر حديد وعبد اللةالجنابي سارعا بتفنيد تلك الإشاعات حيث تجول الاثنان بين المجاهدين في ذلك اليوم،الأمر الذي أعطى روحًا معنوية للمجاهدين كبيرة كبدت الاحتلال خسائر لا يعلمها إلاالله
استمر القتال الشرس كر وفر بين المجاهدين والاحتلال بشكل كبيروكنت أسمع عن شهداء بين المجاهدين بالعشرات وأدعو الله أن يقر عيني برؤية أولاديالثلاثة يوميًا.
حتى يوم 12/12/2004 وكان يوم الأحد الساعة الحاديةعشرة ليلاً حيث دارت معركة قوية جدًا بين المجاهدين والأمريكان في محاولة منهمللسيطرة على حي الشهداء قادمين من خارج الفلوجة وليس من داخلها.
وكان القتال قريبًا من بيتي وكنت أنظر إلى السماء وهي تشتعل بالنارمنظرًا لن أنساه أبدًا سقط في المعركة عدد من الشهداء كنت أسمع أنينهم قرب بيتيواستمرت قرابة أربع ساعات من الساعة الحادية عشرة وحتى الثالثة أو أقل بقليل، فشلخلالها الأمريكان من اقتحام الحي، خرجت إلى باب الدار فسمعت أنينًا يخرج من أحدالمجاهدين وكان مصابًا ويذكر الله وما ينفك عن لا إله إلا الله محمد رسول الله.
فأسرعت عليه وكان لا يزال حيًا فسحبته بكل قوتيوكان مصابًا في صدره ووجهه وأدخلته إلى المنزل، وأسرعت بالماء وغسلت وجهه وربطتجرحه كي يقف النزيف، وكان يبكي فظننت أنه يبكي من شدة الألم وكان كلما ينظر إلييبكي فقلت له: "توكل على الله يا رجل جرحك هين وإن شاء الله طهور وخير ما بيك كلشيء، والصبح قرب على الطلوع وراح يجون ربعك يأخذوك يداووك لكن خلي أروح أشوف ربعكبيهم روح ولا لأ؟"
فأخذ يبكي أكثر كأنه لا يريد مني الذهاب فتوقعتأنه يريدني بجانبه وهو يشعر بقرب موته ولا يريد أن يموت وحيدًا فأقنعته أن رفاقهبحاجة إلى العون وسأذهب وأعود بسرعة.
خرجت بعد أن ربطت خصريبعبائتي إلى الشارع.
خرجت إلى الشارع فقررت أن أبدأ بالجرحىوبالفعل وجدت جريحًا ثانيًا وكان عربيًا فسحبته إلى داخل الدار وقمت بما يتوجب عليالقيام به لكني تفاجأت عندما خاطبني بقولة خالة أم مهيب كونه يعرفني أولاً وكونالناس تسميني أم أحمد فاعتقدت أنه صديق ابني ويعرف بيتنا.
وكانجرحه تحت السرة رحمة الله تعالى وكانت أمعاؤه خارجه إلى الأمام فأخبرني أنه يريدطينًا من الحديقة وملحًا ولفافًا فقط، أعطيته ما أراد وخرجت من الغرفة إلى الشارعمرة أخرى.
فوجدت جثتين تبعدان منزلين عن منزلي سحبت الأولى بكلقوتي إلى المنزل وقمت بوضعها في الحديقة وجلبت "الكرك" معول لحفر قبر له.
وبالفعل قمت بحفر مسافة عمق ثلاثة أشبار وعلى طولهمترين تقريبًا ودفنته وبالكاد كاد التراب أن يغطي وجهه رحمه الله، لكني نويت أنأودعه أمانة عند الأرض تحفظه حتى يأتي أهلة أو رفاقه لنقل جثته ودفنها بشكل شرعيوملائم.
وبعد أن دفنت الأول تعبت جدًا حيث إني أكبر من أن أسحبجريحين وجثة ميت لمسافة عشرات الأمتار، لكني توكلت على الله وقلت في نفسي عسى أنيحفظ الله أولادي من الموت جزاء فعلي هذا،
خرجت مرة أخرى إلىالشارع فوجدت شهيدًا آخر وكان ضخم الجثة طويلاً فقمت بسحبه من قدميه ببطئ، كونيتعبت وخلال دقائق أوصلته إلى حديقة المنزل، وهناك ساورني الشك بأن هذا الشهيد هوشخص أعرفه وكان قميصه قد تمزق من على ظهره حيث كانت رائحته مألوفة عندي وكان الليلمعتمًا لا أكاد أرى كف يدي، فركضت إلى البيت وجلبت فانوسًا على الرغم من خطورة أينور يخرج من بيت، حيث إن الطيران ممكن يقصفه بأي لحظة.
