Guevara17
09-04-2006, 06:51 PM
الحكمة الضائعة
نحن نعجب بالعبقرية والعباقرة لعدد كبير من الأسباب. لعل من أهمها أننا نعجب بإنجازاتهم وأعمالهم العظيمة التي لا تخفى علي الناس وتصل نتائجها غالبا إلى الملايين من البشر لتضفي علي حياتهم المتعة والراحة والشعور بالسيطرة علي البيئة والنفس. لقد غير "جاليليو" و"نيوتن" من مفاهيمنا عن العالم الطبيعي والبيئة المادية، ومثلهما فعل "داروين" و"أينشتي" و "زويل". وأثري "باخ" و "موزارت" حياتنا بما ابتكروا من موسيقي وألحان، ومثلهما فعل "بتهوفن" و"تشايكوفسكي" و"هندل" .
فضلا عن هذا، لا يقتصر إعجابنا بالعبقرية والإبداع على تلك المنجزات بل تتعداها إلى أشياء أخرى. فعبقرية "شكسبير" مثلا لا تقتصر على الآفاق العقلية غير المتناهية التي فتحها أمامنا من خلال مسرحياته، بل امتد بآثاره علي اللغة الإنجليزية ذاتها مطورا إياها ومحققا من خلال الكلمة واللغة عوالم وآفاق لم تكن موجودة من قبل ولم يعد بإمكاننا الاستغناء عنها بعد اكتشافها. ومثله فعل "نجيب محفوظ" لا بالأعمال الروائية العظيمة التي أبدعها فحسب بل بما تركه من آثار عميقة في اللغة والنقد والأدب، والسلوك البشري والاجتماعي. وأضافت مساهماته للأدب العربي والعالمي الكثير بمقاييس التذوق الفني والأصالة والوعي بالحياة الإنسانية بحيث لم يعد بإمكان العقل أن يتقلص في فهمه وتذوقه للحياة البشرية إلى ما كان عليه من قبل.
فالمبدع العبقري إذن إذا أردنا أن نعرفه بشكل عام: شخص استطاع أن يتجاوز المقاييس العادية من خلال أعماله الخلاقة في الأدب أو الفن أو العلم، أو أي حقل من حقول المعرفة والنشاط.
ولأن العمل الإبداعي يحقق الكثير لصاحبه ولمجتمعه، ولأنه يتطلب قدرات شخصية هائلة لا تكون عادة متوفرة أو محتملة أو ممكنة للآخرين، تطورت نظريات واتجاهات فكرية مختلفة تفسر سلوك المبدعين بالاضطراب العقلي والجنون. ولكثرة ما كتب مؤيدا لهذا الرأي، أصبحت صلة الإبداع بالجنون والاضطراب النفسي هي الأمر الشائع والقريب للذهن عند تفسير الجوانب الغامضة والمبهمة في سلوك المبدعين وتطور العملية الإبداعية.
ويعتبر هذا المقال إعادة قراءة، أو بالأحرى إعادة تنظيم للوقائع والأفكار المتجمعة عن موضوع الصلة بين العبقرية والجنون أو بلغة نفسية معاصرة عن الإبداع وصلته بالاضطراب النفسي. رؤيا تضم بعض الحقائق الرئيسية التي تراكمت في دراسة السير الذاتية للمبدعين، فضلا عن النتائج التي ولجت ميدان علم النفس إثر تطور حركة القياس النفسي، وما ساندها من تجارب علمية متخصصة. وتضم بعض الحقائق المعاصرة عن طبيعة المرض النفسي والعقلي، لنقارن بين الخصائص الشخصية والضغوط التي تسود حياة المبدعين، والمرض النفسي أو العقلي بالمعني الإكلينيكي المتعارف عليه.
أما لماذا بقي التفسير المرضي للإبداع قائما بالرغم من كل النتائج المعارضة لذلك، فقد كان في تصورنا راجعا في كثير من جوانبه لعدم الإلمام ببعض المفاهيم الحديثة في علم النفس بما فيها مفهوم الضغوط النفسية، وخلطه بمفهوم المرض النفسي. ولهذا خصصنا الفصل السادس لمناقشة الضغوط التي تفرضها أحداث الحياة علي المبدع. فالمبدع يتعرض لنصيب وافر من المنغصات التي تأتيه من جهات متعددة، وجوانب متنوعة من الضغوط النفسية والانفعالية والاجتماعية تثيرها:
· حاجاته الخاصة للنمو و الارتقاء بعمله، والتجويد في أدائه.
· ظروفه الصحية والمادية والمعيشية، والتي قد يتعارض إشباعها على نحو شديد مع احتياجاته للاستمرار في عمله وممارسة واجباته الإبداعية
· والمبدع في نفس الوقت يعيش في مجتمع له أيضا متطلباته الخاصة التي يحاول أن يفرضها على الفرد المبدع، بما في ذلك حتى القيمة التي يراها في إبداعات هذا الشخص، ومدي ما يمنحه للعمل الإبداعي من اعتراف أو تقدير أدبي أو مادي.
· فضلا عن هذا وذاك، هناك الأخطاء الشخصية التي يرتكبها المبدع في حق نفسه أو في حق الآخرين. إن كل ما يتعلق بالعوامل المزاجية وسمات الشخصية وأساليب التعامل الاجتماعي الخاطئة، والتقلبات الانفعالية جميعها تنتمي لهذه الفئة من العوامل
و لابد أن نعترف مع هذا أننا لم نهدف بتقديم هذه الرؤيا إلا التمهيد لطريق مختلف من الفهم لوقائع موجودة بالفعل، وليس إلي تقديم رؤيا جديدة تنشد الكمال أو شيئا قريبا من الكمال. أجل التمهيد لطريق مختلف يمكننا من خلاله الإشراف على مشهد جديد وصياغة مختلفة لوقائع موجودة في دراسة هذا الموضوع الحيوي لا أكثر ولا أقل.
موقع بين تيارين من التفكير
في عبارة متهكمة، وصف "برتراند راسل" "أر سطو" قائلا:
"ذكر أر سطو أن للنساء عددا أقل من الأسنان، ولكنه (أي أرسطو) و بالرغم من أنه تزوج من امرأتين لم يكلف نفسه مرة أن يقوم بفحص "فم" أي من زوجتيه ليتحقق من صحة هذا الرأي المزعوم".
وهي عبارة تكشف بوضوح عن الفرق بين العلم والفلسفة في عبارة تهكم فيها "راسل" من سيطرة الفكر اليوناني، وافتقاد "أرسطو" لأبسط قواعد العلم عندما تبني هذا الزعم الذي تدحضه كل الملاحظات. وبذلك تخلى "أرسطو" عن حقيقة رئيسية تصف العلم والتفكير العلمي, لأن العلم يعتمد على احترام الوقائع وعلي تقديم البراهين لإثبات الرأي أو دحضه.
وفي موضوع كالعبقرية والإبداع وصلتهما بالمرض النفسي، يلاحظ المتتبع للتفسيرات الفلسفية والنظرية العامة لهذا الموضوع شيئا من هذا الخلط. فنجد الكثير من المزاعم المنتشرة في الأوساط الثقافية العامة بأن العبقرية والإبداع يلتحمان بالجنون دون أن نكلف أنفسنا البحث و النظر في عشرات الملاحظات الداحضة والمعارضة لهذا الرأي.
عالم الإبداع عالم مثير ومليء بجوانب من البحث والدراسة لا تزال خافية عن البعض، ودوافع العمل الإبداعي لا تخلو من التعقيد، وحياة المبدعين نتاج لكثير من العناصر النفسية والاجتماعية والحضارية التي لا يجوز التعامل معها بالتبسيط والاستخفاف، لأن ما يقدمه الإبداع والمبدعون للمجتمع، ولحياتنا بجوانبها التكنولوجية والفنية والاقتصادية والفكرية كثير وملئ بالثراء والعطاء. ولعلنا لا نبالغ إن ذكرنا بأن كل جوانب التقدم (وربما الهدم والدمار)، في أي جانب من جوانب الحضارة والثقافة الإنسانية مرهون بما تقدمه هذه الحفنة البسيطة من العقول اللامعة والمبدعة في أي مجتمع. و لهذا فمساهمات الإبداع والمبدعين في حياتنا أمر لا يجوز إغفاله وينبغي معرفة شروطه ودراسته علي نحو يسمح لنا بالاستفادة الملائمة بتلك الإسهامات.
ومع ما للقدرات الإبداعية من أهمية، فإن دراستها ومعرفة شروط نموها، والعوامل التي تيسر ظهورها، أو التي تعوق هذا الظهور لازالت محدودة بشكل مؤسف. فلازالت دراسة الموهبة الإبداعية متروكة لتيارين متطرفين من التفكير. يغرق أحدهما في تعميمات نظرية فضفاضة، وهو التيار الذي تتبناه طائفة كبيرة من المفكرين والفلاسفة ونقاد الأدب والفن، وبعض المنتمين لنظريات التحليل النفسي الفرويدي المبكرة. أما التيار الآخر فيغرق في الاهتمام بجمع وقائع جزئية يتعذر في كثير من الأحيان وضعها في إطار متسق من التفكير والنظر.
