المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : # الجانب الأخلاقي في فلسفة الحكم عند الامام علي (ع) #



بلم بصراوي
09-21-2006, 08:16 PM
أن الاخلاق عند الامام فكرة وسلوك في آن واحد: سلوك في العمل، والناس بنظرة ثلاثة أصناف:
«فمنهم المنكر للمنكر بيده وقلبه ولسانه فذلك المستكمل لخصال الخير.
ومنهم المنكر بلسانه وقلبه والتارك بيده فذلك متمسك بخصلتين من خصال الخير ومضيع خصلة.
ومنهم المنكر بقلبه والتارك بيده ولسانه فذلك الذي ضيع أشرف الخصلتين من الثلاث وتمسك بواحدة.
ومنهم تارك الانكار بلسانه وقلبه ويده فذاك ميت الأحياء». فالتوافق التام بين عقيدة الانسان وبين قوله وعمله هو الغاية القصوى التي يدعو الامام الى غرسها في نفوس الناس. والعقيدة - بالطبع - هي الاساس الذي يستند اليه المرء في قوله وعمله.
فاذا سلمت العقيدة - من الناحية الخلقية -. سلمت الأقوال والأفعال المنبثقة عنها وبالعكس. ولا فرق عند الامام بين فساد العقيدة وصلاحها اذا لم يكن السلوك - في القول وفي العمل - منسجما معها في حالة سلامتها.
|ومن يدري فلعل العقيدة الفاسدة أقل ضرراً بالمجتمع من العقيدة السليمة التي لا تنسجم أقوال من يدعى أنه يحملها مع أفعاله في المدى القريب على أحسن الفروض.|
ذلك لأن الناس يسلمون مقدما بفساد العقيدة - باعتراف صاحبها - فيحزمون امرهم على مقاومته ومقاومتها بجميع الوسائل المتيسرة لديهم.
اما المتظاهر بحمل عقيدة سليمة فليس من السهل اجماع الناس على مقاومته وبخاصة اذا ما وجد من يبرز بعض أقواله وأعماله غير المنسجمة معها.
يتضح ذلك بأجلى مظاهره في صفوف الحكام - القدامى والمحدثين - أكثر منه في صفوف الرعية. ولذلك سهلت مقاومة الحاكم الفاجر المكشوف وصعبت مقاومة الحاكم الفاجر المستور.
وقد وضع الامام القاعدة الاخلاقية بشكلها السلبي لعلمه ان انكار المنكر- باليد واللسان والقلب - معناه، من الناحية الايجابية، التهيؤ لإشاعة غير المنكر فكرة وقولا وعملا. على أن ذلك بنظره من أصعب الامور.
«فما أصعب اكتساب الفضائل وأيسر اتلافها!!»
وما أصعب «على من استعبدته الشهوات ان يكون فاضلا». ولكن إشاعة غير المنكر، مع هذا، أصعب من مقاومة المنكر في الأعم الأغلب.
ومقاومة المنكر في اليد أصعب منها في اللسان، هي في اللسان أصعب منها في القلب.
ولهذا نجد الامام يخاطب الناس بقوله:
«إن اول ما تغلبون عليه من الجهاد الجهاد بأيديكم ثم بألسنتكم ثم بقلوبكم».
وقد سمى مقاومة المنكر جهاداً في سبيل الله يجاهد المسلمون به ولاة السوء كما يجاهدون المشركين.
وقد صدق ظن الامام في هذا الباب كما صدق ظنه حين قال:
«يأتي على الناس زمان لايبقى فيهم من القرآن الا رسمه ونم الاسلام الا اسمه، مساجدهم يومئذ عامرة من البناء خراب من الهدى، سكانها وعمارها شر أهل الأرض: منهم تخرج الفتنة واليهم تأوى الخطيئة». فقد لوثت السياسة «التي قاومها الامام » منذ مصرعه الى الوقت الحاضر فئة خاصة من رجال الدين وأغدقمت عليهم الجاه والمال والنفوذ والألقاب لمعاونتها في تثبيت مظاهر الفساد في الحكم وايجاد مخارج «شرعية» لموبقات الحاكمين من جهة وصرف الناس عن التحدث عن اعتداء الحكام على مبادىء الدين - والهائهم بوعظ تافه لا يمس جوهر الدين - من جهة أخرى.
ثم خص الامام بالذكر الحاكم فقال:
«من نصب نفسه اماماً للناس فعليه أن يبدأ بتأديب نفسه قبل تأديبه غيره».
وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسان»والا «كان بمنزلة من رام استقامة ظل العود قبل أن يستقيم ذلك العود». لأن «الداعى بلا عمل كالرامي بلا وتر» وفاقد الشيء لا يعطيه كما يقولون.
والعمل الصالح الذي يقوم به شخص متواضع الحسب يرفع - بنظر الامام - منزلة ذلك الشخص فيشرف حسبه وبالعكس.
فمن «أبطا به عمله لم يسرع به حسبه» و «شتان بين عملين، عمل تذهب لذته وتبقى تبعته، وعمل تذهب مؤنته ويبقى أجره.