وهناك عندماجلبت الفانوس وقربته من وجهه الشهيد المغطى بالدم والتراب صعقت وتجمدت في مكانيوانشل لساني وجسمي كله لدقائق، حيث كان الشهيد هذا هو ابني مهيب ولديالأوسط.
وهنا تقطع أم الشهداء حديثها وتجهش بالبكاء وتقول والله يامهيب كسرت ظهري أنت وإخوتك تركتموني ورحلتم، ثم قالت: إنا لله وإنا إليه راجعونحسبي الله ونعم الوكيل.
كنت قد قررت أن لا أبكيهم واليوم هذه المرةالثالثة التي أبكي عليهم.
وتواصل حديثها المؤلمفتقول: رفعت رأسه وأخذته إلى صدري وبكيت فوقه وتكلمت معه لمدة نصف ساعة كأنه حيأذكره بسوالفه الطيبة معي ويوم كان صغيرًا يرقد في حضني وقلبت شعره الجميل الناعمبأصابع يدي كما كنت أفعل كل مرة، وقلت له: "يا مهيب إني أمك ... نام يا قرة عيونينام وارتاح من هذي الدنيا فزت يا وليدي والله ما أردت أن أخليه ينزل من حضني" ودفنته تحت الزيتونة التي كان يحبها ويقرأ تحتها دروسه عندما كان صغيرًا وعمقتالحفر له لأني قررت أن يكون قبره في منزله.
فيالصباح وصلت مجموعة من المجاهدين وكنت لا أزال عند قبر مهيب حارسة وليدي الشهيد كأنأحد سيأخذه مني، بكيته من الليل حتى الصباح سمعت صوتهم في الشارع فخرجت إليهموعرفوني وعرفتهم حيث إنهم رفاق أحمد وعمر من التنظيم.
سألتهم وقلتلهم: بشروني ولدي أحمد وعمر وينهم فأطرقوا رؤوسهم إلى الأرض وقالوا لي: يا خالهاحسبيهم عند الله أحمد وعمر ماتا في حي النزال ليلة أمس ودفناهما في ساحة بيت حجيخليل الفياض.
لا أدري لماذا لم أبكي ساعة الخبر، قد يكون بسبب جزعيوتعبي من البكاء على المهيب أو من هول ما أنا فيه، إلا أني قلت لهم: هل ماتوامقبلين أم مدبرين فقال لي أحدهم: والله ماتا وهما مقبلين وأخذا ثأرهما قبل موتهما.
حمدت الله تعالى وطلبت منهم أن يدخلوا إلى الدار لأخذ الجريحين.
وبالفعل دخلوا فوجدوا أحدهما وهو العربي قد فارق الحياة بينماالثاني لا يزال حيًا أخذوا الجريح معهم بينما دفنوا الجريح الذي استشهد في حديقةداري أيضًا وتعجبوا من تمكني حفر قبرين في ساعة واحدة.
فأخبرتهم أنالقبر الذي تحت الزيتونة هو لابني مهيب والثاني لشهيد لا أعرفه وهو غير محفور بشكلجيد وطلبت من أحدهم استخراجه وتعميق الحفر له خوفًا على الجثة.
طلبوا بعدها مني أن آتي معهم حيث إنهم سيحاولون إخراجي من الفلوجةإلا أنني رفضت ذلك فتحدث معي أحدهم وكان غير عراقي وقال لي: يا أمي أنت فقدت ثلاثةمن أولادك وإحنا كلنا أولادك إن شاء الله احتسبي أحمد وعمر ومهيب في الجنة عندالله.
ذهبوا من أمام عيني مسرعين وعدت إلى داخلالدار أصلي الضحى، دارت بعدها ثلاث معارك في ثلاث ليالي طويلة، تمكنت خلالها من سحبأربعة شهداء آخرين ودفنهم في حديقة الدار، وبذلك أصبح في حديقة الدار سبعة قبورلسبعة شهداء امتلأت حديقة المنزل والبيت كله برائحة المسك لم أشم مثلها من قبل،وكانت تجعلني أشعر بالسعادة وتعطيني الصبر ونمت أربع ليالي على التراب بجوار قبرمهيب، وأنا أشم تلك الرائحة، نمت معه مثل الأم التي تحتضن ولدها عندما ينام، وبقيتمحبوسة في الدار مع الشهداء السبعة حتى يوم 13/1/2005 حيث دخل الهلال الأحمر بعدسماح الاحتلال له بالدخول من الاتجاه الشمالي أجبرني بالقوة على الخروج معهم إلىمخيم في الصقلاوية
وهناك علمت أن مهيب ورفاقه تم استخراجهم من قبلفريق المتطوعين من أهل الفلوجة بعد انتهاء المعركة ودفنهم مع إخوتهم في مقبرةالشهداء الجديدة.