ويبدو أن صلة الإبداع بالمرض النفسي والعبقرية قد عانت أكثر من غيرها من موضوعات السلوك الإنساني من تجاذب هذين التيارين. فلا زال المدقق في دراسة هذا الموضوع يجد نظريات فضفاضة ورثناها من التفكير الفلسفي الممتد في مئات الأعوام الماضية من حياتنا الفكرية والحضارية الماضية، وهو التيار الذي يربط علي نحو آلي بين العبقرية والجنون، ويري أن العبقرية دالة على الجنون، أو أن في الجنون نوع من العبقرية.
وكان من الطبيعي أن يتبلور بفضل تقدم المنهج العلمي، اتجاه علمي معارض لهذا الاتجاه الفلسفي الفضفاض بهدف دراسة الصلة بين العبقرية والمرض، وهو ما يمثل الاتجاه الثاني من التطور.
وقد سيطر علي هذا التيار- الذي يمكن أن نطلق عليه تيار القياس النفسي- الدارسون المنتمون لعلم النفس التجريبي، والتحليل العاملي وما يستند إليه من علاقات وارتباطات إحصائية. وهو تيار -بالرغم من أننا لا نستطيع أن نغفل إمكانياته الهائلة-لم يخلو من بعض المثالب. فقد أغرق أصحابه بجمع وقائع جزئية، انطلاقا من مفهوم ضيق عن الموهبة الإبداعية.
نمو حركة القياس النفسي الممثلة لهذا التيار الثاني من التفكير، قدمت إنجازات هائلة في دراسة الإبداع بشكل عام، فأصبح لدينا- بفضل حركة القياس النفسي وتطورها علي مر السنين الماضية- عشرات من مقاييس العمليات العقلية العليا (كالإبداع)، ومقاييس المرض النفسي والصحة النفسية. وهناك مع ذلك كثير من التحفظات التي تؤخذ علي حركة قياس العمليات العقلية العليا- كالإبداع أو الذكاء- بحجة أنها أشياء تتعذر علي القياس والتقدير. وبالرغم من هذه التحفظات، فإن أصحاب هذا الاتجاه، تجدهم يتفقون مع المقولة التي دعا لها العالم الأمريكي "ثور نديك" منذ أكثر من 50 عاما بأن كل شيء موجود يوجد بمقدار، ولهذا يمكن قياسه."
وصحيح أن ما قدمه هذا التيار العلمي من اهتمامات مكثفة قد ساهم في إزالة الكثير من جوانب الغموض في دراسة الصلة بين العبقرية والمرض، لكن الدارسين الذين اعتنقوا هذا التيار أغرقوا للأسف في التركيز الضخم علي التكنيك، وجمع الوقائع المجزئة مما عرقل من النمو المعرفي المدقق في فهم الظواهر المحيطة بالإبداع من جهة والظروف الاجتماعية و عوامل الشخصية من جهة أخري. ولهذا كان من الصعب علي الباحث أن ينتقل من دراسة القدرات الإبداعية كما يقيسها علم النفس المعاصر، إلي دراسة الإنسان المبدع الفعلي في بيئته الفعلية، وأصبحت الفائدة التي جنيناها بفضل 5. عاما من التطور في الدراسات التجريبية-النفسية لهذا الموضوع محدودة.
قبل أن أترك هذه النقطة، أسارع إلي القول أنني لا أود أن أقحم نفسي في الدفاع عن هذه النظرية أو تلك، ولا أود أن أتورط في تعميمات عن صحة أي منهما. كما أنني لا اعتقد أننا في حاجة لتبني وجهات نظر كاملة تدعو لها مدرسة أو أخرى من التفكير السيكولوجي أو الفلسفي. إننا نحتاج في الفترة الراهنة لإعادة النظر فيما تجمع لدينا من حقائق فلسفية أو تجريبية، ونحتاج لإعادة قراءتنا للبحوث التجريبية وللجهود النظرية علي السواء والتي تراكمت علي مر الأعوام السابقة في دراسة هذا الموضوع الحيوي: صلة العبقرية بالمرض النفسي. ونحتاج لعملية تنظيم بين الوقائع المتجمعة. عملية تنظيم وقائع أي في وضعها في قالب نظري يجمع ببين نتائج التيارين السابقين من التفكير في نظام نظري متسق، يسمح بمواصلة البحث، وبالاستفادة التطبيقية بما أنجزنا من تفكير أو فهم لهذه العلاقة.
ونحتاج فضلا عن هذا أن نضم عند إعادة قراءتنا، وإعادة تنظيمنا لهذه الحقائق الفكرية والتجريبية المتجمعة عن الصلة بين الإبداع والمرض، أن نضم إليها رؤية تركز على حقيقة ما يلعبه الصراع الاجتماعي في حياة المبدعين.
فالعمل الإبداعي في حقيقته يعني ابتكار شيء جديد عن الموضوع الذي نبدع فيه، أي شيء مختلف عما اعتاد عليه الذهن أو التفكير السائد من تصورات وحلول تقليدية. ولهذا فالعمل الإبداعي مهدّد للآخرين بطبيعته. مهدد من حيث أنه يقدم رؤيا مختلفة، والشيء المختلف لا يثير الترحيب دائما.
والعمل الإبداعي مهدّد من الناحية العملية للآخرين وأصحاب مراكز القوة الفكرية والعلمية والأكاديمية في داخل المجتمع والمستفيدين بالشكل التقليدي السائد من التفكير والنظريات. والشيء المهدد في العادة مثير للنفور، والاعتراض والاحتجاج والمخاصمة. ومن ثم، فإن عمليات الصراع الاجتماعي تبرز كما لو كانت أحد البديهيات الرئيسية في دراسة الإبداع.
ولا يمكن في تصورنا فهم الصلة بين الإبداع والمرض دون أن ندرس ما تتركه هذه الصراعات والمشاحنات الاجتماعية من نتائج علي السلوك، والشخصية. ومن ثم فإن أي إعادة قراءة للإبداع من حيث صلته بالمرض النفسي أو العقلي لابد أن تستفيد بما تقدمه دراسات علم النفس الاجتماعي المعاصر.
ونحتاج أيضا أن نضم إلي رؤيتنا ما قدمته العلوم النفسية المعاصرة في دراستها للعوامل التي تحكم العلاقات بين الظواهر الفكرية (كالإبداع)، والظواهر الانفعالية والشخصية والصحية (كالمرض النفسي والعقلي والجسمي)، ونعني هنا بشكل خاص ما يسمي بعلم النفس الطبي. فقد قدم علم النفس الطبي- الذي يعتبر من أحدث الفروع المعاصرة في علم النفس خلال السنوات العشر الماضية_ قدم كثيرا من المفاهيم التي يري الكاتب الحالي أنه ستكون لها نتائج هامة في فهم كثير من جوانب الصحة والمرض في حياتنا بشكل عام، وفي حياة المبدعين بشكل خاص.
ومن المفاهيم التي قدمها علم النفس الطبي: مفهوم الضغط النفسي أو الضغط الانفعالي emotional stress. وأعتقد شخصيا أن هذا المفهوم سيساعد علي إعادة فهمنا لكثير من جوانب الصحة أو المرض، وأن نتناول هذه الجوانب بطريقة أكثر رحابة، وأكثر تجاوزا للمفاهيم التقليدية التي ورثناها من الطب النفسي المعاصر، والتي كانت تطبق علي نحو متعسف في أي محاولة لفهم العبقرية والعباقرة.
إذن فقد وصل علم النفس الطبي في العقدين الأخيرين مرحلة من التطور لم يعد من المقبول في ضوء ما حققه من إنجاز أن ننظر للمبدع علي أنه مصاب بالفصام أو الهستيريا، أو المرض العقلي لمجرد وجود تشابه جزئي في الأعراض التي تصف المصابين بهذه الأمراض، وبعض الأعراض التي تتملك المبدعين عندما يكونوا تحت تأثير الضغوط النفسية التي يفرضها العمل الإبداعي ذاته أو ما يثيره هذا العمل في الوسط الاجتماعي المحيط بالمبدع.
وتحتاج إعادة قراءتنا، أيضا، لرؤيا تهتم بتشخيص المشكلة وعلاجها معا. فعمليتي التشخيص والعلاج كما يراها العالم النفسي المعاصر عملية تلتحم بالتشخيص. فعلم النفس المعاصر لا يكتفي بالقول بأن الإبداع يرتبط أو لا يرتبط بالمرض النفسي أو العقلي، بل يهتم بتحديد الشروط النوعية التي إن وجدت كان من السهل تحديد هذه الصلة أو نفيها. وهي العملية التي جري عرفنا نحن العاملون بحقل الصحة النفسية بوصفها بأنها عملية التشخيص. ولا يكتفي العالم النفسي بالوقوف عند عملية تشخيص المشكلة، ومعرفة شروطها، بل وأصبح قادرا علي أن يقدم العلاج، من خلال إما: التحكم في هذه الشروط، وتقديم المقترحات العملية التي تساعد علي إزالة الشروط المنفرة التي من شأنها أن تؤثر في القدرة الإبداعية والمبدع سلبا، أو تكوين شروط إيجابية تساعد علي خلق شروط صحية مرغوبة تضمن للمبدع الاستمرار في نشاطاته الإبداعية بأكبر قدر ممكن من الصحة والحيوية، أو من خلال:
الجمع بين هاتين العمليتين معا أي أن يساعد علي إزالة شروط منفرة ومعارضة للصحة النفسية مع تدعيم وخلق شروط إيجابية تزيد من الرصيد الصحي والفاعلية.