يصف العبرة ولا يعتبر. فهو على الناس طاعن ولنفسه مداهن». واذا كان ذلك الخلق خطراً على كيان المجتمع «اذا اتصف به أفراد الشع» فهو على كيان المجتمع أخطر اذا اتصف به الحاكم.
قال الامام في هذا المعنى:
«أني لا أخاف على أمتي مؤمنا ولا مشركا: أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه وأما المشرك فيمنعه الله بشركه. ولكني أخاف عليكم كل منافق الجنان عالم اللسان يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون» فهو يريد من الحاكم ان يتبع ما أمره الله به في سورة «ص» حين قال:
«يا داود انا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله».
ثم عاد الى الناس يخاطبهم فقال: «إياكم وتهزيع الاخلاق وتصريفها. اجعلوا اللسان واحداً. ليخزن الرجل لسان فان هذا اللسان جموح بصاحبه... ان لسان المؤمن من وراء قلبه وقلب المنافق من وراء لسانه» وان من «عدم الصدق في منطقة فقد فجع بأكرم اخلاقه». وما «السيف الصارم في كف الشجاع بأعز له من الصدق.
والعقيدة السليمة من وجهة نظر الامام هي الايمان بالله على الطريقة الاسلامية مع جميع مستلزماته من الناحيتين النظرية والتطبيقية العلمية.
وفي ضوء ما ذكرنا نستطيع ان نقول: ان فلسفة الحكم عند الامام تستند من حيث الأساس على وحدة الوسائل والغايات. وهي بهذا المعنى تمقت الانتهازية او الوصولية بشتى صورها ومختلف مجالاتها. فلا يمكن على هذا الاساس ان يحقق المرء غاية نبيلة باتباعه وسيلة فاسدة. وبالعكس.
لأن الوسائل الفاسدة ترافقها وتنتج عنها غايات فاسدة ووسائل اخرى فاسدة كذلك، وبالعكس، والى هذا المعنى يشير الامام بقوله:
«والله ما معاوية بأدهى مني، وكلنه يغدر ويفجر».
والدهاء بنظر الامام هو قراءة صفحة المستقبل في ضوء ملابسات الحاضر وإمكانية بالاستناد الى الماضي القريب والبعيد.
اما الانتهازية وفساد الوسائل - مع فساد الغايات لانبلها - والمداهنة والمصانعة ونقض العهد والكذب وأضرابها من الموبقات - التي تقترن عادة باسم معاوية في تاريخنا العربي - فليست دهاء بالمعنى الذي أشار اليه الامام. والى ذلك يشير الامام - من الناحية المبدئية العامة - بقوله:
«قد يرى الحول القلب وجه الحيلة ودونها مانع من أمر الله فيدعها رأى عين بعد القدرة عليها، وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين».
ان فلسفة الحكم عند الامام تستند من الناحية الاخلاقية الى الفضيلة وتمقت الرذيلة. ترى ما الفضيلة؟ وما الرذيلة بنظر الامام؟ ومن يعينهما؟ وما المقياس الذي يتخذه الشخص للتمييز بينهما؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة من وجهة نظر الامام يمكننا ان نقول:
تتضمن الفضيلة كل عمل او قول ينطوى - بطريقة مقصودة او غير مقصودة - على الخير.
أما الرذيلة فهي كل عمل او قول ينطوى - بطريقة مقصودة او غير مقصودة - على الشر.
والقصد او عدمه - في القول او العمل - سيان في عملية التمييز بين الفضيلة والرذيلة بمقدار ما يتعلق الامر بطبيعة العمل نفسه.
اما الفرق الكبير بين الفضيلة والرذيلة فيما يتصل بالقصد أو عدمه فيقع في تعيين مسئولية الشخص الذي يتعاطى فعلهما.
فالكذب رذيلة بغض النظر عن نية الكاذب او قصده.
والصدق فضيلة على الاساس نفسه.
اما الخير الذي وصفنا الفضيلة بأنها مشتملة عليه فهو كل عمل او قول يشيع العدل بين الناس وينشر بينهم الأمن والطمأنينة ويشجعهم على التعاون في خدمة مصالحهم الخاصة ضمن اطار المصلحة العامة لا خارجه أو على حسابه.

د..نوري جعفر

بــدر الزمــان
09-21-2006, 09:48 PM
كلام جميل يستحق ان يكتب بماء الذهب
سلمت يد الكاتب ويد الناقل
جزاك الله كل خير اخي العزيز على هذا النقل الموفق..فقد تعودنا معكم على كل ما هو مفيد
تحياتي لشخصك الكريم

بلم بصراوي
09-21-2006, 10:08 PM
شكراً لردك الرائع.