هذه قصتي وأقولها على رغم كل الألم والمصاب الذيلحق بي، تمنيت أن يكون عندي ثلاثة آخرين يقتلون في سبيل الله.
علىالرغم من لوعتي عليهم إلا أن أمك تفتخر كونها أم الشهداء.
اختتمتأم الشهداء حديثها ببيت شعر بدوي بالكاد تمكنا من كتابته قالت إنه لعلماء المسلمينالذين يضعون العمائم على رؤوسهم، أهدي لهم هذين البيتين أقول لهم ماذا ستقولون يومالوقوف بين يدي المنتقم الجبار قالت فيه
"بيكم هكينا وعبالنااحمولنا اتشيلون
وما حسبنا بيكم بالمصيبة اتروغون
بيكم هكينا ( هكينا وتعني توقعنا ) وعبالي نشامة أحباب
يا حيف خاب الأمل كله وطلع جذاب (كذاب
طبعا هذي القصه وصلتني عن طريق الايميل الخاص
::38:: ::38:: ::38:: ::38::
أم الشهداء البالغة من العمر 62 عامًا أم لثلاثة أبناء كلهم استشهدوا في معركةالفلوجة الثانية أحمد ومهيب وعمر.
تسكن الآن وحيدة في بيت صغير فيالفلوجة وتجني قوتها من عرق جبينها على الرغم من كبر سنها حيث تعمل على صنع المكانسوتبيعها لأهل المنطقة مقابل قليل من المال تشتري به ما يسد قوة يومها، رافضة كلالمساعدات التي عرضها عليها التجار والميسورون من أهل الفلوجة، لقد عرفت في الفلوجةبأنها صاحبة دعوة مستجابة، ولهذا يأتي يوميًا العديد من الناس إلى أم الشهداءطالبين منها الدعاء لهم خاصة النساء اللاتي أشرفن على الإنجاب أو الذين ينون السفرأو المرضى وحتى بعض رجال المقاومة، يأتون إليها قبل كل عملية لهم يطلبون منهاالدعاء بأن يسدد الله رميهم ويحفظهم.
دخلنا إلى منزلها الصغيروكانت تخصف المكانس في حديقة المنزل يحيط بها من كل جانب سعف النخيل الأخضر مع خمسدجاجات تربيها في باحة منزلها الصغير.
ودخلنا إلى الدار
_ السلام عليكم يا خالة.
_ وعليكم السلام ورحمةالله وبركاته الله حَيّهم وِلْدِي تفضلوا.
دخلنا إلى الدار وجلسناإلى "مندل" بساط من الصوف، فتركت ما بيدها وتفرغت لنا بعد أن شاهدت الكاميراودفترًا صغيرًا نحمله معنا.
_ تفضل ولدي أي خدمة
_ نحن من "مفكرة الإسلام" يا خالة ونريد منك أن تتكلمي معنا عن قصتك في الفلوجة أثناءمعركتها الثانية إذا لم يكن هناك مانع.
_ وهنا أبدت أم الشهداءاستغرابها وقالت: "مفكرة الإسلام" هذه وين تطلع ما سامعة بيها على التلفزيون.
- مفكرة الإسلام يا أمي هذه موقع أخبار إسلامي على الإنترنت يهتمبأمور المسلمين في العراق وبقية بلاد المسلمين.
-تضحك أم الشهداءوتقول والله يابن الحلال ماني عارفة على إيش تتحدث لكن تفضلوا اسألوا وآني أجيبكمإن شاء الله.
_ نريد أن تحدثينا عن أم الشهداء في معركة الفلوجةالثانية، وهنا حرك مراسل مفكرة الإسلام العدسة عفويًا ولم يكن قصده تصوير أمالشهداء فقالت :والله يا ابني أنا لا أحب هذه الصور فهي حرام وأنا أمكم امرأةمستورة وعلى الرغم من كبر سني إلا أنني أبقى امرأة ولا يجوز لي ما حرمه الله علىالنساء.
أما عن قصتي فهناك العشرات مثلي في هذه المدينة إلا أنيكنت أكبرهن مصابًا فقد فقدت أبنائي الثلاثة أحسبهم عند الله شهداء.