لهذا فالتقدم المعاصر في علم النفس الإكلينيكي السلوكي، وما يقدمه من مناهج تساعد علي تعديل السلوك علي نحو صحي، يعتبر من أحد المكاسب الرئيسية التي لم نجد- في حدود علمنا- من أولاها اهتماما يذكر عند الحديث عن الإبداع والمرض. فالمبدع فوق كل اعتبار آخر هو إنسان، معرض كغيره لكثير من الضغوط، (بل هو معرض لهذه الضغوط أكثر بكثير من الآخرين لأسباب سوف نتعرض لها في مواقع مختلفة من هذا الكتاب). والمبدع لهذا يحتاج للاستفادة من الدروس التي تقدمها حركة العلاج النفسي والسلوكي المعاصرة لتخليص حياتنا من الشوائب المرضية التي تتملكنا بين الحين والآخر.
أمثلة ونماذج من الاضطراب في حياة العباقرة والمبدعين
"وصلت إلى أسوان كالساهر الذي طوى الليالي وصالا بغير راحة، ثم ركن بجنبه لحظة واحدة إلى طرف الفراش. إنه في سهرته، يواصل الحركة ولا يبالي متى يرقد ليستريح، ولكنه يرقد لحظة واحدة فلا يدرى متى هو قادر على النهوض.
"وتملكتني فكرة الموت العاجل، فأدهشني أنني لم أجد في قرارة وجداني فزعا من هذه الفكرة، وكدت أقول لنفسي أنني أطلبها ولا أنفر منها...!
“ وأخال أن صدمة اليأس كانت أشد على عزيمتي من صدمة المرض، أو على الأصح، من صدمة الإعياء...
"وأشد ما أصابني من هذا اليأس أنه كان يأسا من جميع الآمال، ولم يكن يأسا من أمل واحد، كان يأسا من معنى الحياة، ومن كل غاية في الحياة.
“ هو الموت إذن كما استقر في خلدي بلا أثر ولا خبر، وهو الموت إذن أمضى إليه صفر اليدين من مجد الأدب ومجد الدنيا، ومن كل مجد يبقى بعد ذويه...
" وهل هذا يليق؟ يا ضيعة لرجاء المجد المتطلع إلى عشاق وعبادة؟"
بهذه العبارات السابقة رسم " عباس محمود العقاد" مشاعره خلال فترة معاناة حادة في حياته المبكرة في مدينته بأسوان. ومن المؤكد لو أننا طلبنا من أي طبيب نفسي أن يصف لنا حالة هذا الكاتب الكبير من خلال تلك العبارات لما تردد أن يصف حالته بالاكتئاب. ففي هذه العبارات وصف نموذجي لاضطراب الاكتئاب ، بما في ذلك العجز عن الاسترخاء والنوم، و مشاعر اليأس والتشاؤم، والإرهاق البدني، والإحساس بالركود والإعياء والعزوف عن النشاط الإيجابي، والشكاوى البدنية، وعيادة الأطباء، والترحيب بالموت. وفي تعليق له علي هذه الحادثة، روى لأنيس منصور (الذي حاول هو بدوره الانتحار عندما كان تلميذا صغيرا) ما ألم به من معاناة واضطراب التفكير. قال العقاد: يومها يا مولانا.. لم أجد شيئا يتفق مع عقلي.. وليس لي إلا عقلي، لم أجد منطقا لأي شيء.. وجدت كل الناس مجانين، وأنا العاقل وحده، وجدت كل شيء قد اختلت موازينه.. بل انعدمت موازينه، وأنا وحدي الذي أمسك ميزانا.. ما فائدته؟.. ما فائدتي؟.. إذن فليس مرغوبا، ولا مطلوبا أن أعيش، أو حتى أن أكون، فقررت أن لا أكون.. فإذا كان وجودي ليس باختياري، فليكن موتي باختياري. و ما قاله العقاد يكشف عن صورة مألوفة لما يلعبه الاكتئاب والاضطراب النفسي في حياتنا من تشوش قي التفكير، وتشاؤم في المزاج، وتطرف في إدراك الأمور بأسوأ التوقعات.
ولم يكن عباس “العقاد” بين العظماء وحيدا في هذا المجال، ولا أول ولا آخر من عاني أو سيعاني من الاكتئاب والاضطراب النفسي. مثلا يكتب لنا الطبيب النفسي "رونالد فييف"Fieve, وهو طبيب نفسي معاصر، ارتبط اسمه باكتشاف عقار الليثيام Lithium المعروف بتأثيره الإيجابي في علاج حالات التقلب الوجداني-، يكتب لنا كتابا يطلعنا فيه في فصل كامل يوثق فيه ما يدل على أن بعض المشاهير السياسيين من أمثال "إبرا هام لينكلن" Abraham Lincoln محرر العبيد ورئيس جمهورية الولايات المتحدة، و"ثيودور روزفلت" Theodor Roosevelt، و"وينستوتشر شل" Winston Churchill، قد عانوا بالفعل من درجات حادة من التقلب الوجداني، التي كان الاكتئاب من أحد ملامحها الرئيسية. فـ”لينكلن”، فيما يصف لنا "فييف"، عانى من نوبات اكتئابية منذ فترة مبكرة في العشرينات من العمر، وإلى أن كان محاميا، واستمرت معاناته منه حتى أصبح رئيسا للولايات المتحدة. ذكر هو نفسه ذلك في خطاباته، وكتب عن معاناته المقربون منه، ومن عملوا معه. ولأن موجة الاكتئاب واليأس التي كانت تصيب “لينكلن”، كانت تتلوها فترات من النشاط الزائد، والإغراق الشديد في العمل، فقد افترض “فييف” أن “لينكلن” عانى من حالة من الجنون الدوري الخفيف، أي ذلك النوع من الاضطراب الدوري، والتقلب المزاجي الحاد بين الاكتئاب والهوس. ولأن أسرة “لينكلن” قد خلت من حالات مماثلة من هذا الاضطراب، فقد افترض “فييف” أيضا أن الاكتئاب الذي أصاب “لينكلن” لم يكن بسبب عوامل وراثية معروفة، لقد كان أقرب ما يكون لما يسمى بالاكتئاب الاستجابي.* والدليل على ذلك، أن الاكتئاب ظهر لديه مبكرا في العشرينات من عمره إثر وفاة حبيبته الأولى. إذ دخل بعدها في موجة حادة من الاكتئاب، وكان يُشاهد وهو يتجول ويهيم هنا وهناك على شاطئ البحر، وبين الغابات. وكان يصفه من يراه، بأنه كان يبدو مشتتا، غائب الذهن، مطأطئ الرأس، مستغرقا في ذاته وأحزانه. ولم تشفع له فيما يبدو حتى حياته التالية عندما أصبح رئيسا للولايات المتحدة، فقد كانت تنتابه نوبات من الاكتئاب منذ الشهور الأولى لتوليه الرئاسة، تميزت بالإنهباط الحاد في الطاقة على الفعل والحركة، والرغبة في الانزواء بنفسه، في ظروف كانت تتطلب منه الدخول في معارك سياسية حاسمة. وقد ازدادت حدة المرض لديه، عندما توفى ابنه في البيت الأبيض. بعدها ازدادت حالته سوءا لدرجة انه جعل من يوم الخميس من كل أسبوع يوما للعزلة، والإغراق في الحزن، يعتكف خلاله بعيدا عن الآخرين بما في ذلك حتى نشاطاته في توجيه أمور الدولة.
أما الصورة التي أخذها هذا الاضطراب لدى “روزفلت”، فقد تماثلت مع الصورة نفسها لدى “لينكلن”، بفارق أساسي واحد، هو أن الاضطراب الدوري الذي غلب على “روزفلت”، كان يجنح نحو الاستثارة الشديدة. فقد كان “روزفلت” دائم الحركة والنشاط، لا يكف عن العمل. صحيح أنه كان يتعرض بين الحين والآخر لنوبات من الاكتئاب ،إلا أنها كانت بالمقارنة بـ ”لينكلن” فترات قصيرة، كان يرجع بعدها لروحه المتفائلة النشطة. مثلا تعرض للملانكوليا مرتين: المرة الأولى عندما توفيت زوجته الأولى بعد أربعة سنوات فقط من الاقتران بها أثناء ولادتها، وماتت أمه بعد 12 ساعة من وفاة زوجته. يقول معاصروه أنه بالرغم من الاكتئاب الذي أصابه نتيجة لتلازم الكارثتين معا، فإنه،على عكس ما كان يحدث لـ ”لينكلن”، سرعان ما تراجع عن حزنه، ليعود لممارسة نشاطاته السياسية المعتادة، وليتزوج مرة أخرى بعد سنتين من وفاة زوجته الأولى، لينجب منها خمسة أطفال. ويقول معاصروه أيضا أنه كان يغرق نفسه في نشاطات يومية خارقة فسرها "“فييف" بأنها علامة على سيطرة موجة الهوس عليه. فقد ذكرت سكرتيرة "روزفلت" أنه كتب خلال فترة رئاسته ما يقرب من 150 ألف رسالة، بقى محفوظا منها حوالي 100 ألف. وإذا صح ما يقوله مؤرخون من أنه كتب ما يعادل 18 مليون كلمة، فهذا يعادل عمل 10عاما من الإنتاج الأدبي لكاتب أدبي نشط.
