السفير
03-30-2007, 06:18 AM
بغداد عائدة لأن دجلة لا يموت
لم ينج في بغداد شيء من بغداد التي عرفناها، ودجلة أوغل في السفر حتى ظن انه تاه عنها. هل خانته الذاكرة أم لعله نسي ملامح المرفأ القديم. كان الموت احن على مدن أخرى: هيروشيما مثلا، فالكل اندثر هناك دفعة واحدة، مات دون أن يدري. لكن بغداد، التي كتبت تاريخها يوما ونظرت إلى غيرها من علّ، تموت كل يوم على صليب مشتعل، تعيش كي ترى مشاهد من اغتيالها، يهتك لحمها نصل غريب. بغداد تحسد برلين ونغازاكي ولينينغراد، فسقوطها لم يكن ملحميا ولا بطوليا، وهي وان لم تمت في نظر نفسها، فإننا قد دفناها ومضينا.
كأن المدينة النازفة كانت تنتظر من يريحها من معالم وجهها حتى يكون الموت كاملا. في شارع المتنبي لم يبق شيء من رائحة الكتب القديمة ولا من ضجيج المارة ولا من بريق التاريخ. تبخرت بغداد التي في الذاكرة وذبلت. لم يبق من شوارعها وحاراتها الا ما علق على جدرانها من دموع القاطنين وآهاتهم. في شارع المتنبي دم بلون الحبر وأجساد كفنتها صفحات الكتب؛ ونصل غريب يمعن في امتهان الجسد. هل ضل القاتل طريقه ففجر مفخخاته في وسط شارع المكتبات ربما على سبيل الفضول؟ رموز بغداد، متاحفها وقصورها وساحاتها وشوارعها، انتهكها الطاعون، والنصل الغريب لا يزال يبحث عن روح الضحية؟
بغداد لم تختر ميتتها وان كان رجع صهيل خيول المغول لا يزال يسمع في نهايات الليل. والمدن لا تلملم أشلاءها إلا بعد أن يترجل فارسها وتتشح نساؤها بثوب يفيض سواده على مدن أخرى. ودجلة الذي يعود غريبا تستفزه عجمة المنظر والهواء يحفظ في ثنايا مائه حكايات بغداد ولياليها الألف. سيعود النهر يوما ليلاقي نده، غرين وماء وشط يحفظ اسمه ولو بعد حين. وحينها سيسرد النهران تلك الحكايات ليوقظا المدينة من سباتها الطويل.
لكن بغداد تعج بالغزاة، وهم وان أطلقوا أسماءهم على شوارعها وأحيائها فهناك من يحفظ الأسماء القديمة ويدون يومياته على آجر من حدائق بابل؛ وفلسطين والكرادة والأعظمية والمتنبي والمستنصرية وأبي نواس والمسيب وغيرها. هناك من يبقي جمرة تتلظى ليوقد بها نارا في ليلة تولد فيها المدن، وهناك من يردد شعرا ويكتب أغنية وينحت تمثالا وينقش ذاكرة. والا فمن يرد للمدينة وديعتها بعد أن يرحل الغريب؟ من يمنحها روحها ورائحتها، ضجيجها وصمتها، سباتها وصحوتها؟ من يسجي الجسد المنتهك على مذبح الآلهة ليشهد انبعاثه؟ بغداد عائدة لأن دجلة لا يموت.
لم ينج في بغداد شيء من بغداد التي عرفناها، ودجلة أوغل في السفر حتى ظن انه تاه عنها. هل خانته الذاكرة أم لعله نسي ملامح المرفأ القديم. كان الموت احن على مدن أخرى: هيروشيما مثلا، فالكل اندثر هناك دفعة واحدة، مات دون أن يدري. لكن بغداد، التي كتبت تاريخها يوما ونظرت إلى غيرها من علّ، تموت كل يوم على صليب مشتعل، تعيش كي ترى مشاهد من اغتيالها، يهتك لحمها نصل غريب. بغداد تحسد برلين ونغازاكي ولينينغراد، فسقوطها لم يكن ملحميا ولا بطوليا، وهي وان لم تمت في نظر نفسها، فإننا قد دفناها ومضينا.
كأن المدينة النازفة كانت تنتظر من يريحها من معالم وجهها حتى يكون الموت كاملا. في شارع المتنبي لم يبق شيء من رائحة الكتب القديمة ولا من ضجيج المارة ولا من بريق التاريخ. تبخرت بغداد التي في الذاكرة وذبلت. لم يبق من شوارعها وحاراتها الا ما علق على جدرانها من دموع القاطنين وآهاتهم. في شارع المتنبي دم بلون الحبر وأجساد كفنتها صفحات الكتب؛ ونصل غريب يمعن في امتهان الجسد. هل ضل القاتل طريقه ففجر مفخخاته في وسط شارع المكتبات ربما على سبيل الفضول؟ رموز بغداد، متاحفها وقصورها وساحاتها وشوارعها، انتهكها الطاعون، والنصل الغريب لا يزال يبحث عن روح الضحية؟
بغداد لم تختر ميتتها وان كان رجع صهيل خيول المغول لا يزال يسمع في نهايات الليل. والمدن لا تلملم أشلاءها إلا بعد أن يترجل فارسها وتتشح نساؤها بثوب يفيض سواده على مدن أخرى. ودجلة الذي يعود غريبا تستفزه عجمة المنظر والهواء يحفظ في ثنايا مائه حكايات بغداد ولياليها الألف. سيعود النهر يوما ليلاقي نده، غرين وماء وشط يحفظ اسمه ولو بعد حين. وحينها سيسرد النهران تلك الحكايات ليوقظا المدينة من سباتها الطويل.
لكن بغداد تعج بالغزاة، وهم وان أطلقوا أسماءهم على شوارعها وأحيائها فهناك من يحفظ الأسماء القديمة ويدون يومياته على آجر من حدائق بابل؛ وفلسطين والكرادة والأعظمية والمتنبي والمستنصرية وأبي نواس والمسيب وغيرها. هناك من يبقي جمرة تتلظى ليوقد بها نارا في ليلة تولد فيها المدن، وهناك من يردد شعرا ويكتب أغنية وينحت تمثالا وينقش ذاكرة. والا فمن يرد للمدينة وديعتها بعد أن يرحل الغريب؟ من يمنحها روحها ورائحتها، ضجيجها وصمتها، سباتها وصحوتها؟ من يسجي الجسد المنتهك على مذبح الآلهة ليشهد انبعاثه؟ بغداد عائدة لأن دجلة لا يموت.