وهنا تسرد الحاجة زكية أم الشهداء قصتها وتقول:
أنا عجوز فلوجية أيقنت أن الله حق فامتحنها الله ولا يزال ...وأرجومنه أن يوفقني في اجتياز الامتحان فقد تعبت كثيرًا والله.
توفيزوجي قبل عشر سنوات ـ ونعم الزوج رحمه الله ـ ورزقني الله بثلاثة أبناء وبنتًاواحدة هم أحمد ومهيب وعمر وخلود وكان أكبر أولادي أحمد عمره 35 عامًا ثم خلود ومهيبوأصغرهم عمر، عكفت أنا وأبوهم على تربيتهم وحمايتهم ورعايتهم وكان أبوهم ـ اللهيسكنه الجنة ـ يعلمهم ويوجههم حتى كبروا وصاروا خريجي كليات والتزموا المساجد منذصغرهم حتى موتهم وانضموا إلى فصائل المجاهدين في الفلوجة بعد الاحتلال.
هذا عن عائلتي أما عن الفلوجة وبداياتها فهي طويلة سأختصر لكالكلام لأني صائمة وعندي عمل كثير في البيت وهناك ناس دفعوا لي المال كي أخصف لهمالمكانس.
قبل معركة الفلوجة الثانية بأسبوع واحد كنت أجلس مع أحمدومهيب وعمر أولادي رحمهم الله في منزلنا القديم في حي الشهداء يشربون الشاي عصرًامعي، وهم يحاولون طيلة جلوسنا أن يقنعوني بالذهاب إلى بيت أختهم في قرية خارجالفلوجة خوفًا علي من المعركة، وكان الأمريكان والشيعة والأكراد يتجمعون مثل الجرادحول بوابات الفلوجة الأربع.
إلا أني رفضت ذلكوتوسلوا بي كثيرًا ـ رحمهم الله ـ على الخروج خاصة عمر وهو أصغر أبنائي كان يقوللي: "يا أمي اطلعي من الفلوجة وخلينا نقاتل وإحنا قلوبنا مطمئنة من جانبك اطلعيتراني أجيب سيارة بيك أب وحطك بيها وطلعك بالقوة" وكان يمازحني رحمه الله، كما أنهكان كثير المرح يحبونه كل أصدقائه لخفة دمه حتى أنه يسميني حجي وليس حجية ويقول لي: "إن شجاعتك هذه للرجال مو للنساء".
ومع إصرار الثلاثة إلا أنني رفضتطلبهم وقلت لهم: "أبقى أطبخ لكم الطعام ولجماعتكم وأداوي جرحاكم ما أطلع من الفلوجةما دام أنتم بها، والله ما أقدر أخلي قلبي في الفلوجة وأطلعمنها"،
ومع إصراري تركوني على ما أريد ـ رحمهم الله ـ وكان القرارالنهائي لي ولهم هو البقاء في الفلوجة حتى نهاية المعركة إما النصر أو الشهادةوالحمد لله نال أبنائي الشهادة.
كان أحمد وعمرومهيب فصائل مختلفة وكانوا يتحدثون فيما بينهم عن خطة تبقيهم على اتصال أثناءالمعركة، وكنت أسمع حوارهم بشوق، وأنا أتخيلهم كيف كانوا صغارًا وكيف كان أبوهم فيالحياة يحملهم ويلاعبهم وكيف كبروا، وكيف صاروا في المدارس، وكيف أصبحت لهم لحىوشوارب، حتى أنني كنت أتذكر كل واحد منهم كيف خطا أول خطوة في حياته، وأتذكر يومفرحي بممشاهم وكيف ظهرت أسنانهم وأحط يدي بها حتى يعضوها، وأنا أضحك عليهم وكيف كانيومهم الأول في المدرسة ومعهم حقائبهم الصغار.
كنت أبكي سرًا عليهمدون أن يعلموا لكي لا ينهاروا لأني كنت متأكدة أنهم سيقتلون في تلك المعركة "وجيبوالي أم تتخيل أولادها كلهم يقتلون إيش تسوي؟" لكني كنت أدعو الله أن يأخذ روحي أيضًافيها حتى لا أذوق لوعتهم وحسرتي عليهم.
وهنا تبكي أم الشهداء بكاءبمرارة بدون صوت والحقيقة فقد بكينا لكنا معها
وفجأة نهضت وقالت: "أمهلوني أروح أشوف شوربة العدس أخاف لسعته النار واحترقت"
إلاأنها في الحقيقة لم تذهب إلى المطبخ فقد كنا نسمع بكاءها في غرفة مقابل شباكهاللحديقة، بكاء يختلف عن بكاء النساء المبتليات صاحبة دعاء تفوهت به تلك العجوز.