أما "تشر شل" فقد عرف عنه أنه كان مستهترا بحياته ونقوده، ولا يولي نتائج أعماله ما يليق بها من اهتمام، لدرجة أن "لويد جورج" غريمــه السياسي طالب بوضعه تحت المراقبة، و"فرملته"،خوفا من نتائج أعماله على مصير بريطانيا العظمى. وهذه الخصائص كانت تميزه في الحالات التي لم يكن فيها مكتئبا، أي في حالات الهوس. وفى مثل هذه الحالات عرف عن “تشر شل” أنه كان لا يتوقف عن الكلام، وانه يقول ما كان يعن له دون ضوابط، وكان ”روزفلت” لا يتوقف عن الكلام ولا يترك للآخرين فرصة للحديث أو لإبداء الرأي. واشتهر عنه أيضا أنه يتحول في مثل هذه الحالة إلى إنسان متسلط، محب للسيطرة، وللدخول في نشاطات متعددة ومتعرضة بما فيها الكتابة الأدبية والسياسية، والممارسات اليومية، وتوجيه دفة الحرب ضد هتلر، وبناء الدولة في مواجهة السيطرة النازية في أوربا، وبدء وتنفيذ مشاريع طموحة، لم يكن بمقدوره متابعتها فكان يتركها لمعاونيه لإنهائها إيجابا أو سلبا.
ولكنه كان أيضا يتعرض لحالات من الاكتئاب الحاد، طوال عمره تقريبا، كان يسميه بلغته الأدبية "الكلب الأسود " black dog، لوصف المعاناة التي كانت تنهشه خلال أزمة الاكتئاب. يكتب "“تشر شل”" عن إحدى هذه النوبات العبارات المعبرة التالية: "عندما كنت شابا في مقتبل العمر، مرت على لحظات طويلة، كنت أشعر خلالها أن أضواء الأمل في حياتي قد خبت، كنت خلالها أعجز عن العمل إلا في حالة الضرورة القصوى. كنت أجلس في "مجلس العموم،" والاكتئاب الأسود يجثم فوق كاهلي... لقد فقدت في تلك الفترات تماما حتى الرغبة في الخروج إلى العالم الخارجي. وأكد طبيبه الخاص هذه الحقيقة، فذكر أن أحد زملاء "تشرشل" وصفه أنه كان دائما يبدو مكتئبا، وأنه عندما بلغ الخامسة والخمسين من العمر كان يبدو دائما يائسا، ولم يكن يرى إلا الجانب المعتم من الحياة، حتى أنه لم يستطع أن يخبئ إحساسه بالاكتئاب الدائم. كان يرى أن حياته لم يعد لها معنى، وأن نهايته وشيكة.
في تلك الفترة، بدا “تشر شل” يبدي بوضوح عدم اكتراثه لما يدور حوله، وتوقف عن قراءاته، و عزف عن الحديث إلا فيما ندر، وهو الذي كان معروفا بحبه في الإفراط في الحديث، وبالهيمنة على أي نقاش عادى.وقد كتب قبل وفاته بفترة قصيرة: "لقد أنجزت الكثير ولكنني لم أكسب في النهاية شيئا."
أما الرئيس الأمريكي "وليام جيفرسون كلينتون" فقصصه مع عشيقاته، وممارساته الجنسية الطائشة معهن في داخل البيت الأبيض لم تعد خافية على أحد. فحياته السياسية والأسرية وإنجازاته تهددت تماما بسبب هذه الفضائح التي أدت في النهاية إلى محاكمته، وإلى احتمالات عزله من الرآسة. لقد وصف المقربون من "كلينتون" بما فيهم أفراد أسرته، وأعضاء حكومته وحزبه وصفوه بالطيش ودمغوه بالنزق والاندفاع. أما المعارضون فقد نظروا لسلوكه هذا مع المعلومات الكاذبة والمضللة للعدالة التي فسر بها هذا السلوك، على أنها أمور لا تليق برئيس أعظم دولة في العالم. ومن ثم فقد طالبوا باستقالته أو إقالته بسبب الشك في إمكانياته النفسية والخلقية التي ستعوق من وجهة نظرهم أدائه لدوره بطريقة فعالة. ومهما تكن النتيجة، وإلي أن تظهر نتيجة هذا الصراع الدائر على المستوى السياسي والحزبي، فقد نظر علماء النفس والطب النفسي إلى تصرفات "كلينتون" بأنها تكشف بلا شك عن سلوك مضطرب ومختل يفتقد إلى حسن الاستبصار، وافتقاد القدرة على الحكم السليم، وأنه في ذلك هو أشبه بالمصابين باضطرابات الشخصية، ورأوا في سلوكه تجسيدا نموذجيا لذلك الاضطراب النفسي المعروف في أوساط الطب النفسي وعلم النفس المرضي باسم انقسام الشخصية split personality أو الشخصية المتعددة multiple personality disorder، أي التحول في الظهور من شخصية إلى شخصية أخرى مختلفة تماما عن شخصيته الأصلية وما تتطلبه الشخصية الأصلية من تصرفات عاقلة تتسق مع الدور الاجتماعي والمركز الخاص بها. وكنموذج أدبي معروف لوصف هذا النوع من الشخصيات رواية الروائي الألماني "ستيفينسون" "دكتور جيكل ومستر هايد" التي تصف بوضوح شخصية الدكتور جيكل الذي يعمل بالنهار في مهنته العلمية بمهارة وإتقان، ولكنه يتحول بالليل إلي شخصية "مستر هايد" منحلة، ونزقة ومختلفة تماما عن شخصيته الأصلية. ومن الأمثلة عليها أيضا رواية "شرايبر" المعروفة باسم "سيبيل" Sybil التي تحكي قصة مريضة مصابة بهذا الاضطراب، وتتنقل بين حوالي 16 شخصية مختلفة كل واحدة منهن عن الأخرى. ومهما يكن الوصف الطبي للرئيس الأمريكي الحالي، فسيظل بشكل ما نموذجا لما يصيب الناس في مواقع الشهرة السياسية من اضطراب وتوتر يخرج بهم أحيانا عن دائرة التصرف المتزن والحكيم.
هذا بين الساسة، أما بين فرسان الكلمة، وطائفة الأدباء والفنانين، فإن قائمة من أصيب منهم بالاضطراب النفسي تطول كثيرا عن ذلك. "ففرجينيا وولف"، عانت من الاكتئاب الحاد إلى أن قررت أن تنهى حياتها بالانتحار. وعانى "كافكا " Kafka? منه حتى وفاته. وكتب "كيتس"Keats عن حالة مماثلة. أما "جيتة"، Goethe فقد أعلن في أخريات أيامه بصورة مأساوية أن حياته: " لم تكن إلا ألما وعبئا، وأنني أؤكد أنني خلال الخمسة والسبعين سنة من العمر التي عشتها حتى الآن، لم أختبر الصحة الطيبة ولو لأربعة أسابيع متصلة. ويسجل لنا سمينتون ، في كتاب شيق عن العظمة والعظماء الذين صنعوا التاريخ نماذج تبين أن بعضهم وصلت بهم حالات الاضطراب لدرجة أنهم كان يجب أن يحجزوا في مصحات عقلية للاستشفاء وذلك مثل "عذرا باوند"، و "فان جوخ"، و "هو لدرين" (أمير الشعراء الألمان الذي قيل أنه عاش ثمانين عاما، نصفها في مستشفي للأمراض العقلية). و وبعضهم أنهى حياته في تلك المصحات من أمثال "ماركيز دى صاد،" و "فيرجيسون"، و "شومان،" و "سيميتانا،" و "فيرجينيا وولف". وقصة "نيتشة" فيلسوف القوة وأحد كبار المفكرين الألمان معروفة لكل نقاد الأدب والمفكرين بسبب نهايته المفجعة وإصابته بالجنون الكامل. فلم يكن هناك من يتخيل أنه هو الذي كتب قبل إصابته بالجنون بسنوات تحفته الفكرية كتاب "هكذا تكلم زارادشت". أما "هيمينجواى" فقصته معروفة، إذ يقال أنه أنهى حياته بنفسه بطلق ناري، وقبل انتحاره عاني من الاكتئاب والإدمان الكحولي، و تطلب كل ذلك منه أن يتلقى علاجا طبيا منتظما باستخدام جلسات من الصدمات الكهربائية بعيادة "مايو كلينيك" الأمريكية المشهورة .Mayo Clinic
نحن نعجب بالعبقرية والعباقرة لعدد كبير من الأسباب. لعل من أهمها أننا نعجب بإنجازاتهم وأعمالهم العظيمة التي لا تخفى علي الناس وتصل نتائجها غالبا إلى الملايين من البشر لتضفي علي حياتهم المتعة والراحة والشعور بالسيطرة علي البيئة والنفس. لقد غير "جاليليو" و"نيوتن" من مفاهيمنا عن العالم الطبيعي والبيئة المادية، ومثلهما فعل "داروين" و"أينشتي" و "زويل". وأثري "باخ" و "موزارت" حياتنا بما ابتكروا من موسيقي وألحان، ومثلهما فعل "بتهوفن" و"تشايكوفسكي" و"هندل" .