حيث قالت: "يا رب الملوك والرؤساء يأتون إليهم الناس فلا يردونهمويلبون مطالبهم حتى إن كانوا محكومين بالإعدام فكيف بك يا رب وأنت ملك الملوك أقفالآن على بابك وأطلب منك أن تقبض روحي فإني اشتقت إلى أولادي وزوجي ولم يعد لي بهذاالدنيا أحد، يا ربي لا تردني مسكينة وأرملة وميت أولادها يا رب أنت قادر فلاتخيبني"
بعد دقائق عادت أم الشهداء إلينا وكانت عيونها محمرة منالبكاء وجاءت تمشي متكأة على عكاز لم تكن تحمله في بداية مشاهدتنا لها ويبدو أنجسمها انهار بعد البكاء مع ما فيها من ضعف وقالت بتلطف :"الغاز اتحطه منا علىالطباخ هو يخلص منا بيوم واحد أكيد يغشون الغاز ويبيعوه لنا بسعر غالٍ اللهيسامحهم".
ولم تعلم المسكينة أننا كنا نسمع بكاءهاودعاءها .
فواصلت حديثها معنا وقالت :في يوم 7/11/2004 اشتد القصفوكانت هناك محاولات لاختراق الفلوجة من الجانب الشمالي صاحبها إلقاء قنابل مضيئة فيالفلوجة، وكانت الساعة الحادية عشرة ليلاً كنت وحدي في المنزل وبدأت أقرأ ما أحفظهمن القرآن على صدر فأكملت كل السور الصغيرة التي أحفظها وبدأت أدعو الله بالنصرأولاً، وبحفظ أبنائي ثانيًا، ولم أنم تلك الليلة حتى صلاة الفجر أحسست بعمر وهو يقففوق رأسي وكنت ممددة على السجادة وهو يقول لي: "ها يمه اشو بعدك ما نايمه إحنا بخيروآني كنت عند مهيب وأحمد وهُمّه بخير ويريدون تسوين أكل وشاي يكفي لـ14 مجاهدًا . إيش رأيكي ما تبغين الأجر"، فرحت والله بضيوفنا وأسرعت إلى المطبخ وأعددت لهم أكلاًيكفي لثلاثين رجلاً وشايًا وخبزًا حارًا خبزته بسرعة .
ذهب عجلوخرجت معه إلى الباب أساعده بحمل الأكل حتى وصلته إلى السيارة وقال لي: "يمّهالغداء اليوم عليك، أخي مهيب تبرع للمجاهدين العرب بوجبة الغداء".
صليت الفجر ودعوت الله أن يحفظهم أجمعين.
وكانتحينها الفلوجة لا تزال تتعرض لضربات من الطائرات الأمريكية والمدافع ومع كل ضربةيهتز البيت فوق رأسي حتى يكاد يسقط، وأتوجه إلى الله بالدعاء والقرآن بالفعل أعددتالغداء لهم، وجاء مهيب وقبل يدي كعادته وطلب مني أن إذا جاء أحد إخوته أن يقابلوهلأمر مهم سألته عن الأمر فأجابني بأنه شيء بسيط لا تشغلي بالك به.
ذهب وبقيت أنظر إليه حتى غاب عن نظري وكان رحمة الله طويلاً ضخمالجسم.
في نهار اليوم التالي وكنت قد خبزت أكثر من 200 رغيف حتى تعبت يداي من طرق الخبز وأعددت قدرين كبيرين من الأرز والمرق، جاءالثلاثة معًا وجلسوا عندي لساعة واحدة وكنت أقبلهم وأشمهم كما لو كان صغارًا،وأتمعن بالنظر إليهم جيدًا كأنني كنت أعلم أني لن أراهم بعد اليوم، والله ما أنسىقبلتي لهم ما بقيت، ولا تلوموني مات أبوهم وما عاد لي في الدنيا إلا هم، وكنت واللهأعرف الواحد منهم من ريحه الطيبة، خرجوا سوية بعد ساعة وأخذوا الأكل معهم وقبلوارأسي ويدي وقالوا لي: "يمه ادعيلنا بالله عليك"
فقلت لهم: لماذاتحلفوني بالله أن أدعو لكم ليل نهار، فقالوا لي: ليس لنا بل للفلوجة أجمع. وخرجواولم أرهم بعدها.