فضلا عن هذا، لا يقتصر إعجابنا بالعبقرية والإبداع على تلك المنجزات بل تتعداها إلى أشياء أخرى. فعبقرية "شكسبير" مثلا لا تقتصر على الآفاق العقلية غير المتناهية التي فتحها أمامنا من خلال مسرحياته، بل امتد بآثاره علي اللغة الإنجليزية ذاتها مطورا إياها ومحققا من خلال الكلمة واللغة عوالم وآفاق لم تكن موجودة من قبل ولم يعد بإمكاننا الاستغناء عنها بعد اكتشافها. ومثله فعل "نجيب محفوظ" لا بالأعمال الروائية العظيمة التي أبدعها فحسب بل بما تركه من آثار عميقة في اللغة والنقد والأدب، والسلوك البشري والاجتماعي. وأضافت مساهماته للأدب العربي والعالمي الكثير بمقاييس التذوق الفني والأصالة والوعي بالحياة الإنسانية بحيث لم يعد بإمكان العقل أن يتقلص في فهمه وتذوقه للحياة البشرية إلى ما كان عليه من قبل.
فالمبدع العبقري إذن إذا أردنا أن نعرفه بشكل عام: شخص استطاع أن يتجاوز المقاييس العادية من خلال أعماله الخلاقة في الأدب أو الفن أو العلم، أو أي حقل من حقول المعرفة والنشاط.
ولأن العمل الإبداعي يحقق الكثير لصاحبه ولمجتمعه، ولأنه يتطلب قدرات شخصية هائلة لا تكون عادة متوفرة أو محتملة أو ممكنة للآخرين، تطورت نظريات واتجاهات فكرية مختلفة تفسر سلوك المبدعين بالاضطراب العقلي والجنون. ولكثرة ما كتب مؤيدا لهذا الرأي، أصبحت صلة الإبداع بالجنون والاضطراب النفسي هي الأمر الشائع والقريب للذهن عند تفسير الجوانب الغامضة والمبهمة في سلوك المبدعين وتطور العملية الإبداعية.
ويعتبر هذا المقال إعادة قراءة، أو بالأحرى إعادة تنظيم للوقائع والأفكار المتجمعة عن موضوع الصلة بين العبقرية والجنون أو بلغة نفسية معاصرة عن الإبداع وصلته بالاضطراب النفسي. رؤيا تضم بعض الحقائق الرئيسية التي تراكمت في دراسة السير الذاتية للمبدعين، فضلا عن النتائج التي ولجت ميدان علم النفس إثر تطور حركة القياس النفسي، وما ساندها من تجارب علمية متخصصة. وتضم بعض الحقائق المعاصرة عن طبيعة المرض النفسي والعقلي، لنقارن بين الخصائص الشخصية والضغوط التي تسود حياة المبدعين، والمرض النفسي أو العقلي بالمعني الإكلينيكي المتعارف عليه.
أما لماذا بقي التفسير المرضي للإبداع قائما بالرغم من كل النتائج المعارضة لذلك، فقد كان في تصورنا راجعا في كثير من جوانبه لعدم الإلمام ببعض المفاهيم الحديثة في علم النفس بما فيها مفهوم الضغوط النفسية، وخلطه بمفهوم المرض النفسي. ولهذا خصصنا الفصل السادس لمناقشة الضغوط التي تفرضها أحداث الحياة علي المبدع. فالمبدع يتعرض لنصيب وافر من المنغصات التي تأتيه من جهات متعددة، وجوانب متنوعة من الضغوط النفسية والانفعالية والاجتماعية تثيرها:
· حاجاته الخاصة للنمو و الارتقاء بعمله، والتجويد في أدائه.
· ظروفه الصحية والمادية والمعيشية، والتي قد يتعارض إشباعها على نحو شديد مع احتياجاته للاستمرار في عمله وممارسة واجباته الإبداعية
· والمبدع في نفس الوقت يعيش في مجتمع له أيضا متطلباته الخاصة التي يحاول أن يفرضها على الفرد المبدع، بما في ذلك حتى القيمة التي يراها في إبداعات هذا الشخص، ومدي ما يمنحه للعمل الإبداعي من اعتراف أو تقدير أدبي أو مادي.
· فضلا عن هذا وذاك، هناك الأخطاء الشخصية التي يرتكبها المبدع في حق نفسه أو في حق الآخرين. إن كل ما يتعلق بالعوامل المزاجية وسمات الشخصية وأساليب التعامل الاجتماعي الخاطئة، والتقلبات الانفعالية جميعها تنتمي لهذه الفئة من العوامل
و لابد أن نعترف مع هذا أننا لم نهدف بتقديم هذه الرؤيا إلا التمهيد لطريق مختلف من الفهم لوقائع موجودة بالفعل، وليس إلي تقديم رؤيا جديدة تنشد الكمال أو شيئا قريبا من الكمال. أجل التمهيد لطريق مختلف يمكننا من خلاله الإشراف على مشهد جديد وصياغة مختلفة لوقائع موجودة في دراسة هذا الموضوع الحيوي لا أكثر ولا أقل.
موقع بين تيارين من التفكير
في عبارة متهكمة، وصف "برتراند راسل" "أر سطو" قائلا:
"ذكر أر سطو أن للنساء عددا أقل من الأسنان، ولكنه (أي أرسطو) و بالرغم من أنه تزوج من امرأتين لم يكلف نفسه مرة أن يقوم بفحص "فم" أي من زوجتيه ليتحقق من صحة هذا الرأي المزعوم".
وهي عبارة تكشف بوضوح عن الفرق بين العلم والفلسفة في عبارة تهكم فيها "راسل" من سيطرة الفكر اليوناني، وافتقاد "أرسطو" لأبسط قواعد العلم عندما تبني هذا الزعم الذي تدحضه كل الملاحظات. وبذلك تخلى "أرسطو" عن حقيقة رئيسية تصف العلم والتفكير العلمي, لأن العلم يعتمد على احترام الوقائع وعلي تقديم البراهين لإثبات الرأي أو دحضه.
وفي موضوع كالعبقرية والإبداع وصلتهما بالمرض النفسي، يلاحظ المتتبع للتفسيرات الفلسفية والنظرية العامة لهذا الموضوع شيئا من هذا الخلط. فنجد الكثير من المزاعم المنتشرة في الأوساط الثقافية العامة بأن العبقرية والإبداع يلتحمان بالجنون دون أن نكلف أنفسنا البحث و النظر في عشرات الملاحظات الداحضة والمعارضة لهذا الرأي.
عالم الإبداع عالم مثير ومليء بجوانب من البحث والدراسة لا تزال خافية عن البعض، ودوافع العمل الإبداعي لا تخلو من التعقيد، وحياة المبدعين نتاج لكثير من العناصر النفسية والاجتماعية والحضارية التي لا يجوز التعامل معها بالتبسيط والاستخفاف، لأن ما يقدمه الإبداع والمبدعون للمجتمع، ولحياتنا بجوانبها التكنولوجية والفنية والاقتصادية والفكرية كثير وملئ بالثراء والعطاء. ولعلنا لا نبالغ إن ذكرنا بأن كل جوانب التقدم (وربما الهدم والدمار)، في أي جانب من جوانب الحضارة والثقافة الإنسانية مرهون بما تقدمه هذه الحفنة البسيطة من العقول اللامعة والمبدعة في أي مجتمع. و لهذا فمساهمات الإبداع والمبدعين في حياتنا أمر لا يجوز إغفاله وينبغي معرفة شروطه ودراسته علي نحو يسمح لنا بالاستفادة الملائمة بتلك الإسهامات.
ومع ما للقدرات الإبداعية من أهمية، فإن دراستها ومعرفة شروط نموها، والعوامل التي تيسر ظهورها، أو التي تعوق هذا الظهور لازالت محدودة بشكل مؤسف. فلازالت دراسة الموهبة الإبداعية متروكة لتيارين متطرفين من التفكير. يغرق أحدهما في تعميمات نظرية فضفاضة، وهو التيار الذي تتبناه طائفة كبيرة من المفكرين والفلاسفة ونقاد الأدب والفن، وبعض المنتمين لنظريات التحليل النفسي الفرويدي المبكرة. أما التيار الآخر فيغرق في الاهتمام بجمع وقائع جزئية يتعذر في كثير من الأحيان وضعها في إطار متسق من التفكير والنظر.