ومضت على الفلوجة عدة ليالٍ في قتال شرس يأخذالعقول، لا أسمع إلا صيحات التكبير ودعاء المساجد وضربات المجاهدين وقصف الاحتلال. كنت يوميًا أجلس على باب الدار ساعات وساعات وأنا أنظر إلى الشارع أملاً بقدومأولادي، وكنت أسال أي شخص من القادمين باتجاهي وأركض نحوه "ها يبو الغيرة (يعني ياصاحب الغيرة) ما شفت أحمد ما شفت مهيب ما شفت عمر ولدي"
وهنا تبكي مرة أخرى أم الشهداء .
وكان بعضهم يقول لي إنه لا يعرفهم، والبعض الآخر يقول لي إنه لميرهم إلا واحدًا منهم قال لي:
يا أمي أحمد وعمر في حي الجمهوريةومهيب في حي النزال وهم بخير.
وكان مسرعًا فركضت خلفه فعثرت قدميوسقطت على الأرض ونزف أنفي الدم وأنا أتوسل به أن يقف ليكلمني، فتوقف مرة أخرى وقاللي: يا أمي قلت لك إنهم بخير وما بيهم أي شيء والحمد لله لكن لا تأخريني عندي عملمهم إذا شفتهم مرة ثانية راح أبلغهم سلامك وأعطاني غترته وقال لي: نشفي دمك يا أميوذهب .
وبقيت على هذا الحال حتى يوم 12/12 لكني قررت خلال الأيامالتي سبقت هذا التاريخ أن أقوي قلبي وأتوكل على الله وأفعل شيئًا للمجاهدين، فقمتبطبخ الطعام وتوزيع المياه للمجاهدين العرب، وأصنع اللفافات من ستائر المنزل وشراشفالبيت ووجوه "المخاد" الوسائد وأداوي بها المجاهدين الذين يصابون في المعركة،والحمد لله والله كل الذين عالجتهم عادوا إلى القتال، وبلغ عددهم أكثر من 20مجاهدًا.
وقبل أن أصل بكم إلى يوم 12/12 في يوم 9/12 والتواريخ هذهكلها مضبوطة عندي كوني كنت أحسب على تاريخ فراق أبنائي لي، قام اليهود في هذا اليومبالفاء الكيماوي على الفلوجة بشكل كثيف خاصة في وسطها، استشهد عدد كبير منهم وأحرقهذا الكيماوي حتى الشجر والحيوانات مما ساعد الاحتلال على التقدم إلى وسط الفلوجةخلال ساعات مع استشهاد العشرات من المجاهدين، ثم أعقبها إشاعة بثت في صفوفالمجاهدين من مصادر مجهولة لم نعلمها حتى الآن إلا أنها من عملائه بدون شك.
تقول: إن عمر حديد وعبد الله الجنابي قتلا في هذا الكيماوي فشاعتفوضى داخل الفلوجة في صفوف المجاميع لا يعلمها إلا الله، وكنت أسمع عن هذا من بعضالجرحى الذين أقدم لهم المساعدة.
إلا أن عمر حديد وعبد اللةالجنابي سارعا بتفنيد تلك الإشاعات حيث تجول الاثنان بين المجاهدين في ذلك اليوم،الأمر الذي أعطى روحًا معنوية للمجاهدين كبيرة كبدت الاحتلال خسائر لا يعلمها إلاالله
استمر القتال الشرس كر وفر بين المجاهدين والاحتلال بشكل كبيروكنت أسمع عن شهداء بين المجاهدين بالعشرات وأدعو الله أن يقر عيني برؤية أولاديالثلاثة يوميًا.
حتى يوم 12/12/2004 وكان يوم الأحد الساعة الحاديةعشرة ليلاً حيث دارت معركة قوية جدًا بين المجاهدين والأمريكان في محاولة منهمللسيطرة على حي الشهداء قادمين من خارج الفلوجة وليس من داخلها.
وكان القتال قريبًا من بيتي وكنت أنظر إلى السماء وهي تشتعل بالنارمنظرًا لن أنساه أبدًا سقط في المعركة عدد من الشهداء كنت أسمع أنينهم قرب بيتيواستمرت قرابة أربع ساعات من الساعة الحادية عشرة وحتى الثالثة أو أقل بقليل، فشلخلالها الأمريكان من اقتحام الحي، خرجت إلى باب الدار فسمعت أنينًا يخرج من أحدالمجاهدين وكان مصابًا ويذكر الله وما ينفك عن لا إله إلا الله محمد رسول الله.
فأسرعت عليه وكان لا يزال حيًا فسحبته بكل قوتيوكان مصابًا في صدره ووجهه وأدخلته إلى المنزل، وأسرعت بالماء وغسلت وجهه وربطتجرحه كي يقف النزيف، وكان يبكي فظننت أنه يبكي من شدة الألم وكان كلما ينظر إلييبكي فقلت له: "توكل على الله يا رجل جرحك هين وإن شاء الله طهور وخير ما بيك كلشيء، والصبح قرب على الطلوع وراح يجون ربعك يأخذوك يداووك لكن خلي أروح أشوف ربعكبيهم روح ولا لأ؟"
فأخذ يبكي أكثر كأنه لا يريد مني الذهاب فتوقعتأنه يريدني بجانبه وهو يشعر بقرب موته ولا يريد أن يموت وحيدًا فأقنعته أن رفاقهبحاجة إلى العون وسأذهب وأعود بسرعة.
خرجت بعد أن ربطت خصريبعبائتي إلى الشارع.
خرجت إلى الشارع فقررت أن أبدأ بالجرحىوبالفعل وجدت جريحًا ثانيًا وكان عربيًا فسحبته إلى داخل الدار وقمت بما يتوجب عليالقيام به لكني تفاجأت عندما خاطبني بقولة خالة أم مهيب كونه يعرفني أولاً وكونالناس تسميني أم أحمد فاعتقدت أنه صديق ابني ويعرف بيتنا.
وكانجرحه تحت السرة رحمة الله تعالى وكانت أمعاؤه خارجه إلى الأمام فأخبرني أنه يريدطينًا من الحديقة وملحًا ولفافًا فقط، أعطيته ما أراد وخرجت من الغرفة إلى الشارعمرة أخرى.
فوجدت جثتين تبعدان منزلين عن منزلي سحبت الأولى بكلقوتي إلى المنزل وقمت بوضعها في الحديقة وجلبت "الكرك" معول لحفر قبر له.
وبالفعل قمت بحفر مسافة عمق ثلاثة أشبار وعلى طولهمترين تقريبًا ودفنته وبالكاد كاد التراب أن يغطي وجهه رحمه الله، لكني نويت أنأودعه أمانة عند الأرض تحفظه حتى يأتي أهلة أو رفاقه لنقل جثته ودفنها بشكل شرعيوملائم.
وبعد أن دفنت الأول تعبت جدًا حيث إني أكبر من أن أسحبجريحين وجثة ميت لمسافة عشرات الأمتار، لكني توكلت على الله وقلت في نفسي عسى أنيحفظ الله أولادي من الموت جزاء فعلي هذا،
خرجت مرة أخرى إلىالشارع فوجدت شهيدًا آخر وكان ضخم الجثة طويلاً فقمت بسحبه من قدميه ببطئ، كونيتعبت وخلال دقائق أوصلته إلى حديقة المنزل، وهناك ساورني الشك بأن هذا الشهيد هوشخص أعرفه وكان قميصه قد تمزق من على ظهره حيث كانت رائحته مألوفة عندي وكان الليلمعتمًا لا أكاد أرى كف يدي، فركضت إلى البيت وجلبت فانوسًا على الرغم من خطورة أينور يخرج من بيت، حيث إن الطيران ممكن يقصفه بأي لحظة.
وهناك عندماجلبت الفانوس وقربته من وجهه الشهيد المغطى بالدم والتراب صعقت وتجمدت في مكانيوانشل لساني وجسمي كله لدقائق، حيث كان الشهيد هذا هو ابني مهيب ولديالأوسط.
وهنا تقطع أم الشهداء حديثها وتجهش بالبكاء وتقول والله يامهيب كسرت ظهري أنت وإخوتك تركتموني ورحلتم، ثم قالت: إنا لله وإنا إليه راجعونحسبي الله ونعم الوكيل.
كنت قد قررت أن لا أبكيهم واليوم هذه المرةالثالثة التي أبكي عليهم.
وتواصل حديثها المؤلمفتقول: رفعت رأسه وأخذته إلى صدري وبكيت فوقه وتكلمت معه لمدة نصف ساعة كأنه حيأذكره بسوالفه الطيبة معي ويوم كان صغيرًا يرقد في حضني وقلبت شعره الجميل الناعمبأصابع يدي كما كنت أفعل كل مرة، وقلت له: "يا مهيب إني أمك ... نام يا قرة عيونينام وارتاح من هذي الدنيا فزت يا وليدي والله ما أردت أن أخليه ينزل من حضني" ودفنته تحت الزيتونة التي كان يحبها ويقرأ تحتها دروسه عندما كان صغيرًا وعمقتالحفر له لأني قررت أن يكون قبره في منزله.