ويبدو أن صلة الإبداع بالمرض النفسي والعبقرية قد عانت أكثر من غيرها من موضوعات السلوك الإنساني من تجاذب هذين التيارين. فلا زال المدقق في دراسة هذا الموضوع يجد نظريات فضفاضة ورثناها من التفكير الفلسفي الممتد في مئات الأعوام الماضية من حياتنا الفكرية والحضارية الماضية، وهو التيار الذي يربط علي نحو آلي بين العبقرية والجنون، ويري أن العبقرية دالة على الجنون، أو أن في الجنون نوع من العبقرية.
وكان من الطبيعي أن يتبلور بفضل تقدم المنهج العلمي، اتجاه علمي معارض لهذا الاتجاه الفلسفي الفضفاض بهدف دراسة الصلة بين العبقرية والمرض، وهو ما يمثل الاتجاه الثاني من التطور.
وقد سيطر علي هذا التيار- الذي يمكن أن نطلق عليه تيار القياس النفسي- الدارسون المنتمون لعلم النفس التجريبي، والتحليل العاملي وما يستند إليه من علاقات وارتباطات إحصائية. وهو تيار -بالرغم من أننا لا نستطيع أن نغفل إمكانياته الهائلة-لم يخلو من بعض المثالب. فقد أغرق أصحابه بجمع وقائع جزئية، انطلاقا من مفهوم ضيق عن الموهبة الإبداعية.
نمو حركة القياس النفسي الممثلة لهذا التيار الثاني من التفكير، قدمت إنجازات هائلة في دراسة الإبداع بشكل عام، فأصبح لدينا- بفضل حركة القياس النفسي وتطورها علي مر السنين الماضية- عشرات من مقاييس العمليات العقلية العليا (كالإبداع)، ومقاييس المرض النفسي والصحة النفسية. وهناك مع ذلك كثير من التحفظات التي تؤخذ علي حركة قياس العمليات العقلية العليا- كالإبداع أو الذكاء- بحجة أنها أشياء تتعذر علي القياس والتقدير. وبالرغم من هذه التحفظات، فإن أصحاب هذا الاتجاه، تجدهم يتفقون مع المقولة التي دعا لها العالم الأمريكي "ثور نديك" منذ أكثر من 50 عاما بأن كل شيء موجود يوجد بمقدار، ولهذا يمكن قياسه."
وصحيح أن ما قدمه هذا التيار العلمي من اهتمامات مكثفة قد ساهم في إزالة الكثير من جوانب الغموض في دراسة الصلة بين العبقرية والمرض، لكن الدارسين الذين اعتنقوا هذا التيار أغرقوا للأسف في التركيز الضخم علي التكنيك، وجمع الوقائع المجزئة مما عرقل من النمو المعرفي المدقق في فهم الظواهر المحيطة بالإبداع من جهة والظروف الاجتماعية و عوامل الشخصية من جهة أخري. ولهذا كان من الصعب علي الباحث أن ينتقل من دراسة القدرات الإبداعية كما يقيسها علم النفس المعاصر، إلي دراسة الإنسان المبدع الفعلي في بيئته الفعلية، وأصبحت الفائدة التي جنيناها بفضل 5. عاما من التطور في الدراسات التجريبية-النفسية لهذا الموضوع محدودة.
قبل أن أترك هذه النقطة، أسارع إلي القول أنني لا أود أن أقحم نفسي في الدفاع عن هذه النظرية أو تلك، ولا أود أن أتورط في تعميمات عن صحة أي منهما. كما أنني لا اعتقد أننا في حاجة لتبني وجهات نظر كاملة تدعو لها مدرسة أو أخرى من التفكير السيكولوجي أو الفلسفي. إننا نحتاج في الفترة الراهنة لإعادة النظر فيما تجمع لدينا من حقائق فلسفية أو تجريبية، ونحتاج لإعادة قراءتنا للبحوث التجريبية وللجهود النظرية علي السواء والتي تراكمت علي مر الأعوام السابقة في دراسة هذا الموضوع الحيوي: صلة العبقرية بالمرض النفسي. ونحتاج لعملية تنظيم بين الوقائع المتجمعة. عملية تنظيم وقائع أي في وضعها في قالب نظري يجمع ببين نتائج التيارين السابقين من التفكير في نظام نظري متسق، يسمح بمواصلة البحث، وبالاستفادة التطبيقية بما أنجزنا من تفكير أو فهم لهذه العلاقة.
ونحتاج فضلا عن هذا أن نضم عند إعادة قراءتنا، وإعادة تنظيمنا لهذه الحقائق الفكرية والتجريبية المتجمعة عن الصلة بين الإبداع والمرض، أن نضم إليها رؤية تركز على حقيقة ما يلعبه الصراع الاجتماعي في حياة المبدعين.
فالعمل الإبداعي في حقيقته يعني ابتكار شيء جديد عن الموضوع الذي نبدع فيه، أي شيء مختلف عما اعتاد عليه الذهن أو التفكير السائد من تصورات وحلول تقليدية. ولهذا فالعمل الإبداعي مهدّد للآخرين بطبيعته. مهدد من حيث أنه يقدم رؤيا مختلفة، والشيء المختلف لا يثير الترحيب دائما.
والعمل الإبداعي مهدّد من الناحية العملية للآخرين وأصحاب مراكز القوة الفكرية والعلمية والأكاديمية في داخل المجتمع والمستفيدين بالشكل التقليدي السائد من التفكير والنظريات. والشيء المهدد في العادة مثير للنفور، والاعتراض والاحتجاج والمخاصمة. ومن ثم، فإن عمليات الصراع الاجتماعي تبرز كما لو كانت أحد البديهيات الرئيسية في دراسة الإبداع.
ولا يمكن في تصورنا فهم الصلة بين الإبداع والمرض دون أن ندرس ما تتركه هذه الصراعات والمشاحنات الاجتماعية من نتائج علي السلوك، والشخصية. ومن ثم فإن أي إعادة قراءة للإبداع من حيث صلته بالمرض النفسي أو العقلي لابد أن تستفيد بما تقدمه دراسات علم النفس الاجتماعي المعاصر.
ونحتاج أيضا أن نضم إلي رؤيتنا ما قدمته العلوم النفسية المعاصرة في دراستها للعوامل التي تحكم العلاقات بين الظواهر الفكرية (كالإبداع)، والظواهر الانفعالية والشخصية والصحية (كالمرض النفسي والعقلي والجسمي)، ونعني هنا بشكل خاص ما يسمي بعلم النفس الطبي. فقد قدم علم النفس الطبي- الذي يعتبر من أحدث الفروع المعاصرة في علم النفس خلال السنوات العشر الماضية_ قدم كثيرا من المفاهيم التي يري الكاتب الحالي أنه ستكون لها نتائج هامة في فهم كثير من جوانب الصحة والمرض في حياتنا بشكل عام، وفي حياة المبدعين بشكل خاص.
ومن المفاهيم التي قدمها علم النفس الطبي: مفهوم الضغط النفسي أو الضغط الانفعالي emotional stress. وأعتقد شخصيا أن هذا المفهوم سيساعد علي إعادة فهمنا لكثير من جوانب الصحة أو المرض، وأن نتناول هذه الجوانب بطريقة أكثر رحابة، وأكثر تجاوزا للمفاهيم التقليدية التي ورثناها من الطب النفسي المعاصر، والتي كانت تطبق علي نحو متعسف في أي محاولة لفهم العبقرية والعباقرة.
إذن فقد وصل علم النفس الطبي في العقدين الأخيرين مرحلة من التطور لم يعد من المقبول في ضوء ما حققه من إنجاز أن ننظر للمبدع علي أنه مصاب بالفصام أو الهستيريا، أو المرض العقلي لمجرد وجود تشابه جزئي في الأعراض التي تصف المصابين بهذه الأمراض، وبعض الأعراض التي تتملك المبدعين عندما يكونوا تحت تأثير الضغوط النفسية التي يفرضها العمل الإبداعي ذاته أو ما يثيره هذا العمل في الوسط الاجتماعي المحيط بالمبدع.
وتحتاج إعادة قراءتنا، أيضا، لرؤيا تهتم بتشخيص المشكلة وعلاجها معا. فعمليتي التشخيص والعلاج كما يراها العالم النفسي المعاصر عملية تلتحم بالتشخيص. فعلم النفس المعاصر لا يكتفي بالقول بأن الإبداع يرتبط أو لا يرتبط بالمرض النفسي أو العقلي، بل يهتم بتحديد الشروط النوعية التي إن وجدت كان من السهل تحديد هذه الصلة أو نفيها. وهي العملية التي جري عرفنا نحن العاملون بحقل الصحة النفسية بوصفها بأنها عملية التشخيص. ولا يكتفي العالم النفسي بالوقوف عند عملية تشخيص المشكلة، ومعرفة شروطها، بل وأصبح قادرا علي أن يقدم العلاج، من خلال إما: التحكم في هذه الشروط، وتقديم المقترحات العملية التي تساعد علي إزالة الشروط المنفرة التي من شأنها أن تؤثر في القدرة الإبداعية والمبدع سلبا، أو تكوين شروط إيجابية تساعد علي خلق شروط صحية مرغوبة تضمن للمبدع الاستمرار في نشاطاته الإبداعية بأكبر قدر ممكن من الصحة والحيوية، أو من خلال:
الجمع بين هاتين العمليتين معا أي أن يساعد علي إزالة شروط منفرة ومعارضة للصحة النفسية مع تدعيم وخلق شروط إيجابية تزيد من الرصيد الصحي والفاعلية.