فيالصباح وصلت مجموعة من المجاهدين وكنت لا أزال عند قبر مهيب حارسة وليدي الشهيد كأنأحد سيأخذه مني، بكيته من الليل حتى الصباح سمعت صوتهم في الشارع فخرجت إليهموعرفوني وعرفتهم حيث إنهم رفاق أحمد وعمر من التنظيم.
سألتهم وقلتلهم: بشروني ولدي أحمد وعمر وينهم فأطرقوا رؤوسهم إلى الأرض وقالوا لي: يا خالهاحسبيهم عند الله أحمد وعمر ماتا في حي النزال ليلة أمس ودفناهما في ساحة بيت حجيخليل الفياض.
لا أدري لماذا لم أبكي ساعة الخبر، قد يكون بسبب جزعيوتعبي من البكاء على المهيب أو من هول ما أنا فيه، إلا أني قلت لهم: هل ماتوامقبلين أم مدبرين فقال لي أحدهم: والله ماتا وهما مقبلين وأخذا ثأرهما قبل موتهما.
حمدت الله تعالى وطلبت منهم أن يدخلوا إلى الدار لأخذ الجريحين.
وبالفعل دخلوا فوجدوا أحدهما وهو العربي قد فارق الحياة بينماالثاني لا يزال حيًا أخذوا الجريح معهم بينما دفنوا الجريح الذي استشهد في حديقةداري أيضًا وتعجبوا من تمكني حفر قبرين في ساعة واحدة.
فأخبرتهم أنالقبر الذي تحت الزيتونة هو لابني مهيب والثاني لشهيد لا أعرفه وهو غير محفور بشكلجيد وطلبت من أحدهم استخراجه وتعميق الحفر له خوفًا على الجثة.
طلبوا بعدها مني أن آتي معهم حيث إنهم سيحاولون إخراجي من الفلوجةإلا أنني رفضت ذلك فتحدث معي أحدهم وكان غير عراقي وقال لي: يا أمي أنت فقدت ثلاثةمن أولادك وإحنا كلنا أولادك إن شاء الله احتسبي أحمد وعمر ومهيب في الجنة عندالله.
ذهبوا من أمام عيني مسرعين وعدت إلى داخلالدار أصلي الضحى، دارت بعدها ثلاث معارك في ثلاث ليالي طويلة، تمكنت خلالها من سحبأربعة شهداء آخرين ودفنهم في حديقة الدار، وبذلك أصبح في حديقة الدار سبعة قبورلسبعة شهداء امتلأت حديقة المنزل والبيت كله برائحة المسك لم أشم مثلها من قبل،وكانت تجعلني أشعر بالسعادة وتعطيني الصبر ونمت أربع ليالي على التراب بجوار قبرمهيب، وأنا أشم تلك الرائحة، نمت معه مثل الأم التي تحتضن ولدها عندما ينام، وبقيتمحبوسة في الدار مع الشهداء السبعة حتى يوم 13/1/2005 حيث دخل الهلال الأحمر بعدسماح الاحتلال له بالدخول من الاتجاه الشمالي أجبرني بالقوة على الخروج معهم إلىمخيم في الصقلاوية
وهناك علمت أن مهيب ورفاقه تم استخراجهم من قبلفريق المتطوعين من أهل الفلوجة بعد انتهاء المعركة ودفنهم مع إخوتهم في مقبرةالشهداء الجديدة.
هذه قصتي وأقولها على رغم كل الألم والمصاب الذيلحق بي، تمنيت أن يكون عندي ثلاثة آخرين يقتلون في سبيل الله.
علىالرغم من لوعتي عليهم إلا أن أمك تفتخر كونها أم الشهداء.
اختتمتأم الشهداء حديثها ببيت شعر بدوي بالكاد تمكنا من كتابته قالت إنه لعلماء المسلمينالذين يضعون العمائم على رؤوسهم، أهدي لهم هذين البيتين أقول لهم ماذا ستقولون يومالوقوف بين يدي المنتقم الجبار قالت فيه
"بيكم هكينا وعبالنااحمولنا اتشيلون
وما حسبنا بيكم بالمصيبة اتروغون
بيكم هكينا ( هكينا وتعني توقعنا ) وعبالي نشامة أحباب
يا حيف خاب الأمل كله وطلع جذاب (كذاب
طبعا هذي القصه وصلتني عن طريق الايميل الخاص
::38:: ::38:: ::38:: ::38::