لهذا فالتقدم المعاصر في علم النفس الإكلينيكي السلوكي، وما يقدمه من مناهج تساعد علي تعديل السلوك علي نحو صحي، يعتبر من أحد المكاسب الرئيسية التي لم نجد- في حدود علمنا- من أولاها اهتماما يذكر عند الحديث عن الإبداع والمرض. فالمبدع فوق كل اعتبار آخر هو إنسان، معرض كغيره لكثير من الضغوط، (بل هو معرض لهذه الضغوط أكثر بكثير من الآخرين لأسباب سوف نتعرض لها في مواقع مختلفة من هذا الكتاب). والمبدع لهذا يحتاج للاستفادة من الدروس التي تقدمها حركة العلاج النفسي والسلوكي المعاصرة لتخليص حياتنا من الشوائب المرضية التي تتملكنا بين الحين والآخر.
أمثلة ونماذج من الاضطراب في حياة العباقرة والمبدعين
"وصلت إلى أسوان كالساهر الذي طوى الليالي وصالا بغير راحة، ثم ركن بجنبه لحظة واحدة إلى طرف الفراش. إنه في سهرته، يواصل الحركة ولا يبالي متى يرقد ليستريح، ولكنه يرقد لحظة واحدة فلا يدرى متى هو قادر على النهوض.
"وتملكتني فكرة الموت العاجل، فأدهشني أنني لم أجد في قرارة وجداني فزعا من هذه الفكرة، وكدت أقول لنفسي أنني أطلبها ولا أنفر منها...!
“ وأخال أن صدمة اليأس كانت أشد على عزيمتي من صدمة المرض، أو على الأصح، من صدمة الإعياء...
"وأشد ما أصابني من هذا اليأس أنه كان يأسا من جميع الآمال، ولم يكن يأسا من أمل واحد، كان يأسا من معنى الحياة، ومن كل غاية في الحياة.
“ هو الموت إذن كما استقر في خلدي بلا أثر ولا خبر، وهو الموت إذن أمضى إليه صفر اليدين من مجد الأدب ومجد الدنيا، ومن كل مجد يبقى بعد ذويه...
" وهل هذا يليق؟ يا ضيعة لرجاء المجد المتطلع إلى عشاق وعبادة؟"
بهذه العبارات السابقة رسم " عباس محمود العقاد" مشاعره خلال فترة معاناة حادة في حياته المبكرة في مدينته بأسوان. ومن المؤكد لو أننا طلبنا من أي طبيب نفسي أن يصف لنا حالة هذا الكاتب الكبير من خلال تلك العبارات لما تردد أن يصف حالته بالاكتئاب. ففي هذه العبارات وصف نموذجي لاضطراب الاكتئاب ، بما في ذلك العجز عن الاسترخاء والنوم، و مشاعر اليأس والتشاؤم، والإرهاق البدني، والإحساس بالركود والإعياء والعزوف عن النشاط الإيجابي، والشكاوى البدنية، وعيادة الأطباء، والترحيب بالموت. وفي تعليق له علي هذه الحادثة، روى لأنيس منصور (الذي حاول هو بدوره الانتحار عندما كان تلميذا صغيرا) ما ألم به من معاناة واضطراب التفكير. قال العقاد: يومها يا مولانا.. لم أجد شيئا يتفق مع عقلي.. وليس لي إلا عقلي، لم أجد منطقا لأي شيء.. وجدت كل الناس مجانين، وأنا العاقل وحده، وجدت كل شيء قد اختلت موازينه.. بل انعدمت موازينه، وأنا وحدي الذي أمسك ميزانا.. ما فائدته؟.. ما فائدتي؟.. إذن فليس مرغوبا، ولا مطلوبا أن أعيش، أو حتى أن أكون، فقررت أن لا أكون.. فإذا كان وجودي ليس باختياري، فليكن موتي باختياري. و ما قاله العقاد يكشف عن صورة مألوفة لما يلعبه الاكتئاب والاضطراب النفسي في حياتنا من تشوش قي التفكير، وتشاؤم في المزاج، وتطرف في إدراك الأمور بأسوأ التوقعات.
ولم يكن عباس “العقاد” بين العظماء وحيدا في هذا المجال، ولا أول ولا آخر من عاني أو سيعاني من الاكتئاب والاضطراب النفسي. مثلا يكتب لنا الطبيب النفسي "رونالد فييف"Fieve, وهو طبيب نفسي معاصر، ارتبط اسمه باكتشاف عقار الليثيام Lithium المعروف بتأثيره الإيجابي في علاج حالات التقلب الوجداني-، يكتب لنا كتابا يطلعنا فيه في فصل كامل يوثق فيه ما يدل على أن بعض المشاهير السياسيين من أمثال "إبرا هام لينكلن" Abraham Lincoln محرر العبيد ورئيس جمهورية الولايات المتحدة، و"ثيودور روزفلت" Theodor Roosevelt، و"وينستوتشر شل" Winston Churchill، قد عانوا بالفعل من درجات حادة من التقلب الوجداني، التي كان الاكتئاب من أحد ملامحها الرئيسية. فـ”لينكلن”، فيما يصف لنا "فييف"، عانى من نوبات اكتئابية منذ فترة مبكرة في العشرينات من العمر، وإلى أن كان محاميا، واستمرت معاناته منه حتى أصبح رئيسا للولايات المتحدة. ذكر هو نفسه ذلك في خطاباته، وكتب عن معاناته المقربون منه، ومن عملوا معه. ولأن موجة الاكتئاب واليأس التي كانت تصيب “لينكلن”، كانت تتلوها فترات من النشاط الزائد، والإغراق الشديد في العمل، فقد افترض “فييف” أن “لينكلن” عانى من حالة من الجنون الدوري الخفيف، أي ذلك النوع من الاضطراب الدوري، والتقلب المزاجي الحاد بين الاكتئاب والهوس. ولأن أسرة “لينكلن” قد خلت من حالات مماثلة من هذا الاضطراب، فقد افترض “فييف” أيضا أن الاكتئاب الذي أصاب “لينكلن” لم يكن بسبب عوامل وراثية معروفة، لقد كان أقرب ما يكون لما يسمى بالاكتئاب الاستجابي.* والدليل على ذلك، أن الاكتئاب ظهر لديه مبكرا في العشرينات من عمره إثر وفاة حبيبته الأولى. إذ دخل بعدها في موجة حادة من الاكتئاب، وكان يُشاهد وهو يتجول ويهيم هنا وهناك على شاطئ البحر، وبين الغابات. وكان يصفه من يراه، بأنه كان يبدو مشتتا، غائب الذهن، مطأطئ الرأس، مستغرقا في ذاته وأحزانه. ولم تشفع له فيما يبدو حتى حياته التالية عندما أصبح رئيسا للولايات المتحدة، فقد كانت تنتابه نوبات من الاكتئاب منذ الشهور الأولى لتوليه الرئاسة، تميزت بالإنهباط الحاد في الطاقة على الفعل والحركة، والرغبة في الانزواء بنفسه، في ظروف كانت تتطلب منه الدخول في معارك سياسية حاسمة. وقد ازدادت حدة المرض لديه، عندما توفى ابنه في البيت الأبيض. بعدها ازدادت حالته سوءا لدرجة انه جعل من يوم الخميس من كل أسبوع يوما للعزلة، والإغراق في الحزن، يعتكف خلاله بعيدا عن الآخرين بما في ذلك حتى نشاطاته في توجيه أمور الدولة.
أما الصورة التي أخذها هذا الاضطراب لدى “روزفلت”، فقد تماثلت مع الصورة نفسها لدى “لينكلن”، بفارق أساسي واحد، هو أن الاضطراب الدوري الذي غلب على “روزفلت”، كان يجنح نحو الاستثارة الشديدة. فقد كان “روزفلت” دائم الحركة والنشاط، لا يكف عن العمل. صحيح أنه كان يتعرض بين الحين والآخر لنوبات من الاكتئاب ،إلا أنها كانت بالمقارنة بـ ”لينكلن” فترات قصيرة، كان يرجع بعدها لروحه المتفائلة النشطة. مثلا تعرض للملانكوليا مرتين: المرة الأولى عندما توفيت زوجته الأولى بعد أربعة سنوات فقط من الاقتران بها أثناء ولادتها، وماتت أمه بعد 12 ساعة من وفاة زوجته. يقول معاصروه أنه بالرغم من الاكتئاب الذي أصابه نتيجة لتلازم الكارثتين معا، فإنه،على عكس ما كان يحدث لـ ”لينكلن”، سرعان ما تراجع عن حزنه، ليعود لممارسة نشاطاته السياسية المعتادة، وليتزوج مرة أخرى بعد سنتين من وفاة زوجته الأولى، لينجب منها خمسة أطفال. ويقول معاصروه أيضا أنه كان يغرق نفسه في نشاطات يومية خارقة فسرها "“فييف" بأنها علامة على سيطرة موجة الهوس عليه. فقد ذكرت سكرتيرة "روزفلت" أنه كتب خلال فترة رئاسته ما يقرب من 150 ألف رسالة، بقى محفوظا منها حوالي 100 ألف. وإذا صح ما يقوله مؤرخون من أنه كتب ما يعادل 18 مليون كلمة، فهذا يعادل عمل 10عاما من الإنتاج الأدبي لكاتب أدبي نشط.
أما "تشر شل" فقد عرف عنه أنه كان مستهترا بحياته ونقوده، ولا يولي نتائج أعماله ما يليق بها من اهتمام، لدرجة أن "لويد جورج" غريمــه السياسي طالب بوضعه تحت المراقبة، و"فرملته"،خوفا من نتائج أعماله على مصير بريطانيا العظمى. وهذه الخصائص كانت تميزه في الحالات التي لم يكن فيها مكتئبا، أي في حالات الهوس. وفى مثل هذه الحالات عرف عن “تشر شل” أنه كان لا يتوقف عن الكلام، وانه يقول ما كان يعن له دون ضوابط، وكان ”روزفلت” لا يتوقف عن الكلام ولا يترك للآخرين فرصة للحديث أو لإبداء الرأي. واشتهر عنه أيضا أنه يتحول في مثل هذه الحالة إلى إنسان متسلط، محب للسيطرة، وللدخول في نشاطات متعددة ومتعرضة بما فيها الكتابة الأدبية والسياسية، والممارسات اليومية، وتوجيه دفة الحرب ضد هتلر، وبناء الدولة في مواجهة السيطرة النازية في أوربا، وبدء وتنفيذ مشاريع طموحة، لم يكن بمقدوره متابعتها فكان يتركها لمعاونيه لإنهائها إيجابا أو سلبا.
ولكنه كان أيضا يتعرض لحالات من الاكتئاب الحاد، طوال عمره تقريبا، كان يسميه بلغته الأدبية "الكلب الأسود " black dog، لوصف المعاناة التي كانت تنهشه خلال أزمة الاكتئاب. يكتب "“تشر شل”" عن إحدى هذه النوبات العبارات المعبرة التالية: "عندما كنت شابا في مقتبل العمر، مرت على لحظات طويلة، كنت أشعر خلالها أن أضواء الأمل في حياتي قد خبت، كنت خلالها أعجز عن العمل إلا في حالة الضرورة القصوى. كنت أجلس في "مجلس العموم،" والاكتئاب الأسود يجثم فوق كاهلي... لقد فقدت في تلك الفترات تماما حتى الرغبة في الخروج إلى العالم الخارجي. وأكد طبيبه الخاص هذه الحقيقة، فذكر أن أحد زملاء "تشرشل" وصفه أنه كان دائما يبدو مكتئبا، وأنه عندما بلغ الخامسة والخمسين من العمر كان يبدو دائما يائسا، ولم يكن يرى إلا الجانب المعتم من الحياة، حتى أنه لم يستطع أن يخبئ إحساسه بالاكتئاب الدائم. كان يرى أن حياته لم يعد لها معنى، وأن نهايته وشيكة.
في تلك الفترة، بدا “تشر شل” يبدي بوضوح عدم اكتراثه لما يدور حوله، وتوقف عن قراءاته، و عزف عن الحديث إلا فيما ندر، وهو الذي كان معروفا بحبه في الإفراط في الحديث، وبالهيمنة على أي نقاش عادى.وقد كتب قبل وفاته بفترة قصيرة: "لقد أنجزت الكثير ولكنني لم أكسب في النهاية شيئا."
أما الرئيس الأمريكي "وليام جيفرسون كلينتون" فقصصه مع عشيقاته، وممارساته الجنسية الطائشة معهن في داخل البيت الأبيض لم تعد خافية على أحد. فحياته السياسية والأسرية وإنجازاته تهددت تماما بسبب هذه الفضائح التي أدت في النهاية إلى محاكمته، وإلى احتمالات عزله من الرآسة. لقد وصف المقربون من "كلينتون" بما فيهم أفراد أسرته، وأعضاء حكومته وحزبه وصفوه بالطيش ودمغوه بالنزق والاندفاع. أما المعارضون فقد نظروا لسلوكه هذا مع المعلومات الكاذبة والمضللة للعدالة التي فسر بها هذا السلوك، على أنها أمور لا تليق برئيس أعظم دولة في العالم. ومن ثم فقد طالبوا باستقالته أو إقالته بسبب الشك في إمكانياته النفسية والخلقية التي ستعوق من وجهة نظرهم أدائه لدوره بطريقة فعالة. ومهما تكن النتيجة، وإلي أن تظهر نتيجة هذا الصراع الدائر على المستوى السياسي والحزبي، فقد نظر علماء النفس والطب النفسي إلى تصرفات "كلينتون" بأنها تكشف بلا شك عن سلوك مضطرب ومختل يفتقد إلى حسن الاستبصار، وافتقاد القدرة على الحكم السليم، وأنه في ذلك هو أشبه بالمصابين باضطرابات الشخصية، ورأوا في سلوكه تجسيدا نموذجيا لذلك الاضطراب النفسي المعروف في أوساط الطب النفسي وعلم النفس المرضي باسم انقسام الشخصية split personality أو الشخصية المتعددة multiple personality disorder، أي التحول في الظهور من شخصية إلى شخصية أخرى مختلفة تماما عن شخصيته الأصلية وما تتطلبه الشخصية الأصلية من تصرفات عاقلة تتسق مع الدور الاجتماعي والمركز الخاص بها. وكنموذج أدبي معروف لوصف هذا النوع من الشخصيات رواية الروائي الألماني "ستيفينسون" "دكتور جيكل ومستر هايد" التي تصف بوضوح شخصية الدكتور جيكل الذي يعمل بالنهار في مهنته العلمية بمهارة وإتقان، ولكنه يتحول بالليل إلي شخصية "مستر هايد" منحلة، ونزقة ومختلفة تماما عن شخصيته الأصلية. ومن الأمثلة عليها أيضا رواية "شرايبر" المعروفة باسم "سيبيل" Sybil التي تحكي قصة مريضة مصابة بهذا الاضطراب، وتتنقل بين حوالي 16 شخصية مختلفة كل واحدة منهن عن الأخرى. ومهما يكن الوصف الطبي للرئيس الأمريكي الحالي، فسيظل بشكل ما نموذجا لما يصيب الناس في مواقع الشهرة السياسية من اضطراب وتوتر يخرج بهم أحيانا عن دائرة التصرف المتزن والحكيم.
هذا بين الساسة، أما بين فرسان الكلمة، وطائفة الأدباء والفنانين، فإن قائمة من أصيب منهم بالاضطراب النفسي تطول كثيرا عن ذلك. "ففرجينيا وولف"، عانت من الاكتئاب الحاد إلى أن قررت أن تنهى حياتها بالانتحار. وعانى "كافكا " Kafka? منه حتى وفاته. وكتب "كيتس"Keats عن حالة مماثلة. أما "جيتة"، Goethe فقد أعلن في أخريات أيامه بصورة مأساوية أن حياته: " لم تكن إلا ألما وعبئا، وأنني أؤكد أنني خلال الخمسة والسبعين سنة من العمر التي عشتها حتى الآن، لم أختبر الصحة الطيبة ولو لأربعة أسابيع متصلة. ويسجل لنا سمينتون ، في كتاب شيق عن العظمة والعظماء الذين صنعوا التاريخ نماذج تبين أن بعضهم وصلت بهم حالات الاضطراب لدرجة أنهم كان يجب أن يحجزوا في مصحات عقلية للاستشفاء وذلك مثل "عذرا باوند"، و "فان جوخ"، و "هو لدرين" (أمير الشعراء الألمان الذي قيل أنه عاش ثمانين عاما، نصفها في مستشفي للأمراض العقلية). و وبعضهم أنهى حياته في تلك المصحات من أمثال "ماركيز دى صاد،" و "فيرجيسون"، و "شومان،" و "سيميتانا،" و "فيرجينيا وولف". وقصة "نيتشة" فيلسوف القوة وأحد كبار المفكرين الألمان معروفة لكل نقاد الأدب والمفكرين بسبب نهايته المفجعة وإصابته بالجنون الكامل. فلم يكن هناك من يتخيل أنه هو الذي كتب قبل إصابته بالجنون بسنوات تحفته الفكرية كتاب "هكذا تكلم زارادشت". أما "هيمينجواى" فقصته معروفة، إذ يقال أنه أنهى حياته بنفسه بطلق ناري، وقبل انتحاره عاني من الاكتئاب والإدمان الكحولي، و تطلب كل ذلك منه أن يتلقى علاجا طبيا منتظما باستخدام جلسات من الصدمات الكهربائية بعيادة "مايو كلينيك" الأمريكية المشهورة .Mayo Clinic